essia.jpg

عن دار إيديليفر/ Edilivre الفرنسية للنشر، صدرت النسخة الفرنسية لـ "إسكندرية... لا مزيد" للشاعر المصري محمود عبد الصمد بإمضاء آسية السخيري

http://www.edilivre.com/doc/13270/Alexandrie-:-et-rien-de-plus_Traduit-de-l-arabe-en-le-francaispar-Essia-Skhiri/Mahmoud-Abd-Essamed-Zakarya

http://www.wobook.com/WBtc25a2525sBl6F/Alexandrie-et-rien-de-plus.html

L'Alexandrie, cette muse de toutes poques, couronne de ses extraordinaires histoires, demeure depuis toujours l'un des plus importants foyers culturels. Elle est le rve et la source d'inspiration de tous ceux qui effleurent ses secrets fuyants, trangers qu'ils soient ou bien gyptiens de pre en fils Dans Alexandrie, Mahmoud Abd Essamed Zakarya, pote originaire de cette ville qui est pour lui le nombril de l'univers et la perle de l'orient, russit restructurer son mythe personnel dans une splendide langue originale, excellant s'infiltrer dans les plus petits de ses dtails. Il sut s'unifier cette ville quasi divine, et qui devint pour lui l'amante vanescente et le paradis retrouv.Essia Skhiri, potesse, romancire et traductrice est ne le 12 mai 1961 Sahline, une ville du Sahel tunisien. Parmi ses uvres, son premier recueil de nouvelles Ports d'garement a eu le prix du Haut Parlement de la culture en Egypte. Dautres publications ont suivi avec son premier roman Ses ailes sont du vent qui a t publi la maison Arab Scientific Publishers au Liban, et une traduction de Les noces secrtes de Grard Caramaro. poemas

www.poemas-del-alma.com/blog/noticias/josefa-...

Umbrella-Yol.jpg

ملابسات مهرجان أوديسا الشعري

http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=17414

http://aicl.fr.gd/Le-Conseil-d-h-Administration.htm

http://www.palpeople.org/atemplate.php?id=1564

http://www.diariodejerez.es/article/opinion/536919/dos/importantes/publicaciones/jerezanas.html


Luigia Sorrentino-Poet-Italy

محمود درويش.... لا اعرف الشخص الغريب Mahmoud Darwish

محمود درويش على هذه الارض ما يستحق الحياة

الى امي...محمود درويش

عندما بكى محمود درويش

بحر امامك فيك بحر من ورائك

Mahmoud Darwish - Algerie 1983 ( Eloge de l'ombre)

بحر امامك فيك بحر من ورائك

Remembering Mahmoud Darwish - 10 Aug 08

Palestinians Bid Farewell To Mahmoud Darwish

Poeta palestino Mahmud Darwish muri a los 67 aos

El desastre palestino

مواقعنا خارطة الموقع نحنو سخرية وتهكم كتابنا جيبار آرابج إلزا لس كيو مسخلة مقالات مواقف لات للاتصال بنا

AICL

http://aicl.fr.gd/

Tayseer Nazmi Azzaman Articles

Poetry Homepage OM

About Us

Our Products

Product Catalog

Our Policies

Contact Us

Poetry 1

Poetry 2

Poetry 3

Poetry 4

Poetry 5

Poetry 6

Jerash Participant Poets2

poetry07

للإتصال بنا

To review our transferred website

(the old one) follow this link:

http://www.originality.jeeran.com/

To review our new built

(underconstruction) sites

follow this link:

http://www.nazmi.us/

http://www.nazmis.com/Poetry.php

http://www.nazmi.us/Poetry.php

http://www.originality.jeeran.com/poetry.html

http://pulpit.alwatanvoice.com/content-172832.html

bodlair.JPG

سأم باريس .. صناعة الغرابة

Sunday, July 12, 2009 at 9:13pm

ينبغي القول ان "سأم" بودلير يشكل مفصلاً في تاريخ الشعر الحديث ، فمعه ، أو مع غيره ، وقبله ربما مع كتاب " غاسبار الليل " لالويزيوس برتران ، ظهرت قصيدة النثر ، التي لم تكف منذ ظهورها رسميّا عن إرباك القارئ والناقد في آن واحد ، بحسب الفرنسي ميشال دليفل .سعى بودلير الى إيجاد تعريف أوّل لهذا النوع الأدبيّ بوصفه معجزة النثر الشعريّ ، فبعث برسالة الى آرسين هوسيه يقول فيها : " صديقي العزيز ، أبعث اليك بعمل صغير لن يكون في الامكان وصفه ، دون إجحاف ، بأنه لا ذيل له ولا رأس ، فكل شيء فيه ، على النقيض من ذلك ، رأس وذيل في آن واحد ، بشكل تناوبي وتبادلي .. عندي إعتراف بسيط أود الافضاء به إليك . خلال تصفحي للمرة العشرين على الأقل كتاب لالويزيوس برتران " غاسبار الليل " الشهير ( ألا يملك كتاب معروف لك ولي ولبعض اصدقائنا كل الحق في أن يعد شهيراً ) خطر في بالي أن أحاول عمل شيء مماثل وأن أطبق على تصوير الحياة الحديثة ، أو بالأحرى حياة حديثة واكثر تجريدا ً، النهج الذي طبّقه على رسم الحياة القديمة ، الأخاذة بشكل مفرط الغرابة . سأل بودلير : " من منا الذي لم يحلم ، في أيام طموحه ، بمعجزة نثر شعري ، موسيقى من دون وزن ومن دون قافية ، بالغ السلاسة والمرونة بحيث يمكنه التكيف مع الحركات الغنائية للروح ومع تموجات الهواجس وإنتفاضات الوجدان ؟ " . حلم بودلير لا يزال يراود الاجيال الجديدة من الشعراء الذين يبحثون عن لغة مغايرة تعيد الاعتبار الى الشعر . يعتبر دليفل ان " سأم باريس " محاولة أولى ذات دلالة ، لواحد من أعظم ممثلي المعيار الغربيّ في الأدب ، للشك في فذلكات الشعر المعترف بها على نحو واسع وعريض آنذاك ، وأعني حضور الوزن والقافية . ثمة من يعتبر أن بودلير في ديوانه هذا ، اقترب أكثر فأكثر من الشعر النثري منه إلى قصيدة النثر ، لأنه كتب القصيدة وحلم في الوقت نفسه بخلق معجزة نثر شعري موسيقي ، خال من القافية والعروض ، ذي أسلوب قليل الليونة وقليل الترابط لكنه يسمح بالتكيّف مع حركات الروح الغنائية ، ومع تموّجات الحلم ، ومع رجفات الضمير . اما الباحثة سوزان برنار فقالت : " يدهشنا تضارب الآراء ، عند بحثنا للأحكام الموجهة الى " سأم باريس " ، فالبعض يعجب ببودلير الذي - وقد رفض كل تأثير للأسلبة أو الموسيقية - نجح رغم ذلك في النثر الأكثر إيجازا ً، والأكثر " نثرية " ، في أن " يقول الأكثر من خلال الأقل " ، بل يذهبون إلى حد اعتبار " التعاويذ الايمائية " أكثر فاعلية في قصيدة النثر مما في المقطوعة المنظومة ، وذلك في الحالات التي تكون فيها المقارنة ممكنة . ولا يرى الآخرون في " سأم باريس " سوى نثر خالص ، ولا يمنحون اسم قصيدة النثر إلا لمقطوعة وحيدة هي " محاسن القمر " ، فبِمَ نفسر تضارب الأحكام الى هذا الحد ؟ ". الأرجح ان قصيدة " الغريب " ، التي تشكل مفتتح ديوان بودلير تعبّر عن عالمه اذ يقول : " أنت أيها الإنسان المحيّر المحاط بالأسرار ، من تؤثر في حبك ؟ أباك ، أمك ، اختك أم اخاك ؟ - انا لا أبا لي ، لا أم ، لا اخت ، لا أخ ". هذه قصائده النثرية التي تتألق بحريتها المطلقة وحداثيتها وباريسيتها . القواعد التى يتبعها هي القواعد الداخلية فقط . حساسيته البالغة تقود عبقريته إلى حساسية الفرح عند طفل فقير يلعب بفأر ، إلى حزن الأرامل ، إلى معاناة رجال يسحقهم وحشهم الخرافي ، إلى وجد العاشق غير المقدّر . ثمة قاعدة اخرى هي الاشراق . ففي عين إمرأة يرى بودلير الأبدية وتظهر له الجنيات وتعطيه منحة الاعجاب وتُظهر له الشيطان وإيروس ايضاً . ومن وجهة نظره ، " ما يسميه الناس الحب هين جداً ، قياسا الى تلك العربدة الفائقة الوصف ، الى المومسة المقدسة للروح والتي تهب نفسها بالكامل ، شعراً ورحمة ، للمفاجئ الذي يظهر ، للمجهول الذي يمر " . أو : " اغني للكلاب المشؤومة ، أكانت تلك التي تهيم على وجوهها ، وحيدة ، في الممرات المتعرجة في المدن الكبرى ، أم تلك التي قالت للإنسان المخذول ، بعيون مومئة وروحية خذني معك ، ومن بؤسينا ، قد نصنع نوعا من السعادة ". يجد بودلير نفسه في ديوانه ، مشدوداً ، إلى ميراثه الثقافي الغربي الباريسي ، إلى المحكيات الإنجيلية والميثولوجيا الإغريقية - الرومانية ، وهو يتوخى بناء ماهيات شعرية جديدة للذات الإنسانية ، المرأة ، الجمال ، الألم ، المكان ، والألفة ، وتصوير معاودة الإنسان الحديث للسقوط الرمزي جرّاء نهمه إلى ثمار المدنيّة الحديثة المغرية بواجهتها البرّاقة، الهشّة .اللافت انه رغم مرور عقود على صدور " سأم باريس " ، لا يزال صاعقا ، يقلق تفكراتنا ، ويجعلنا نحسد صاحبه على موضوعاته وشره وتسكعه . انه الاكثر حداثة من اجيال الحداثة ، والاكثر قدرة على تجميل القبح ، والاكثر شيطنة في ابتكار الأسفار الشيطانية . كان سهلاً على بودلير أن يحوّل باريس اللامعة إلى مرادفٍ للسأم ، وقد جعلته كتاباته عنها محورا للأبحاث النقدية والفلسفية . في كتابه "بودلير شاعر غنائي في حقبة الرأسمالية العليا "، يتحدث الألماني فالتر بنيامين عن لحظة الاكتمال تلك في باريس القرن التاسع عشر عبر ظهور ميل الى حالة " التسكع "، أو الى التجوال الحر غير القصدي داخل المدينة ، بوصفه محاولة أخيرة للتعامل مع فراغ المدينة باعتباره مكافئاً للفراغ الطبيعي اللامحدود والذي لا يفرض شكلاً معينا للحركة داخله . إنها ليست محاولة رومنطيقية أخرى لاستبدال المدينة بالطبيعة ، أو لإحلال قصديات محل أخرى ، بل هي رعشة يائسة تسعى الى مواجهة القصديات التي تفرضها المدينة وتنظمها عبر رفع مطلب أو مفهوم اللاقصد ، أو نفي القصد ذاته بوصفه شرط حضور المدينة . مع بودلير ، يقول والتر بنيامين ، " اصبحت باريس للمرة الأولى موضوع الشعر الغنائي . والشعر هذا ليس فولكلورا محليا ؛ فنظرة الشارح الرمزي التي تقع على المدينة هي بالأحرى نظرة إنسان مغترب . إنها نظرة المستطرق الذي أضفت طريقة حياته على فاقة البشر المتنامية في المدينة الكبيرة بصيصاً إسترضائياً " . أبعد من باريس وسأمها ، علينا القول إن "بودلير الباريسي" بدأ كتابة الشعر مبكرا ، لكنه رفض أن ينشر شيئاً قبل الثلاثين . كان يكتفي بقراءة أشعاره أمام أصدقائه المخلصين فحسب ، معتبراً أن الشعر جوهر الفن وخلاصة الكتابة . لا ينبغي لنا إذا ً، أن نتساهل في شأنه . إنه فلسفة ، بل حتى أهم من الفلسفة في معنى من المعاني ، لأنه يلخص في أبيات معدودات تجربة الحياة كلها . مختارات من سأم باريس .. شارل بودليرهكذا سريعاطلعت الشمس مئة مرة من قبل، مشرقة او حزينة، من هذا الحوض الهائل للبحر الذي لا تدرك شواطئه الا بعناء، وغاصت مئة مرة متلألئة او كئيبة في حمامه المسائي الهائل، ومنذ عدة ايام، كنا نستطيع ان نتأمل الجانب الآخر من قبة السماء، وان نفك شفرة حروف الهجاء السماوية من اقاصي الارض، وكان كل مسافر يئن ويهمهم. وكأن الاقتراب من الارض يزيد من معاناته، وكانوا يتساءلون: متي اذن نتوقف عن النوم الذي يهزه الموج. وترهقه ريح يرتفع صريرها اعلي من غطيطنا، متي نستطيع ان نأكل من اللحم غير المملح كالعنصر الكريه الذي يحملنا؟ متي نستطيع ان نهضم في مقعد ثابت؟.وكان منهم من يفكرون في اوطانهم ويتحسرون علي زوجاتهم الخائنات المتجهمات وعلي ذريتهم المتصايحة. كانوا جميعا يكاد يصيبهم الجنون لصورة الارض الغانية التي اعتقد انهم سيأكلون من عشبها بكثير من الحماسة كالبهائم. واخيرا ظهرت علامة لساحل. ورأينا عند اقترابنا انه كان ارضا رائعة مبهرة. كان يبدو ان موسيقي الحياة قد استحالت الي موج هامس وان شواطئها الغنية بالخضرة من كل الانواع، تضوع روائح منعشة من الازهار والفاكهة لمسافة بعيدة.وفي الحال صار الكل سعيدا وهجر مزاجه السيئ ونسيت كل المعارك. وغفرت كل الاخطاء المتبادلة، وكل المبارزات المتفق عليها محيت من الذاكرة، وتطايرت الاحقاد كالادخنة.وكنت انا وحدي حزينا، حزينا علي نحو غير مفهوم كنت اشبه كاهنا انتزع منه معبوده، لم اكن استطيع دون مرارة مؤلمة. ان انفصل عن هذا البحر المغوي علي نحو بالغ الوحشية عن هذا البحر المتقلب بطريقة لا نهائية تماما رغم بساطته المرغبة، والذي يبدو انه يحوي في داخله، ويمثل بألعابه، وهيئته وثوراته وابتساماته الطبائع والعذابات والمسرات لكل الارواح التي عاشت والتي تعيش والتي ستعيش!وعند قولي وداعا لهذا الجمال الذي لا يقارن، شعرت اني حزين حتي الموت، وهذا هو السبب الذي يجعلني عندما يقول احد رفاقي اخيرا! اصيح قائلا: هكذا سريعا؟.ومع ذلك كانت هي الارض، الارض بكل ضجيجها وشهواتها. وبضائعها، واعيادها كانت ارضا غنية هائلة ملأي بالرعود التي ترسل الينا عطرا غامضا من الورد والمسك، وكانت تصلنا منها موسيقي الحياة في همس عاشق.

النوافذ
ان ذلك الذي ينظر من الخارج عبر نافذة مفتوحة، لا يري مطلقا كثيرا من الاشياء كذلك الذي ينظر الي نافذة مغلقة: فلا يوجد شيء اكثر عمقا واكثر غموضا. واكثر خصوبة، واشد، عتامة واكثر اشراقا من نافذة مضاءة بشمعة. ذلك ان ما يستطيع الانسان رؤيته في الشمس يعد اقل اثارة للاهتمام دائما من ذلك الذي يحدث خلف الزجاج، ففي هذه الفتحة السوداء او المضيئة تحيا الحياة، تحلم الحياة، تقاسي الحياة.اني المح في الناحية الاخري من موجات السقوف امرأة ناضجة هاجمتها التجاعيد بالفعل، فقيرة، تنحني دائما علي شيء ما، لا تخرج ابدا بوجهها، بملابسها، بايماءاتها، بلا شيء تقريبا، اعدت صياغة قصة هذه المرأة، او بالاخري اسطورتها. وفي بعض الاحيان، اقصها علي نفسي باكيا، ولو انها كانت رجلا فقيرا عجوزا لكنت اعدت صياغة قصته بنفس السهولة، واني لارقد فخورا بأني قد عشت وقاسيت الامي من خلال اخرين غيري.ربما تقول لي: امتأكد انت من ان هذه الاسطورة هي الحقيقية؟ ماذا يهم حتي لو كانت الحقيقة موجودة خارج ذاتي، ما دامت تساعدني علي الحياة، وعلي الشعور بكياني، وبماذا اكون؟

الرغبة في الرسم

كان الرجل سيئ الحظ، ولكن محظوظ هو الفنان الذي تمزقه الرغبة. اني اتوق الي رسم تلك التي لم ارها الا نادرا ثم اختفت بسرعة بالغة كشيء جميل يفتقده المسافر الذي غيبه الليل، وكم مضي وقت طويل منذ اختفائها.انها جميلة. واكثر من جميلة، انها مذهلة يشع منها السواد وكل ما تلهمه ليلي وعميق، عيناها كهفان يتلألأ فيهما الغموض ونظرتها تضيء كالبرق وكأنها انفجار في الظلمات. لو كان لي ان اقارنها بشمس سوداء. اذا استطاع الانسان ان يتصور نجما اسود يصب الضوء والسعادة. ولكنها تبعث علي التفكير عن طيب خاطر في القمر الذي اثر عليها، دون شك بسطوته الرهيبة، ولست اعني القمر الابيض الذي يلهم الغزليات الرعوية، والذي يشبه عروسا باردة، وانما القمر المشؤوم المسكر المعلق في عمق ليلة عاصفة، وتدفعه غيوم تجري، ليس القمر الوادع الحذر الذي يزور نوم الرجال الانقياء، ولكن القمر المنتزع من السماء، مهزوما وعاصيا، ويرغمه سحرة تساليا بقسوة علي الرقص فوق العشب المرتجف.وفي جبينها الصغير تسكن الارادة الصلبة وحب الفريسة، مع ان اسفل هذا الوجه المقلق، حيث فتحتا الانف المتحركتان تستنشقان المجهول والمستحيل. تشرق برقة لا يمكن التعبير عنها، ضحكة فم واسع، احمر وأبيض ولذيذ، يمنح الحلم بمعجزة زهرة رائعة تتفتح في ارض بركانية.ان من النساء من يلهمن الرغبة في قهرهن والتمتع بهن، ولكن هذه تمنح الرغبة في الموت ببطء تحت بصرها.

افضال القمر

نظر القمر الذي هو النزوة ذاتها، من النافذة، فيما كنت تنامين في مهدك وقال لنفسه: تعجبني هذه الطفلة ، ونزل في نعومة علي سلمه الغيمي ومن دون صخب عبر الزجاج وبسط نفسه عليك في رقة ام حانية، ونشر ألوانه علي وجهك. فبقيت حدقتا عينيك خضراوين، وخداك شاحبين علي نحو غير هادي، وعند تأملك هذا الزائر اتسعت عيناك علي نحو بالغ الغرابة، وضمك برقة الي الصدر حتي انتابتك الي الابد الرغبة في البكاء.ومع ذلك، ففي اتساع فرحة ملأ القمر الغرفة كلها، كجو فسفوري كشراب مضيء وكان كل هذا الضوء الحي يفكر ويقول: ستعانين سرمديا تأثير قبلتي ستكونين جميلة علي طريقتي ستحبين ما احب، ومن يحبني الماء والغمام والصمت والليل والبحر الهائل الاخضر والماء الذي لا شكل له والمتعدد الاشكال، والمكان الذي لن تكوني فيه والعاشق الذي لن تعرفيه والزهور البرية والعطور التي تبعث علي الهذيان والقطط التي تنتشي فوق البيانو والتي تئن كالنساء بصوت خشن وجذاب.وسيعشقك عشاقي ويتودد اليك من يتوددون الي، وستكونين ملكة علي الرجال ذوي العيون الخضراء الذين ضممتهم الي صدري ايضا في مداعباتي الليلية. وعلي اولئك الذين يعشقون البحر، البحر الهائل الصاخب والاخضر. والماء الذي لا شكل له والمتنوع الاشكال والمكان الذي لن يكونوا فيه والمرأة التي لا يعرفونها والزهور المشؤومة التي تشبه المجامر في دين مجهول والعطور التي تجعل الارادة تضطرب والحيوانات المتوحشة والشهوانية التي هي رمز لجنونهم.وانه لهذا ايتها الطفلة الملعونة العزيزة المدللة، اجثو الان عند قدميك باحثا في شخصك كله عن صدي الالوهية المرعب، والعرابة المشؤومة منذرة السوء والمرضعة التي تبث سمها لكل متقلبي الاطوار!

ايهما الحقيقية

عرفت راهبة من كانت تملأ الجو بالمثل الاعلي. كانت عيناها تنثران الرغبة في العظمة في الجمال في المجد وفي كل ما يبعث علي الاعتقاد في الخلود.ولكن هذه الفتاة المعجزة كانت اجمل من ان تعيش طويلا، وقد ماتت بعد بضعة ايام من تعرفي عليها وكنت انا نفسي من دفنها ذات يوم كان الربيع فيه يحرك مبخرته حتي في القبور انه انا من دفنها باحكام في تابوت من خشب معطر وغير قابل للفساد كنواويس الهند.وبينما بقيت عيناي مغروستين في المكان الذي دفن فيه كنزي رأيت فجأة فتاة صغيرة تشبه الفقيدة علي نحو غريب، تدق الارض الندية بعنف هستيري غريب قائلة وهي تنفجر ضاحكة: اني انا الراهبة الحقيقية اني انا الوغدة الشهيرة! وعقابا علي حماقتك وعماك ستحبني كما انا! ولكني اجبتها غاضبا: لا، لا، لا وحتي اؤكد رفضي علي نحو افضل ضربت بقدمي الارض بطريقة بالغة العنف حتي غاصت ساقي الي الركبة في القبر الحديث وكذئب وقع في الكمين ظللت عالقا ربما الي الابد بحفرة المثل الاعلي.

جواد اصيل

انها بالغة القبح، ولكنها لذيذة مع ذلك.لقد حفر الزمن والحب باظافرهما علامات عليها، وعلماها بقسوة ما تودي به كل دقيقة وكل قبلة من الشباب والنضارة.انها قبيحة حقا انها نملة عنكبوت اذا شئت مجرد هيكل عظمي ولكنها ايضا ارتواء مهابة سحر خلاصة القول: انها رائعة.لم يستطع الزمن ان يسقط الانسجام الوضيء لمشيتها ولا رشاقة بنيتها غير القابلة للفناء ولم يغير الحب عذوبة نفسها الطفلي، ولم ينزع الزمن شيئا من شعرها الغزير الذي تنبعث من عطوره الصهباء الحيوية الشيطانية لجنوبي فرنسا: نيم، ايكس آرل افينيون ناربون تولوز، مدن باركتها الشمس معشوقات ساحرات!لقد عضها الزمن والحب عبثا بأسنان قوية ولكنهما لم ينتقصا شيئا من السحر الغامض الابدي لنهدها الصبياني.وربما تكون مستهلكة ولكنها غير متعبة وهي دائما بطولية انها تذكر بالجياد الاصيلة هذه الجياد العظيمة التي تتعرف عليها عين عاشقها الحقيقي حتي وهي مشدودة الي مركبة فاخرة للايجار او الي عربة ثقيلة.وفضلا عن لطفها البالغ وتوهجها الرائع فانها تحب كما يحب الانسان في الخريف وكأن اقتراب الشتاء يشعل فيها نارا جديدة وان الخضوع لرقتها ليس فيه ما يرهق علي الاطلاق.

المرأة

دخل رجل مخيف، ونظر الي نفسه في المرآةـ لماذا تنظر الي نفسك في المرآة حيث انك لا تستطيع رؤيتها الا في كدر؟.اجابني الرجل المخيف: سيدي، طبقا للمبادئ الخالدة لعام 89 فان كل الناس متساوون في الحقوق وبناء عليه فاني املك الحق في النظر الي نفسي في المرآة، في سعادة او في كدر ولا يرجع هذا الا الي ضميري.باسم التفكير السليم كان لي حق دون ريب اما من وجهة نظر القانون فانه لم يكن مخطئا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النصوص ترجمة : محمد حمد .. و مراجعة : كاميليا صبحي .. اصدار المشروع القومي للترجمة 2002
اللوحة : دافنشي

مديح الظل العالي

محمود درويش

بحرٌ لأيلولََ الجديدِ . خريفُنا يدنو من الأبوابِ ...

بحرٌ للنشيدِ المرِّ.

هيَّأنا لبيروتَ القصيدة َ كُلَّها .

بحرٌ لمنتصفِ النهار ِ.

بحرٌ لراياتِ الحمام ِ , لظلِّنا , لسلاحنا الفرديِّ

بحرٌ , للزمان ِ المستعار ِ

ليديكَ , كمْ من موجةٍ سرقتْ يديكَ

من الإشارةِ وانتظاري

ضَعْ شكلنا للبحر ِ. ضَعْ كيسَ العواصفِ عند أول صخرةٍ

واحملْ فراغكَ .. وانكساري

.. واستطاعَ القلبُ أن يرمي لنافذةٍ تحيتهُ الأخيرة َ ,

واستطاع القلبُ أن يعوي , وأن يَعِدَ البراري

بالبكاء الحُرِّ..

بَحرٌ جاهزٌ من أجلنا

دَعْ جسمك الدامي يُصَفِّق للخريفِ المُرِّ أجراساً.

ستتَّسعُ الصحاري

عمَّا قليلٍ , حين ينقضُّ الفضاء على خطاكَ ,

فرغتُ من شَغَفي ومن لهفي على الأحياء. أفرغتُ انفجاري

من ضحاياك, استندتُ على جدارٍ ساقطٍ في شارعٍ الزلزالِ,

أجمعُ صورتي من أجل موتكَ ,

خُذْ بقاياكَ , اتخذني ساعداً في حضرة الأطلالِ . خُذْ قاموسَ

ناري

وانتصرْ

في وردةٍ تُرمى عليكَ من الدموع ِ

ومن رغيفٍ يابسٍ , حافٍ , وعارِ

وانتصرْ في آخر التاريخ ِ ...

لا تاريخَ إلاّ ما يؤرِّخه رحيلُكَ في انهياري

قلنا لبيروت القصيدةَ كلها , قلنا لمنتصفِ النهارِ :

بيروت قلعتنا

بيروت دمعتنا

ومفتاحٌ لهذا البحر . كُنَّا نقطة التكوينِ ,

كنا وردةَ السور الطويل ِ وما تبقَّى من جدارِ

ماذا تبقَّى منكَ غيرُ قصيدةِ الروح ِ المحلِّق ِ في الدخان قيامةً

وقيامة ً بعد القيامةِ ؟ خُذْ نُثاري

وانتصرْ في ما يُمَزِّقُ قلبكَ العاري ,

ويجعلكَ انتشاراً للبذارِ

قوساً يَلُمُّ الأرضَ من أطرافها ..

جَرَساً لما ينساهُ سًكَّانُ القيامةِ من معانيكَ .

انتصرْ ,

إنَّ الصليب مجالُك الحيويُّ , مسراكَ الوحيدُ من الحصار إلى

الحصارِ .

بحرٌ لأيلولَ الجديدِ . وأنتَ إيقاعُ الحديدِ تَدُقُّني سُحُباً على الصحراء ِ,

فلتمطرْ

لأسحبَ هذهِ الأرضَ الصغيرة َ من إساري .

لا شيء يكسرنا ,

وتنكسر البلادُ على أصابعنا كفُخَّارٍ, وينكسرُ المسدَّسُ من

تلهُّفِكَ .

انتصرْ , هذا الصباحَ , ووحِّد الراياتِ والأممَ الحزينة َ والفصولَ

بكلِّ ما أُوتيتَ من شبق ِ الحياة ِ ,

بطلقةِ الطلقات ِ

باللاشيء

وحِّدنا بمعجزةٍ فلسطينيةٍ ...

بيروت قصَّتنا

بيروت غصَّتنا

وبيروت اختبارُ الله ِ .

يا الله

جرَّبناكَ جرَّبناكَ .

من أعطاك هذا اللُّغز؟ من سَمَّاكَ ؟

من أعلاك فوق جراحنا ليراكَ ؟

فاظهرْ مثل عنقاء الرماد من الدمارِ !

**************

نَمْ يا حبيبي , ساعةً

لنمُرَّ من أحلامك الأولى إلى عطش البحار إلى البحارِ .

نَمْ ساعة ً , نَمْ يا حبيبي ساعة ً

حتى تتوب المجدليَّة ُ مرة ً أخرى , ويتَّضحَ انتحاري

نَمْ , يا حبيبي , ساعة ً

حتى يعود الرومُ , حتى نطردَ الحرَّسَ عن أَسوار قلعتنا ,

وتنكسرَ الصواري .

نَمْ ساعة ً . نَمْ يا حبيبي

كي نصفِّق لاغتصاب نسائنا في شارع الشَّرف التِّجاري

نَمْ يا حبيبي ساعة ً , حتى نموتْ

هيَ ساعة ٌ للانهيارِ ,

هيَ ساعة ٌ لوضوحنا

هيَ ساعة ٌ لغموض ِ ميلادِ النهارِ

***************

أتموتُ في بيروت لا تُولِمْ لبيروتَ الرغيفَ , عليكَ أَن تجد

انتظاري

في أناشيدِ التلاميذِ الصغارِ وفي فراري

من حديقتنا الصغيرةِ في اتجاه البحرِ

لا تُولِمْ لبيروتَ النبيذ َ عليك أن ترمي غباري

عن جبينكَ . أن تُدثِّرني بما ألِفَتْ يداك من الحجارةِ,

أن تموت كما يموتونَ ,

وأن تنامَ إلى الأبدْ

وإلى الأبدْ ...

لا شيء يطلع من مرايا البحر في هذا الحصار ,

عليك أن تجد الجسد في فكرة , وأن تجدَ البلد

في جثةٍ أخرى , وأن تجد انفجاري

في مكان الانفجار ....

أينما وَلَّيتَ وجهكَ ..

كل شيء قابل للانفجار .

************

الآن بحرْ ,

الآن بحرٌُ كله بحرٌ,

ومن لا برَّ لهْ

لا بحر لهْ

والبحرُ صورتُنا

فلا تذهبْ تماما

هي هجرة ٌ أخرى فلا تذهب تماما

في ما تفتَّحَ من ربيع الأرض, فيما فجَّرَ الطيرانُ فينا

من ينابيع ٍ. ولا تذهبْ تماما

في شظايانا لتبحث عن نبِّي فيكَ ناما

هي هجرة أخرى إلى ما لستُ أعرفُ ...

ألفُ سهم ٍ شد خاصرتي ليدفعني أماما .

لا شيء يكسرنا

ومن أَدمى جبين الله , يا ابن الله , سمَّاهُ , وأنزلهُ كتاباً أو غماما

************

كمْ كنتَ وحدك , يا ابن أُمِّي ,

يا ابنَ أكثرَ من أبٍ ,

كم كنتَ وحدكْ

القمحُ مرٌ في حقول ِ الآخرينْ

والماءُ مالحْ

والغيم فولاذ ٌ. وهذا النجمُ جارحْ

وعليك أن تحيا وأن تحيا

وأن تعطي مقابلَ حبةِ الزيتون جِلدَكْ .

كم كنت وحدكْ .

************

لا شيء يكسرنا , فلا تغرقْ تماما

في ما تبقى من دم ٍ فينا ..

لنذهبْ داخلَ الروح ِ المحاصر ِ بالتشابهِ واليتامى

يا ابنَ الهواءِ الصلبْ , يا ابن اللفظةِ الأولى على الجزر ِ القديمةِ ,

يا ابنَ سيدةِ البحيرات البعيدة , يا ابن من يحمي القدامى

من خطيئتهم , ويطبع فوقَ وجه الصَّخر برقاً أو حماما.

لحمي على الحيطانِ لحمكَ يا ابن أمي

جسدٌ لأضرابِ الظلالْ

وعليكَ أن تمشي بلا طُرُق ٍ

وراءً, أو أماما ,أو جنوباً ,أو شمالْ

وتُحرِّكَ الخطواتِ بالميزان ِ

حينَ يشاءُ مَنْ وهبوك قيدَكْ

ليزيِّنوكَ ويأخذوكَ إلى المعارض ِ كي يرى الزوارُ مجدكْ

كم كنت وحدك!

*********************

هي هجرةٌ أخرى ....

فلا تكتب وصيتكَ الأخيرة َ والسلاما .

سَقط َ السقوط ُ وأنت تعلو

فكرةً

ويداً

و..شاما!

لا بَرَّ إلا ساعداكْ

لا بحرَ إلاَّ الغامضُ الكحليُّ فيكْ

فتقمَّصِ الأشياءَ كي تتقمَّصَ الأشياءُ خطوتكَ الحراما

واسحبْ ظلالكَ عن بلاطِ الحاكم ِ العربي حتى لا يُعَلِّقَها

وساما

واكسرْ ظلالك كُلَّها كيلا يمدُّوها بساطاً أو ظلاما

***********

كسروكَ , كم كسروكَ كي يقفوا على ساقيك عرشا

وتقاسموك وأنكروك وخبَّأوك وأنشأوا ليديكَ جيشا

حطوكَ في حجر ٍ ... وقالوا: لا تُسَلِّم ْ

ورموك في بئر ٍ ... وقالوا : لا تُسَلِّم ْ

وأطلْتَ حربَكَ , يا ابن أمِّي ,

ألفَ عام ٍ ألفَ عام ٍ ألفَ عام ٍ في النهار ِ.

فأنكروكَ لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرار .

هم يسرقون الآن جلدكْ

فاحذرْ ملامحهم ...وغمدكْ

كم كنت وحدك , يا ابن أمِّي ,

يا ابن أكثر منْ أبٍ ,

كم كنت وحدكْ!...

************

والآن , والأشياء سَيِّدَة ُ , وهذا الصمتُ عال ٍ كالذبابه

هلْ ندركُ المجهول فينا ؟ هل نُغَنِّي مثلما كنا نُغَنِّي ؟

سقطتْ قلاعٌ قبلَ هذا اليوم ِ, لكن الهواء الآن حامضْ .

وحدي أدافعُ عن جدار ٍ ليس لي

وحدي أدافعُ عن هواء ٍ ليس لي

وحدي على سطح ِ المدينةِ واقف ٌ ....

أيُّوبُ ماتَ , وماتتِ العنقاءُ , وانصرفَ الصحابهْ

وحدي . أراود نفسيَ الثكلى فتأبى أن تساعدني على نفسي

ووحدي

كنتُ وحدي

عندما قاومت وحدي

وحدة َ الروح ِ الأخيرهْ ...

***********

لا تَذكُر ِ الموتى , فقد ماتوا فُرادى أو ....عواصمْ

سأراك في قلبي غداً , سأراك في قلبي

وأجهشُ يا ابن أمي باللغهْ

لغة ٍ تُفَتِّشُ عن بنيها , عن أراضيها وراويها

تموت ككلِّ من فيها , وتُرمى في المعاجمْ

هي آخر النخلِ الهزيل ِوساعة ُ الصحراءِ ,

آخرُ ما يَدُلُّ على البقايا

كانوا , ولكن كنتَ وحدك

كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي , وتمدُّ زندكْ ,

كي تُحوِّلها سَلالِمَ , أو بلاداً , أو خواتمْ

كم كنتَ وحدكَ , يا ابن أمي ,

يا ابن أكثرَ من أبٍ ,

كم كنتَ وحدكْ!...

*************

والآن , والأشياء سَيِّدَة ٌ , وهذا الصمت يأتينا سهاما

هل ندركُ المجهولَ فينا . هل نغني مثلما كنا نغني ؟

آه يا دمنا الفضيحة , هل ستأتيهم غماما ,

هذه أمم تَمرُّ و تطبخ الأزهار في دمنا

وتزدادُ انقساما .

هذه أممٌ تفتشُ عن إجازتها من الجَمَل ِ المزخرفِ .....

هذه الصحراءُ تكبر حولنا

صحراءُ من كل الجهاتِ

صحراءُ تأتينا لتلتهم القصيدة َ والحساما

اللهُ أكبرْ

هذه آياتنا فاقرأْ:

باسم الفدائيِّ الذي خَلََقَا

من جزمةٍ أفقا

باسم الفدائيِّ الذي يرحلْ

من وقتِكم ....لندائِهِ الأولْ

الأول ِ الأولْ

سَنُدَّمِرُ الهيكلْ .

باسم الفدائي الذي يبدأْ

إقرأ

بيروتُ- صُورتُنا

بيروتُ - سورتُنا

***************

بيروت لا

ظهري امام البحر ِ أسوارٌ و...لا

قد أخسرُ الدنيا .. نَعَمْ !

قد أخسرُ الكلمات ِ...

لكني أقول الآن : لا .

هي آخر الطلقاتِ لا.

هي ما تبقَّى من هواء الأرض َ لا.

هي ما تبقَّى من نشيج ِ الروح ِ-لا.

بيروتُ لا

****************

نامي قليلاً , يا ابنتي , نامي قليلا

الطائراتُ تعضُّني .وتعضُّ ما في القلب من عَسَل ٍ

فنامي في طريق النحل , نامي

قبل أن أصحو قتيلاً .

الطائراتُ تطير من غُرَفٍ مجاورة ٍ إلى الحَمَّام ِ , فاضطجعي

على درجاتِ هذا السُّلّم الحجريِّ , وانتبهي إذا اقتربتْ

شظاياها كثيراً منكِ وارتجفي قليلاً .

نامي قليلاً.

كُنَّا نُحبُّك , يا ابنتي ,

كنا نَعُدُّ على أصابع كفَّك اليسرى مسيرتَنا

ونُنْقِصُها رحيلا .

نامي قليلا.

الطائراتُ تطيرُ , والأشجارُ تهوي ,

والمباني تخبز السُكَّانَ , فاختبئي بأغنيتي الأخيرةِ , أو بطلقتيّ

الأخيرةِ , يا ابنتي

وتوسّديني كنتُ فحماً أم نخيلا .

نامي قليلا.

وتَفَقَّدي أزهارَ جسمكِ ,

هل أصيبتْ ؟

واتركي كفِّي , وكأسَيْ شاينا , ودعي الغَسيلا .

نا مي قليلا.

لو أستطيع أعدتُ ترتيبَ الطبيعةِ :

ههنا صفصافة ٌ ...وهناك قلبي

ههنا قمرُ الترددِ

ههنا عصفورةٌ للانتباه

هناكَ نافذة ٌُ تعلِّمكَ الهديلَ

وشارع ٌ يرجوكِ , أن تبقي قليلا

نامي قليلا.

كُنَّا نُحبكِ , يا ابنتي ,

والآن , نعبدُ صمتَك العالي

ونرفعهُ كنائس من بَتُولا .

هل كنتِ غاضبة ً علينا , دون أن ندري ...وندري

آهِ مِنَّا ....آه ماذا لو خَمَشْنا صُرَّة َ الأفق ِ .

قد يَخْمِشُ الغرقى يداً تمتدُّ

كي تحمي من الغرق ِ .

**************

بيروت لا

ظهري أمام البحر أسوار ٌ و....لا

قد أخسر الدنيا , نعمْ ,

قد أخسر الكلماتِ والذكرى

ولكني أقول الآن : لا .

هي آخر الطلقاتِ لا .

هي ما تبقَّى من هواء الأرض لا .

هي ما تبقَّى من حطام ِ الروح ِ لا

بيروت لا

*************

أشلاؤنا أسماؤنا . لا ...لا مَفَرُّ .

سقط َ القناعُ عن القناع ِ عن القناع ِ ,

سقط َ القناعُ

لا إخوة ٌ لك يا أخي , لا أصدقاءُ

يا صديقي , لا قلاع ُ

لا الماءُ عندكَ , لا الدواءُ ولا السماءُ و لا الدماءُ ولا الشراع ُ

ولا الأمامُ ولا الوراءُ

حاصِرْ حصَارَكَ ... لا مفرُّ

سقطتْ ذراعكَ فالتقطها

واضرب عَدُوَّكَ ...لا مفرُّ .

وسقطتُ قربك , فا لتقطني

واضرب عدوكَ بي ...فأنت الآنَ حُرٌّ

حُرٌ

وحُرُّ....

قتلاكَ ,أو جرحاك فيك ذخيرة ٌ

فاضربْ بها إضرب عدوَّكَ....لا مَفَرُّ .

أشلاؤنا أسماؤنا

حاصرْ حصارَك بالجنون ِ

وبالجنون ِ

وبالجنون ْ

ذهبَ الذين تحبُّهم , ذهبوا

فإمًَّا أن تكونْ

أو لا تكونْ ,

سقط القناعُ عن القناع ِ عن القناع ِ ,

سقط َ القناع ُ

ولا أحدْ

إلاَّك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان ,

فاجعل كلَّ متراس ٍ بَلَدْ

لا...لاأحَدْ

سقط القناعُ

عَرَبٌ أطاعوا رُومَهم

عَرَبٌ وباعوا رُوْحَهُم

عَرَبٌ ...وضاعوا

سقط َ القناعُ

واللهُ غَمَّسَ باسمك البحريِّ أسبوعَ الولادةِ واستراحَ إلى الأبَدْ

كُنْ أنتَ .كُنْ حتى تكونْ !

لا...لا أحَدْ

يا خالقي في هذه الساعاتِ من عَدَم ٍ تَجَلَّ !

لعلَّ لي حُلُماً لأعبدَهُ

لعلَّ !

علمتني الأسماءَ

لولا

هذه الدولُ اللقيطة ُ لم تكنْ بيروت رملا

بيروت - كلا

****************

بيروت - صورتُنا

بيروت- سورتُنا

فإمَّا أن نكونْ

أو لا تكونْ ........

***************

أنا لا أحبُّكِ ,

كم أحبُّكِ !

غيمتان ِ أنا وأنتِ , وحارسان يُتَوِّجان الانتباهَ بصرخةٍ ,

ويُمَدِّدان الليلَ حتى آخر الليل ِ الأخير . أقول حين أقولُ

بيروتُ المدينة ُ ليست امرأتي

وبيروتُ المكانُ مُسدَّسي الباقي

وبيروتُ الزمانُ هُوِيَّة ُ((الآن ِ)) المضَّرج ِ بالدخان ِ.

أنا لا أحبكِ ,

كم أحبك ِ!

غمسي باسمي زهورَك وانثريها فوق من يمشي على جُثثي

ليتسع السَّرايْ

لا تسحبيني من بقاياكِ , اسحبيني من يديَّ ومن هوايْ

و لا تلوميني , ولومي منْ رآني سائرا كالعنكبوتِ على خطايْ

هل كانَ من حقِّي النزولُ من البنفسج ِ والتوهج ُ في دمايْ ؟

هل كان من حَقِّي عليكِ الموتُ فيكِ

لكي تصيري مريماً

وأصيرَ ناي ؟

هل كان من حَقِّي الدفاعُ عن الأغاني

وهي تلجأُ من زنازين الشعوب إلى خُطاي ؟

هل كان لي أن أطمئنّ إلى رؤاي؟

وأن أصدِّق أن لي قمراً تُكَوِّرُهُ يداي ؟

صَدَّقْتُ ما صَدَّقْتُ , لكني سأمشي في خُطاي.

أنا لا أحبِّكِ

كم أحبكِ, كم أحبكِ , كمْ سنهْ

أعطيتني وأخذتِ عمري . كم سنهْ

وأنا أسمِّيكِ الوداعَ , ولا أودعُ غيرَ نفسي . كم سنهْ

وَعَدُوكِ بالآتي وحين أتاكِ واتاكِ الحنينُ إلى السفينةِ . كم سنهْ

لم تذكري قرطاج َ؟

هل كنا هواءً مالحاً كي تفتحي رئتيكِ للماضي ,

وتبني هيكلَ القدس ِ القديمةِ . كم سنهْ

وَعَدُوكِ باللغةِ الجديدةِ واستعادوا الميتينَ مع الجريمة ِ.

هل أنا ألِفٌ, وباءٌ , للكتابةِ أمْ لتفجير الهياكل ِ ؟

كم سنهْ

كنا معاً طوقَ النجاةِ لقارَّةٍ محمولةٍ فوقَ السرابِ ,

ودفتر الإعراب ؟

كمْ عَرَبٌ أتَوْكِ ليصبحوا غَرْبا

وكمْ غَرْبٌ أتاكِ ليدخلَ الإسلامَ منْ بابِ الصلاةِ على النبي

وسُنَّةِ النفط ِ المُقَدَّس ِ ؟ كم سنهْ

وأنا أصدِّقُ أن لي أُمماً ستتبعني

وأنكِ تكذبين على الطبيعة والمسدَّس , كم سنهْ , !

بيروتُ منتصف اللغهْ

بيروتُ ومضة ُ شهوتينْ

بيروتُ ما قالَ الفتى لفتاتِهِ

والبحرُ يسمعُ , أو يوزِّعُ صوتَهُ بينَ اليدينْ .

أنا لا أحبكِ

غمِّسي بدمي زهورَكِ وانثريها

حول طائرةٍ تطاردُ عاشقينْ

والبحرُ يسمعُ , أو يوزِّعُ صوتَهُ بين اليدينْ .

وأنا أحبكِ

غمِّسي بدمي زهورَكِ وانثريها

حول طائرةٍ تطاردني وتسمع ما يقول البحرُ لي

بيروت لا تعطي لتأخذ َ

أنتِ بيروتُ التي تعطي لتعطي ثم تسأم من ذراعيها ,

ومن شَبَق ِ المُحِبْ

فبأيِّ إمرأةٍ سأومنْ

وبأيِّ شُبَّاك سأومنْ

من تُزَوِّجني ضفائرَها لأشنق رغبتي

وأموت كالأمم القديمة . كم سنهْ

أغريتني بالمشي نحو بلاديَ الأولى

وبالطيران تحت سمائيَ الأولى

وباسمك كنتُ أرفعُ خيمتي للهاربين من التجارة والدعارة

و الحضارة. كم سنهْ

كنا نَرُشُّ على ضحايانا كلام البرق ِ :

بعد هُنَيْهَةٍ سنكون ما كنا وما سنكونُ

إمَّا أن نكون نهارك العالي

وإما أن نعود إلى البحيرات القديمة . كم سنهْ

لم تسمعني جَيِّداً . لم تردعيني جيداً . لم تحرميني من فواكهكِ

الجميلةِ . لم تقولي : حين يبتسم المخيَّمُ تعبس المدن الكبيرة.

كم سنهْ

قلنا معاً : أنا لا أشاءُ, ولا تشائين . اتفقنا .كُلُّنا في البحر

ماءٌ . كم سنهْ

كانت تُنَظِّمنا يَدُ الفوضى :

تعبنا من نظام ِ الغاز ِ,

من مطر ِ الأنابيبِ الرتيبِ ,

ومن صعود الكهرباءِ إلى الغُرَفْ ...

حريتي فوضاي . إني أعترفْ

وسأعترفْ

بجميع أخطائي , وما اقترفَ الفؤادُ منَ الأماني

ليس من حَقِّ العصافير الغناءُ على سرير ِ النائمين ,

والإيديولوجيا مهنة البوليس في الدول القويةِ :

من نظام الرقِّ في روما

إلى مَنْع ِ الكحول ِ وآفةِ الأحزاب في المُدُن ِ الحديثةِ .

كم سنهْ

نحن البداية ُ و البداية ُ و البداية ُ . كم سنهْ

وأنا التَوَازُنُ بين ما يجبُ ؟

كُنَّا هناكَ . ومن هنا ستهاجر العَرَبُ

لعقيدة ٍ أخرى .وتغتربُ

قصبٌ هياكلنا

وعروشنا قصبُ

في كُلِّ مئذنةٍ

حاو ٍ, ومغتصبُ

يدعو لأندلس ٍ

إنْ حُوصرتْ حَلَبُ .

وأنا التوازُنُ بينَ مَنْ جاءوا ومن ذهبوا

وأنا التوازُنُ بينَ مَنْ سَلَبُوا ومن سُلِبوا

وأنا التوازُنُ بينَ منْ صَمَدُوا وَمَنْ هربوا

وأنا التوازُنُ بين ما يَجِبُ :

يجبُ الذهابُ إلى اليسارْ

يجبُ التوغُّلُ في اليمينْ

يجبُ التمترسُ في الوسط ْ

يجبُ الدفاعُ عن الغلط ْ

يجبُ التشككُ بالمسارْ

يجبُ الخروجُ من اليقينْ

يجبُ الذي يجبُ

يجبُ انهيارُ الأنظمهْ

يجبُ انتظار المحكمهْ

....وأنا أحبكِ , سوفَ أحتاجُ الحقيقة َ عندما أحتاجُ تصليحَ

الخرائط ِ و الخطط ْ

أحتاجُ ما يجبُ

يجبُ الذي يجبُ

أدعوا لأندلس ٍ

إنْ حوصرتْ حلبُ .

. ************************

بيروت \ فجراً :

يُطلقُ البحرُ الرصاصَ على النوافذ . يفتح العصفورُ أغنية ً

مبكرة ً . يُطيِّرُ جارَنا رفَّ الحمام إلى الدخان . يموتُ مَنْ لا

يستطيع الركض في الطرقات : قلبي قطعة من برتقال

يابس ٍ . أهدي إلى جاري الجريدة َ كي يفتِّّّشَ عن أقاربهِ .

أعزَّيه غداً . أمشي لأبحث عن كنوز الماء في قبو البنايةِ .

أشتهي جسدا ً يضيء البارَ والغاباتِ . يا ((جيم)) اقتليني

واقتليني واقتليني !

يدخلُ الطيرانُ أفكاري ويقصفها ....

فيقتلُ تسعَ عشرة َ طفلة ً .

يتوقف العصفور عن إنشاده ...

عاديَّة ُ ساعاتنا عاديَّة ,

لولا صهيلُ الجنس ِ في ساقيك يا ((جيم )) الجنونْ .

والموتُ يأتينا بكل سلاحه الجويِّ والبريِّ والبحريِّ .

ألفُ قذيفة ٍ أخرى ولا يتقدم الأعداء شبرا ً واحدا ً.

((جيم)) اجمعيني مرة ً ,

ما زلتُ حيا ً_ ألفُ شكر ٍ للمصادفةِ السعيدة .

يبذل الرؤساء جهدا ً عند أمريكا لتُفْرِجَ عنْ مياهِ الشربِ .

كيف سنغسل الموتى ؟

ويسأل صاحبي : وإذا استجابت للضغوط فهل سيسفر موتنا

عن :

دولة ٍ ...

أم خيمة ٍ ؟

قلتُ : انتظرْ ! لا فرقَ بينَ الرايتينْ

قلتُ : انتظرْ حتى تصب الطائراتُ جحيمها !

يا فجرَ بيروتَ الطويلا

عَجِّلْ قليلا

عَجِّلْ لأعرفَ جيِّدا ً :

إنْ كنتُ حيا ً أم قتيلا .

**************

بيروت \ ظهراً :

يستمرُّ الفجرُ منذ الفجر ِ .

تنكسرُ السماءُ على رغيف الخبز ِ .

يَنكسرُ الهواءُ على رؤوس ِ الناس ِ منْ عبءِ الدخان ِ ولا جديدَ

لدى العروبةِ :

بعدَ شهر ٍ يلتقي كُلُّ الملوك ِ بكلِّ أنواع ِ الملوكِ , من العقيدِ

إلى العميد , ليبحثوا خطر اليهود على وجودِ الله . أمَّا

الآن فالأحوال هادئة تماما ً مثلما كانت . وإن الموتَ يأتينا بكل

سلاحه الجويِّ والبريِّ والبحريِّ .مليون انفجار في المدينة .

هيروشيما هيروشيما

وحدنا نُصغي إلى رعد الحجارة , هيروشيما

وحدنا نُصغي لما في الروح ِ من عبث ٍ ومن جدوى

وأمريكا على الأسوار ِ تهدي كل طفلٍ لعبة ً للموتِ عنقودية ً

يا هيروشيما العاشق ِ العربيِّ أمريكا هي الطاعون , والطاعونُ

أمريكا

نعسنا . أيقظتنا الطائرات وصوتُ أمريكا

وأمريكا لأمريكا

وهذا الأفق اسمنت ٌ لوحشِ الجوِّ .

نفتحُ علبة َ السردين, تقصفها المدافعُ

نحتمي بستارةِ الشباك , تهتز البناية . تقفزُ الأبوابُ . أمريكا

وراء الباب أمريكا

ونمشي في الشوارع ِ باحثين عن السلامة ,

من سيدفننا إذا متنا ؟

عرايا نحن , لا أفق ٌ يغطينا ولا قبر ٌ يوارينا

ويا....يا يومَ بيروتَ المكسَّرَ في الظهيرهْ

عَجِّلْ قليلا

عَجِّلْ لنعرفَ أين صَرْخَتُنا الأخيره ْ.

**************

بيروت / عصرا ً :

تكثر الحشراتُ .

تزدادُ الرطوبة ُ .

ترتخي العضلاتُ

نشعر أن للأرض احتقانا ً في مفاصلنا ,

فنصرخ : أيها البطل انكسِرْ فينا !

**************

مساء/ فوق بيروت :

الرخامُ

ينزُّ دما ً, ويذبحني الحمامُ

إلى مَنْ أرفعُ الكلماتِ سقفا ً

وهذي الأرضُ يحملُها الغمامُ ؟

ويرحلُ , حين يرحلُ , نحو تيهي

أحدِّقُ في المسدَّس ِ, وهو ملقى ً

على طَرَفِ السرير, وأشتهيهِ

وينقذني , وينقذني الكلامُ .

ظلامٌ كُلُّ ما حولي ... ظلام ُ.

****************

بيروت / ليلا :

لا ظلامَ أشدَّ من هذا الظلام ِ

يُضيئني قَتْلي .

أمنْ حََجَر ٍ يقُدُّون النعاسَ ؟

أمنْ مزامير ٍ يصكُّون السلاحَ ؟

ضحيَّة ٌ

قَتَلتْ

ضحيَّتها

وكانت لي هويَّتُها ,

أنادي أشعيا : أخرج من الكتب القديمة مثلما خرجوا , أزقَّةُ

أورشليم تُعَلِّقُ اللحمَ الفلسطينيَّ فوق مطالع العهد القديم ,

وتدَّعي أن الضحية َ لم تُغَيِّر جلدها .

يا أشعيا ..لا تَرِثْ

بل أهجُ المدينة َ كي أحبكَ مَرَّتين

وأعلنَ التقوى

وأغفر لليهوديِّ الصبيِّ بكاءه...

اختلطتْ شخوصُ المسرح الدمويّ :

لا قاض ٍ سوى القتلى

وكفُّ القاتل امتزجَتْ بأقوال الشهودِ ,

وأدخل القتلى إلى ملكوت قاتلهم

وتمَّتْ رشوة ُ القاضي فأعطى وجهه للقاتل الباكي على شيء

يُحَيِّرُنا ...

سَرَقْتَ دموعنا يا ذئب

تقتلني وتدخل جُثَّتي وتبيعها !

أخرجْ قليلا ً من دمي حتى يراك الليلُ أكثَر حُلْكَة ً !

وأخرجْ لكي نمشي لمائدة التفاوض , واضحينْ ,

كما الحقيقةُ :

قاتلا ً يدلي بسكِّين ٍ .

وقتلى

يدلون بالأسماء :

صبرا ,

كفر قاسم ,

دير ياسين ,

شاتيلا!

***************

بيروت \ ليلا :

لا تنامي كلَّ هذا الليل ِ

لا تتحدَّثي عما يدور وراء هذا البابِ

لا ترمي ثيابك

لا تُعَرِّيني تماما ً

لا تقولي الحبَّ

لا تعطي سوى فخذيكِ

لا تتأوهي فالحرب تسمع زهرة الجسديْن ِ .

أني أرتديك على الشظية قربَ باب البيت ,

نبقى واقفين ,وواقفين إلى النهايةِ .

واصلي سرقات هذا الشهْد ,

زُجِّيني بشهوتك السريعة قبلما يأتي إلينا موتُنا الخلفيُّ ,

أني أوثِرُ الموتَ الذي يأتي إلى كتفيَّ ... نحلا !

**************

بيروت / ليلا :

مثل باذنجانةٍ .......

قمر ٌ غبي ٌ مَرَّ فوق الحرب ِ

لم يركبْ له الأطفالُ خيلا .

************

بيروت / ليلا :

أُمْسِك الآنَ الهواء الأسودَ الصخريَّ ,

أكسره بأسناني , أعضُ عليهِ . أدميهِ . وأركلُهُ

أكاد أُجَنُّ مما يجعلُ الساعات ......رملا .

************

بيروت / ليلا :

قالت امرأة ٌ لجنديٍّ قبيح ِ الوجهِ :

خذني للرُّكام ِ وفُضَّني

لأصيرَ .....أحلى .

***********

بيروت / ليلا :

لم أجد فيك الخليَّة َ والجزيرة َ.

أين ماتَ الشعر !

أين استسلمت للزوج ِ ليلى ؟

***********

بيروت / ليلا :

يقصفون مقابر الشهداء , يدثِّرون بالفولاذ ,يضطجعون معْ

فتياتهم , يتزوجون , يطلِّقون ,يسافرون , ويولدون,

ويعملون ويقطعون العمر في دبَّابة ٍ....

أهلا ً وسهلا !

***********

بيروت / ليلا :

يخرج الشهداء من أشجارهم , يتفقَّدون صغارهم , يتجولون

على السواحل ,

يرصدون الحلم والرؤيا ,يُغطُّون السماء بفائض الألوان ,

يفترشون موقعهم ,

يُسمُّون الجزيرة ,يغسلون الماء ,ثم يطرِّزون حصارنا

قططا ً........ونخلا .

***********

بيروت / ليلا :

وحدنا ,واللهُ فينا وحدنا

الله فينا قد تجلَّى !

************

بيروت / ليلا :

يمدح الشعراء قَتْلي في مجالسهم ,

ويرتعدون مني حين أطلع بينهم صوتا ً وظِلا ّ .

***************

بيروت / ليلا :

آه , يا أفقا ً تبدَّى

من حذاء ِ مقاتل ٍ

لا تنغلقْ

لا تنغلقْ أبدا ً

لئلاّ .......

**************

بيروت / ظهرا ً :

اليوم يَنْشَقُّ الحصانْ .

اليوم ينشقُّ الحصانُ إلى نهارين ِ,

المدينة ُ و القصيدة ُ تخرجان

من خصر أجملنا , سميرْ درويش ْ,

ليحتفل المكانْ

بنا ...وينسبنا إلى أحَد ٍ

ليعطي العائلهْ

شجرا ً وأسماء ً.......

أتعرفُ مَنْ أنا حتى تموت نيابة ً عنِّي ؟

ستمضي القافِلَهْ

جازاكَ ربُّكَ ...سوف تمضي القافلهْ

لا , ليس شعرا ً أن ترى قمرا ً يُنَقِّط ُخارطه

لا ,ليس شعرا ً أن ترتِّب ذكرياتي الساقطَهْ

فانهض على فرسِ الدخانْ

وارحلْ معي , من أجل ِ أمِّكْ ...

**************

بيروت / عصرا ً:

زمن ٌ مضى

لكنه لا ينتهي

***********

بيروت / فجرا ً:

الشاعرُ اُفتُضِحَتْ قصيدتُهُ تماما

وثلاثة ٌ خانوهُ :

تموز ٌ

وإمرأة ٌ

وإيقاع ٌ

فنامَا ....

لا يستطيع الصوتُ أن يعلو على الغارات في هذا المدى

لكنهُ يُصغي لموجتِهِ الخصوصيَّهْ :

موت ٌ وحريَّهْ

يصغي لموجتهِ ويفتحُ وقتهُ لجنونِهِ

من حقِّهِ أن يُجلس السأمَ الملازمَ فوق مائدة ٍ

ويشرب قهوة ً مَعَهُ

إذا ابتعد الندامى .

الشاعرُ افْتُضِحَتْ قصيدتُهُ تماما

بيروتُ تخرجُ من قصيدتِهِ

وتدخل خوذةَ المُحتلِّ ,

مَنْ يُعطيه دهشتَه

ومنْ يرمي على يَدِهِ

أرُزَّاًً أو ....سلاما .

الشاعرُ اْفتُضِحَتْ قصيدتُهُ تماما .

في بيته بارودة ٌ للصَّيْدِ,

في أضلاعه طير ٌ

وفي الأشجار ِ عُقم ٌ مالحٌ .

لم يشهدِ الفصلَ الأخيرَ منَ المدينةِ .

كُلُّ شيء واضح ٌ منذ البدايةِ ,

واضح ٌ

أو واضح ٌ

أو واضح ٌ

وخليلُ حاويْ لايريد الموتَ , رُغْمَا ً عنهُ

يُصغي لموجَتهِ الخصوصيَّهْ

موت ٌ وحريهْ

هو لايريد الموتَ رُغما ً عنهُ

فليفتحْ قصيدتَهُ

ويذهبْ ...

قبل أن يُغريه تموز ٌ,وإمرأة ٌ,وإيقاع ٌ

....وناما

الشاعرُ افْتُضِحَتْ قصيدتُهُ تماما.

****************

بيروت / فجرا ً

بيروت /ظهرا ً

بيروت /ليلا ً :

يخرج الفاشيُّ من جسدِ الضحيَّهِ

يرتدي فصلا ً من البارود : أُقْتُلْ كي تكون

عشرين قرنا ً كان ينتظرُ الجنونْ

عشرين قرنا ً كان سفّاحا ً مُعَمَّمْ

عشرين قرنا ً كان يبكي ....كان يبكي

كان يخفي سيفَهُ في دمعَتِهْ

أو كان يحشو بالدموع البندقيَّهْ

عشرين قرنا ًكان ينتظر الفلسطينيَّ في طرف المخيَّمْ

عشرين قرنا ً كان يعلَمْ

أن البكاءَ سلاحُهُ

****************

صبرا فتاة ٌ نائمهْ

رحلَ الرجالُ إلى الرحيل ْ

والحرب نامت ليلتين صغيرتين ,

و قدَّمَتْ بيروتُ طاعتَها وصارتْ عاصمَهْ .......

ليل ٌ طويل ٌ

يرصدُ الأحلامَ في صبرا ,

وصبرا نائمهْ.

صبرا بقايا الكفِّ في جسد ٍ قتيل ٍ

ودَّعَتْ فرسانها و زمانها

واستسلمتْ للنوم ِ من تعب ٍ, ومن عرب ٍ رَمَوْها خلفهم .

صبرا وما ينسى الجنودُ الراحلون من الجليل ِ

لا تشتري و تبيعُ إلاَّ صمتها

من أجل وردة ٍ للضَّفيرهْ

صبرا تغني نصفَها المفقودَ بين البحر ِ والحرب ِ الأخيرهْ :

لمَ ترحلونْ

وتتركون نساءَكم في بطن ِ ليل ٍ من حديدِ ؟

لمَ ترحلونْ

و تعلَّقون مَسَاءَكُمْ

فوق المخيَّم والنشيدِ ؟

صبرا تُغَطِّي صدرها العاري بأغنية الوداعْ

وتَعُدُّ كفَّيها و تخطيءُ

حين لا تجد الذراعْ :

كم مرة ً ستُسافرونْ

و إلى متى ستُسافرونْ

ولأي حُلم ْ ؟

وإذا رجعتم ذات يومْ

فلأي منفى ترجعونَ ,

لأي منفى ترجعونْ ؟

صبرا تُمَزِّق صدرها المكشوفَ :

كم مَرَّهْ

تتفتَّحُ الزهرهْ

كم مَرَّة ً

ستُسافر الثورهْ ؟

صبرا تخافُ الليل . تسندهُ لرُكْبتها

تغطيهِ بكحل ِ عيونها . تبكي لتُلْهيهِ :

رحلوا وما قالوا

شيئأ عن العودهْ

ذبلوا وما مالوا

عن جمرة الوردهْ !

عادوا وما عادوا

لبداية الرحلهْ

والعمرُ أولادُ

هربوا من القُبْلَهْ.

لا, ليس لي منفى

لأقول : لي وطنُ

الله , يا زمنُ ...؟

صبرا تنامُ . وخنجرُ الفاشيِّ يصحو

صبرا تنادي ...مَنْ تنادي

كُلُّ هذا الليل ِ لي , والليلُ ملحُ

يقطع الفاشيُّ ثدييها يقلُّ الليلُ

يرقص حول خنجرهِ ويلْعَقُهُ . يغني لانتصار الأرْز ِ موالا ً,

ويمحو

في هدوء ٍ ....في هدوء ٍ لحمَها عن عَظْمِها

ويمدِّدُ الأعضاءَ فوق الطاولَهْ

ويواصل الفاشيُّ رقصَتَهُ ويضحك للعيون المائلهْ

ويُجَنُّ من فرح ٍ وصبرا لم تعد جسدا ً :

يُرَكِّبها كما شاءتْ غرائزهُ , وتصنعها مشيئتهُ .

ويسرق خاتما ً من لحمها , ويعودُ من دمها إلى مرآتِهِ

ويكون بحرُ

ويكون بر ُّ

ويكون غيم ُ

ويكون دَمْ

ويكون ليلُ

ويكون قتلُ

ويكون سبتُ

وتكون صبرا .

صبرا تقاطُعُ شارعين ِ على جَسَدْ

صبرا نزولُ الروح ِ في حَجَر ٍ

وصبرا لاأحدْ

صبرا هوية عصرنا حتى الأبدْ ...

*************

بيروت/ أمس / الآن / بعد غد ٍ :

نشيد ٌ للخريفِ

صَُوَرٌ لما بعد النهارْ

وظلال إمرأة ٍ غريبهْ .

وطني حقيبهْ

وحقيبتي وطني

ولكن ...........لا رصيفَ ,

ولا جدارْ .

لا أرضَ تحتي كي أموتَ كما أشاءُ ,

ولا سماءْ

حولي

لأثقبَها وأدخلَ في خيام الأنبياءْ .

ظهري إلى الحائطْ

الحائط ِ/ الساقطْ !

وطني حقيبه ْ

وحقيبتي وطنُ الغَجَرْ

شعب ٌ يُخَيِّمُ في الأغاني والدخانْ

شعبٌ يفتِّشُ عن مكانْ

بين الشظايا و المطرْ .

وجهي على الزهرهْ

الزهرة / الجمرهْ

وطني حقيبهْ

في الليل أفرشها سريرا

وأنامُ فيها ,

أخدعُ الفتياتِ فيها

أدفن الأحباب فيها

أرتضيها لي مصيرا

وأموتُ فيها .

كَفِّي على النجمهْ

النجمة / الخيمهْ

وطني حقيبهْ

من جلدِ أحبابي

و أندلسَ القريبهْ

وطني على كتفي

بقايا الأرض ِ في جسدِ العروبَهْ .

قلبي على الصخره ْ

الصخرةِ / الحرهْ

****************

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا

شكرا ً لكُلِّ شجيرة ٍ حملت دمي

لتضيءَ للفقراءِ عيدَ الخبز ِ ,

أو لتضيءَ للمحتلِّ وجهي كي يرى وجهي

و يرتديَ الخداعا .

شكرا ً لكلِّ سحابة ٍ غَطَّتْ يديَّ

وَبَلَّلَتْ شفتيَّ

حتى أعطت الأعداء بابا ً ...أو قناعا .

شكرا ً لكلِّ مسدَّس ٍ غطَّى رحيلي

بالأرُزِّ وبالزهور ,

وكان يبكي أو يزغرد ما استطاعا .

يا دمعة ً هي ما تبقّى من بلاد ٍ

أسندُ الذكرى عليها .......والشُّعاعا .

يا أهلَ لبنانَ الوداعا !

اليوم أكملتُ الرسالةَ فانشروني , إن أردتم , في القبائل ِ توبة ً

أو ذكرياتٍ

أو شراعا .

اليوم أكملتُ الرسالة َ فيكُمُ

فلتطفئوا لهبي ,إذا شئتم , عن الدنيا ,

وإنْ شئتمْ فزيدوهُ اندلاعا

أنا لي , كما شاءتْ خطاي

حملتُ روحي فوق أيديكم فراشات ٍ ,

وجسمي نرجسا ً فيكمْ ,

وموتايَ اندفاعا

يا أهلَ لبنانَ ...الوداعا .

هذا دمي , يا أهل لبنان ,ارسموهْ

قمرا ً على ليل ِ العربْ .

هذا دمي دمُكم خذوه ووزّعوهْ

شجرا ً على رمل العربْ .

هذا رحيلي عن نوافذكم وعن قلبي انحتوهْ

حجرا ً على قبر ِ العربْ

هذا بكاء رصاصنا , هذا يتيم زواجنا , فلترفعوهْ

سهرا ً على عُرس العربْ .

هذا نشيجي . مزقوه وبعثروه

مطرا ً على أرض العرب .

هذا خروج أصابعي من كفِّكمْ

هذا فطام قصيدتي , فلتكتبوه ْ

وترا ً على طربِ العربْ .

هذا غبار طريقنا , فلترفعوهْ

لهمو حصونا ً , أو قلاعاً

يا أهلَ لبنانَ الوداعا

سيجيئكم مَطَر ٌ

ويغسلُ ماتركتُ على شوارعكم من الكلماتِ ,

يطردُ ما تركتُ على نوافذكم من الشهواتِ .

يمحو ما لمستُ من الصَّنوبر ِ في جبالِكُمُ

وينسيكمْ فتى ً كسرَ الهواءَ على موائدكم قليلا .

وأضاع يديهِ في أيديكمُ سنة ً , وضاعا .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا .

حدَّقتُ في كَفِّي

لأبصرَ ما وراء البحر ِ

تلكَ وسيلتي لتَبَصُّر الأشياءِ

بحر ٌ, ثم بحر ٌ ,ثم بحر ٌ

منْ رآني

عَدَّ أكفاني

وغطى جرحكم كي يشتري جبلا ً

ويبتاعَ الصراعا .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا .

لا جوعَ في روحي , .

أكلتُ من الرغيف الفذ ِّ ما يكفي المسير َ إلى نهايات الجهات .

عشاؤكم ليس الأخير َ

وليس فينا من تراجَعَ , أو تداعى .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا .

جَسَدان ِ في تابوتِ هذا الشرق نحنُ

يزوِّدان المزوَدَ المنسيَّ بالصرخاتِ ,

نحن بشارة الميلادِ نحنُ

وصورتان ِ لخطوةٍ

ٍ قد حاولت

ٍ قد حاولت

أن تهديَ الشرقَ المَشَاعا .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا .

إسمان للتوحيد نحنُ :

على مشيئتنا أردنا أن نكونَ

ولا يكونَ الناسُ في الدنيا متاعا .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا

والآن , أكملنا رسالتنا

إذ اتَّحدَ الشقيقُ مع العدوِّ

ولم نجد أرضا ً نُصَوِّب فوقها

دَمَنا

ونرفعه قلاعا .

يا أهلَ لبنانَ ....الوداعا .

اليوم إنجيلُ السوادْ ,

اليوم تابتْ مريم ٌ عن توبةِ التوباتِ وارتفع الحدادْ

إلى جبين الله

واختفتِ الملائكة ُ الصغيرة ُ

في أكاليل ِ الرمادْ ...

*************

والبحرُ أبيضُ

هذا سُفني الأخيرهْ

ترسو على دمع المدينة , وهي ترفع رايتي ,

لا راية ٌ بيضاء في بيروت

شكرا ً للذي يحمي المدينة من رحيلي

للَّتي مدت ضفيرتها لتحملني إلى سفني الأخيرهْ

- أين تذهبُ ؟

ليس لي بابٌ لأفتحَهُ لفارسيَ الأخيرْ

- والسبتُ أسودُ ,

ليس لي قلب ٌ لأخلعَهُ على قدميكَ يا ولدي الصغيرْ

أنا لا أودِّع , بل أوزِّع هذه الدنيا

على الزَّبد الأخيرْ

- وأين تذهبُ ؟

أينما حَطَّتْ طيورُ البحر ِ في البحر ِ الكبير ِ .

البحرُ دهشتنا ,هشاشتُنا

وغربتُنا ولعبتُنا

والبحرُ أرضُ ندائنا المستأصلَهْ

والبحرُ صُورَتُنَا

ومَنْ لا بَرَّ لَهْ

لا بَحْرَ لَهْ ...

........بحر ٌ أمامكَ ,فيكَ ,بحر ٌمن ورائكَ .

فوق هذا البحر بحرٌ , تحتهُ بحرٌ

وأنت نشيدُ هذا البحر ِ ....

كمْ كنا نحبُ الأزرقَ الكحليَّ لولا ظلنا المكسور فوق البحر ِ ,

كمْ كنا نُعِدُّ لشهر ِ أيلولَ الولائمَ .

- عَمَّ تبحث يا فتىً في زورق ِ الأوديسةِ المكسور ِ ؟

- عن جيش ٍ يحاربني و يهزمني فانطق بالحقيقة ثم أسأل :هل

أكونُ مدينة َ الشعراءِ يوما ً؟

- عَمَّ تبحث يا فتىً في زورق الأوديسةِ المكسور ِ ؟

- عن جيش أحاربهُ واهزمهُ ,

وعن جُزر ٍ تُسميها فتوحاتي , وأسال :هل تكون مدينة ُ الشعراءِ

وَهْمَا ؟

عَمَّ تبحث يا فتىً في زورق الأوديسةِ المكسور ِ ,عَمَّ ؟

- عن موجة ٍ ضيعتها في البحر ِ

عن خاتَمْ

لأسيِّجَ العالمْ

بحدود أغنيتي

- وهل يجدُ المهاجر موجة ً ؟

- يجد المهاجر موجة ً غرقتْ ويُرجعها مَعَهْ

بحر لتسكن ,أم تضيعْ

بحر لأيلولَ الجديدِ أم الرجوع إلى الفصول الأربعهْ

بحر أمامك ,فيك ,بحرٌ من ورائكَ .

تفتح الموجَ القديمَ :وُلدتُ قرب البحر من أمٍّ فلسطينية ٍ

وأبٍ آراميٍّ . ومن أمٍّ فلسطينية ٍوأبٍ مؤآبيٍّ . ومن أمٍّ فلسطينية ٍ

وأب ٍأشوريٍّ .ومنْ أمٍّ فلسطينيةٍ وأبٍ عروبيٍّ .ومن أمٍّ ,

ومن أمٍّ ....على حجر يُقَيِّدُ فوقه الرومانُ أسرى حربهم

ويُحررون جمالهم مني ...

أنا الحجر الذي شدَّ البحار إلى قُرون اليابسهْ

وأنا نبيُّ الأنبياءِ

وشِاعرُ الشعراءِ

منذ رسائل المصريِّ في الوادي إلى أشلاء طفل في شاتيلا .

أنا أوَّلُ القتلى وآخر مَنْ يموتْ .

إنجيلُ أعدائي وتوراةُ الوصايا اليائسهْ

كُتِبَتْ على جسدي

أنا ألف ٌ ,و باء ٌ في كتاب الرسم ,

يشبهني ويقتلني سوايْ

كلُّ الشعوب تعوَّدَتْ أن تدفن الموتى بأضلاعي

وتبني معبدا ً فيها

وترحلُ عن ثرايْ

و أنا أضيقُ أمام مملكتي

وَتَتَّسِعُ الممالك فيَّ ,

يسكنني ويقتلني سوايْ .

كل الشعوب تزوَّجت أمي ,

و أمي لم تكن إلاَّ لأمي

خصرها بحرٌ . ذراعاها سحابٌ يابسٌ

ونُعاسُها مطرٌ ونايْ .

وأنا أفيض أمام أغنيتي

وتحبسني خناجرها

يؤاخيني ويقتلني سوايْ.

....وأنا نشيدُ البحر ِ.

لا أرضى بما يرضي دَمَ الإغريقِ من ريح ٍ تهبُّ لتنتهي المأساةُ

وبالمأساة .قد ذبحوك كي يجدوك كرسيَّا ً فلا تجلسْ

لأن جميع آلهتي كلابُ البحر ِ

فاحذرها ولا تذهب إلى القربان ِ ...

إن الريح واقفةكخازوق ٌ

فلا تلمسْ يدَ القرصان ِ ,

لا تصعد إلى تلك المعابدِ

لا تصدِّقْ

لا تصدِّقْ

فهي مذبحة ٌ

ولا تخمد هجيرك عندما يتقمَّص السجَّانُ شكل الكاهن ِ

الرسمي ِّ ,

إنَّ جميع آلهتي كلابُ البحر ِ

فاحذرْها .

ودَعْ ...دَعْ كلَّ شيء واقفا ً

دَعْ كُل ما ينهارُ منهاراً ,

ولا تقرأ عليهم أيَّ شيءٍ من كتابك ْ ! ..

والبحرُ أبيضُ

والسماء ُ

قصيدتي بيضاءُ

والتمساحُ أبيضُ

والهواء ُ

وفكرتي بيضاء ُ

كلبُ البحر أبيض ُ

كل شيء أبيضٌ :

بيضاءُ دهشتُنا

بيضاءُ ليلتُنا

وخطوتنا

وهذا الكونُ أبيضُ

أصدقائي

والملائكة ُ الصغار ُ

وصورة الأعداءِ

أبيضُ , كل شيء صورة ُ بيضاءُ . هذا البحرُ , ملء البحر ِ ,

أبيضُ ...

***********************

لستَ آدمَ كي أقول خرجتَ من بيروت منتصراً على الدنيا

ومنهزماً أمام الله .

أنت المسألهْ

الأرضُ إعلانٌ على جدران هذا الكون

حَبَّةُ سُمْسُم ٍ , قتلاكَ

والباقي سدى

فاعط ِ المدى

إسم العيون ِ المهملَهْ

لك أن تكون ولا تكونْ

لك أن تُكَوِّنْ

أو لا تُكَوِّنْ ..

كل أسئلة الوجودِ وراء ظِلَّكَ مهزلهْ .

والكونُ دفترك الصغيرُ ,

وأنت خالقُهُ ,

فدوِّنْ فيه فردوس البداية , يا أبي ..

أو لا تُدَوِّنْ

أنت ..أنت َ المسأله ْ.

ماذا تريدُ ؟

وأنت من أُسطورة ٍ تمشي إلى أُسطورة ٍ

عَلماً ؟

وماذا تنفع الأعلام ..

هل حَمَتِ المدينَة َ من شظايا قنبُلَهْ ؟ .

ماذا تريدُ ؟

جريدةً ؟

أتفقِّسُ الأوراقُ دُوريّاً

وتغزل سنبُله ؟

ماذا تريدُ ؟

أَشُرطَةً ؟

هل يعرف البوليسُ أين ستحبل الأرضُ الصغيرة ُ بالرياح

المُقْبلَهْ ؟

ماذا تريدُ ؟

سيادة ً فوق الرمادِ ؟

وأنت سَيِّدُ رُوحِنَا يا سَيِّد الكينونَةِ المتحوِّلَهْ .

فاذهب ..

فليسَ لك المكانُ و لا العروش / المزبلهْ .

حُرّيَّة ُ التكوين أنتَ

وخالقُ الطرقاتِ أنتَ

وأنت عكسُ المرحلهْ .

واذهب فقيرا كالصلاةِ

وحافيا كالنهر في درب الحصى

ومُؤَجَّلاً كقرنفله ْ.

لا , لست آدم كي أقول خرجتَ من بيروت أو عَمَّانَ أو

يافا , وأنت المسألهْ .

فأذهب إليكَ , فأنتَ أوسعُ من بلاد الناس ِ , أوسعُ من فضاء

المقصله

مستسلما لصواب قلبكَ

تخلع المدنَ الكبيرة َ والسماءَ المسدلَهْ

وتمدُّ أرضاً تحت راحتك الصغيرة ,

خيمة ً

أو فكرة ً

أو سنبلهْ .

كمْ من نبي ٍّ فيك جَرَّبَ

كم تعذَّب كي يُرَتَّبَ هيكلهْ .

عبثاً تحاول يا أبي مُلْكَاً ومَمْلَكَة ً

فَسِرْ للجُلْجُلَهْ

واصعدْ معي

لنعيدَ للروح المشرَّد أوَّلَهْ

ماذا تريد , وأنت سَيِّدُ روحنا

يا سَيِّدَ الكينونة المتحوِّلَهْ ؟

يا سَيِّدَ الجمرهْ

يا سَيِّدَ الشعلهْ

ما أوسع الثورهْ

ما أضيقَ الرحلهْ

ما أكبرَ الفكرهْ

ما أصغرَ الدولهْ !....

الشاعرة الإسبانية كلارا خانيس مترجمة إلى العربية:

بين الانتماء الى الغرب والاقامة في الشرق

عبد السلام دخان

20/01/2010

يعد الاشتغال على الترجمة رغبة ً في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط رهاناً أساسياً في مشروع الشاعر والمترجم المغربي خالد الريسوني أستاذ اللغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو اوشوا في طنجة، فقد أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية للشعراء الإسبان، وشعراء أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد آخرها العمل الشعري لكلارا خانيس والموسوم بـ ' زوايا اختلاف المنظر'، و' كتاب الطير'، و' السكوت المنفلت'، ولعل أسباب ترجمة هذه المنتخبات نابعة من المكانة المرموقة لكلارا خانيس المولودة في برشلونة عام 1940 والتي أسهمت بأدبها في مجال الرواية عبر أعمالها ' ليلة أبيل ميشالي' 1965، و' انشطار' 1969، و' رسائل إلى أدريانا' 1976، و' دروب رومانيا' 1981، و ' أفراس الحلم' 1989 و' رجل عدن '1991، و' سراب '1991، وفي جنس القصة القصيرة أصدرت مجموعتين قصصيتين هما: ' محاولة اللقاء، محاولة النسيان' 1972،و' مرايا الماء'1997، وتميزت تجربتها السردية بأعمال تندرج في جنس السيرة وهي: ' الحياة الصامتة لفريديريكو مومبو' 1972، و' بستان ومتاهة' 1990، و ' بويثا كانيلو' 1981 ، وفي مجال الدراسات أصدرت كلارا عددا من الكتب منها: 'أن تتعلم كيف تشيخ، فيديريكو كومبو حياة نصوص ووثائق'، ' كلام القبيلة: الكتابة والكلام'، ' ثيرلو: العالم والشعر التخيلي'. وقد أهلها هذا المجهود الإبداعي ومنجزها الأدبي الذي ساهم في تطوير الأدب الاسباني المعاصر لنيل الجائزة الوطنية الاسبانية للترجمة سنة1997. وتشكل تجربتها الشعرية مثار اهتمام النقاد في اسبانيا لما تميزت به من شفوف وخلق شعري عبر الانفتاح على العوالم الصوفية والأسطورية والرمزية في بعدها الإنساني الرحب. وتنتمي تجربة هذه الشاعرة إلى الجيل السبعيني الذي عرف في اسبانيا باسم 'التحديثيون' وتسعفنا مقدمة هذا العمل المعنونة بـ ' كلارا خانيس ما بين الانتماء الى الغرب وهاجس الإقامة في الشرق' في تلمس سمات هذا الجيل بشكل دقيق والتي يمكن تلخيصها في مرتكزات مرجعياته الجمالية والفنية التي تمتح من روافد الثقافات والآداب الأجنبية. إن عوالم هذه الشاعرة التي عرفت بصمتها لم تكن منحصرة على النزعة الذاتية الضيقة ولا منفتحة كلية على ما هو خارجي، بل كانت تجربة تحاور ينابيع الشعر الاسباني قديمه وحديثه ومحاولة إعادة خلق هذا الموروث عبر تمثلات شعرية جديدة. ويمكن رصد هذا الحضور المعرفي والجمالي في منجزها الشعري وفي طبيعة عوالمها التي تتسم بهيمنة المرجعية الجمالية والتنوع الدلالي والمراهنة على إبدالات نصية من خلال وحدة الوجود والتكثيف وشاعرية الحواس. ولعل اثر الترجمات الشعرية لديوان الحلاج، ورباعيات جلال الدين الرومي، وكتاب الأسرار لفريد الدين العطار، وقصائد حافظ الشيرازي، ورباعيات الخيام أثر في طبيعة الوعي الشعري لكلارا خانيس وطبيعة المعجم الشعري وعوالمها النصية التي تحمل أوكسجين الشعر العربي في رئتيها. وفي هذا الصدد يقول المترجم خالد الريسوني 'إن عشق كلارا الجنوني للشرق عموما وللعالم العربي على وجه الخصوص جعلها مقيمة فيه بالقوة، بل انها غدت مرجعا معرفيا وثقافيا لكل الشعراء الإسبان والشعراء العرب، ولأنها قريبة من عالمنا ومن همومنا، ولان أعمالها الشعرية المتأملة والعميقة في مجموعتها غدت ذات بعد كوني وترجمت لأكثر من أربعين لغة، فقد صار واجبا علينا ان نقدم بعضا من دواوينها للقارئ العربي...' ويحتوي الديوان الأول على خمس قصائد:كهف قوس قزح، نهر الهجر، خط زوايا اختلاف النظر، مشهد عمودي، إعصار الأوقات المزمنة، وجميع هذه القصائد لها ارتباط وثيق بالطبيعة، ليس الطبيعة باعتبارها معطى جاهزا، وإنما تعمد الشاعرة إلى إعادة إنتاجه وفق تلونات الذات وتحولاتها، فالطبيعة هنا عنصر مشارك في بناء الفعل الشعري، وقد اختارت الشاعرة لغة الترميز أحيانا ولغة الحكي أحيانا أخرى، مشيدة عالما ملغزا متعدد القراءات. الديوان الثاني من العمل المترجم، هو كتاب الطير، وهو عبارة عن قصيدة واحدة متوزعة إلى 32 مقطعا قصيرا، فإذا كان الديوان الأول يميل إلى السرد، فإن الديوان الثاني يميل إلى التكثيف، ويشترك معه في حضور مكونات طبيعية من قبيل الليل والنور.. غير أن الديوان الثاني يكشف عن حزن قــوي ينبع من ليل الصمت والسكون، والشاعرة لا تسلم بهذه القيمة الوجودية وإنما بحثها دائم حول طريق النور، طريق الخلاص، ولن يكون إلا بتحقق القصيدة. الديوان الثالث عبارة عن غنائية طويلة عنوانها السكون المنفلت، ونلمس فيها احتفاء بجروح الذات ومعاناتها في الليل وهي تقارع الصمت والسكون. ويمكن القول أن ولوج كلارا خانيس المكتبة العربية من شأنه أن يساهم في معرفة القارئ العربي لتجربة شعرية خصبة ويسمح في الوقت نفسه برصد منعطفات الأدب الاسباني خاصة في نماذجه الراقية، وهو أمر لم يكن ليتأتى لولا هذه الترجمة التي أنجزها خالد الريسوني بوصفه مترجماً وشاعرا اكتوى بجمرة الشعــــر وأحس بعذوبته ، ومن أجل ذلك يصر في كل عمل جديد على تقديم أعمال تحقق للمتلقي العـــربي مزية الإمتــــاع، وتحقق في الوقت نفسه مزية التفكير التأملي.

تقول الشاعرة كلارا خانيس:

'شفيفة هي الساعة

ترسم الحقول المتذبذبة

الرباطات في الاعلى،

تعرج الجزيئات

التي تلتقي وتتشابك

في خييطات دقيقة

لحركية ساكنة.

ويمكث بعدها الرمادي السري، منحبسا.

سكون، فراغ

صلاح حزيِّن المختلفُ عنا...رحيلٌ غادرٌ آخر - بقلم: سميــح محســن

صلاح حزيِّن المختلفُ عنا

رحيلٌ غادرٌ آخر *

الكاتب: سميــح محســن / كاتب وصحفي، عضو هيئة تحرير تسامح

(1 )

ضمن عشراتِ الأصدقاءِ الذين نلتُ شرفَ صداقاتِهم في العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ كان (نوح) صلاح حزيِّن المختلف عنا جميعاً، وأكثرنا هدوءً برانياً، وجمالاً جوانياً، الجامع لتناقضاتنا، والمؤلف بين أمزجتنا المتقلبة، والكابح ـ إذا لزم الأمر ـ لتطرفنا العبثي، المشهود له بنظافةِ اليدِ وطهارةِ القلبِ.في العام 1979 وكنا في مقتبلِ العمرِ الذي نهشت الأحداثُ والنكباتُ المتلاحقةُ كضرباتِ مطرقةِ حدادٍ ماهرٍ على السندانِ سنواتِه التي كانت عجافاً بكُلِيِّتها، تعرفتُ لأولِ مرةٍ على صلاح حزيِّن. كان المكانُ المبنى الجديدَ لصحيفةِ (الوطن) الكويتية في منطقة الشويخ، وكنت في زيارة للقاص والصحفي الصديق محمود الريماوي.قهقهةٌ عاليةٌ في الممر. شابٌ أظن أنه تعدى الثلاثينَ بقليلٍ، طويلُ القامةِ، ممتلئٌ، غادر الشَعرُ جلدةَ رأسِه في وقتٍ مبكرٍ، يدخلُ إلى مكتبِ الصديقِ محمود الريماوي. دخل الاثنان، الضيفُ والمضيفُ، في حلقاتٍ من النكاتِ، وكان الريماوي الذي أعرف من بينهما حتى تلك اللحظةِ مبدعاً في الفكاهةِ وخفةِ الدم، وقد عرّفنا على ضيفه قائلاً: نوح حزيِّن.انطباع اللحظةِ الأولى أنني أتعرف على (مهرجٍ)!! لا مكانَ للجديةِ في حياتِه حاولَ أن يعززه صديقٌ آخر (أعتذر عن ذكر اسمه هنا)؛ حيث تأكد لي مع مرورِ الأيامِ أن حبالَ الودِ بينهما مقطوعةٌ ولا مجالَ لوصلها. ولعلني أسوق هذا التوصيفَ المُبَكرَ هنا لأن صلاح حزيِّن فاجأني في السنوات اللاحقةِ بأنه شخصيةٌ جامعةٌ على مستوياتٍ متعددةٍ إلى درجةٍ أزعم عندها أن لم يتعرف عليه عن قربٍ خسرَ الشيءَ الكثيرَ، والعكس لمن تعرف عليه. أقول ذلك مع العلمِ أنه، لا صلاح ولا أنا، نقترب من فكر التأليه.

(2)

في هذين، الزمانِ والمكانِ، تعرفت لأول مرةٍ على (نوح) حزيِّن المولود في بلدة عين كارم غربي مدينة القدس عام 1946، التي هُجِّر منها مع عائلته قسراً بعد عامينِ على ولادتِه، واستقر بها (العائلة) المقام في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في مدينة عمان.في بداية مراحل التشكل المعرفي الشخصي بيني وبينه سألته ذات يومٍ عن المكانِ الأصلي لعائلته، والسؤالُ في هذا المقامِ عادةٌ فلسطينيةٌ يبدو أنها استُحدِثت بعد النكبة، فتساءلَ في فكاهتِهِ التي أصبحت معروفةً لنا: {{هلْ هناك ضرورةٌ لتعرفَ}}؟!! واستكمل: {{أنا من عين كارم، وعندما هاجمت العصاباتُ الصهيونيةُ قريةَ دير ياسين المجاورة، استنجد أهلها بنا فلم ننجدهم}}!! وضحك بأعلى صوته. ولا يعدو كلامه هنا من بابِ التندرِ ليس إلا. لقد تعرضت دير ياسين للمذبحةِ الشهيرةِ على أيادي عصاباتِ الأراجون وشتيرن في التاسع من نيسان (أبريل) عام 1948، بينما سقطت عين كارم في الثامن عشر من تموز (يوليو) من العام نفسه.وفي الجلسةِ ذاتِها سعيتُ لحلِ التشابكِ بين اسميه (نوح) الذي عرفتُه أولاً، و(صلاح) الذي عرفتُه لاحقاً دون احتجاجٍ مني على أيهما، أو تفضيلِ اسمٍ على آخره. وأثناءَ سردِهِ لحالةِ فكِ التشابكِ لم يترك المناسبةَ تمر مرَّ الكرامِ حيث استخدم الفكاهةَ وعقلَه النقدي معاً في الإجابة. استخدم العقل النقدي في مواجهةِ الخرافةِ عندما قال أن والديه بدلا اسمه الأول (نوح) باسمه الآخر (صلاح) لأنه لم يوائمه لاستمراره في البكاء بعد ولادته وتسميته الأولى. واستخدم الفكاهة عندما قارن بين اسميهِ وقال إنهما (.....) من بعضهما.

(3)

مع مرورِ الزمنِ بدأتُ أتعرفُ على شخصيةِ صلاح حزيِّن الذي جاء إلى الكويتِ بعد تخرجِه من جامعةِ دمشق متخصصاً في الأدبِ الإنجليزي، وكان قد وصل إلى هناك قبل وصولِنا بوقتٍ قليل. كان صلاح شخصيةً ثريةً بكل المقاييس، ليس من وجهة نظري وحسب، بل ومن وجهة نظر جُلِ أصدقائِه ومعارفِه، وكان في مقدمةِ ذلك الثراءِ حسُه الإنسانيُّ العالي.فرضت علينا بيئةُ الكويتِ نمطاً معيناً من ممارسةِ يومياتِ حياتِنا القاسيةِ رغمَ تزامنِ وصولِنا مع وصولِ منتجاتِ الحداثةِ الاستهلاكية. ورغم تجمعِ الفلسطينيين هناك فيما يشبه المعازل (الغيتوات) إلا أن النخبَ الثقافيةَ كانت منفتحةً إلى حدٍ كبيرٍ على الآخرين، وبخاصةٍ على النخبِ اليساريةِ والتقدميةِ في البلد. ورغم ذلك أيضاً نشأت بين الفلسطينيينِ ظاهرةُ تكوّن الجماعاتِ الصغيرة التي يجمعها همٌّ متقاربٌ، إما همٌّ سياسي، أو فكري، أو ثقافي، أو أيديولوجي، أو عائلي، أو مناطقي ... إلخ. ومع مرورِ الوقتِ تكونت لنا مجموعةٌ من الأصدقاءِ، كانَ صلاح حزيِّن محوراً أساسياً فيها.في السنواتِ الأخيرةِ من حياتِنا في الكويت كنا نلتقي في سهرةٍ (خميسيةٍ) في أحدِ بيوتِنا تمتدُ حتى ساعاتِ الصباحِ. في تلك السهراتِ تعرفت على صلاح عن قرب. تعرفت عليه كإنسان في الجوهر، وكمثقفٍ تقدمي، وكاتبٍ صحفي من طرازٍ رفيع، ومترجمٍ بارعٍ، ومحللٍ وناقدٍ أيديولوجي لا يأبه من ردودِ فعلِنا على مواقفِه التي كانت لا ترضينا في بعضِ الأحيانِ، وكناشطٍ سياسي متحزب.

(4)

بالعودةِ إلى الانطباعِ الأولي عن شخصيةِ (المهرج) أقول:عندما انخرطنا في العملِ الصحفي في الكويتِ كانت الصحافةُ الكويتيةُ تسعى لاحتلالِ مكانةِ الصحافةِ اللبنانيةِ التي بدأت الحربُ الأهليةُ هناكَ تنهِكُها. وكان عددٌ من الأعلامِ الصحفيةِ العربيةِ قد انخرط في العملِ في الصحافةِ الكويتيةِ المزدهرةِ التي كانت تتسعُ للآراء والأيديولوجياتِ المتصارعة. وفي أعقابِ إعادة تشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1982، تعرضت تلك الخطوةِ لحملاتٍ من النقدِ الحادِ من قبل العديدِ من الكتابِ والصحفيينِ والنخبِ السياسيةِ والفكرية. وفي تلك المرحلةِ انبرى كاتبٌ صحفيٌّ يدعى (أمجد نصار) للتصدي لتلك الحملاتِ والرد عليها. ولما كان اسمُ هذا الكاتبِ جديداً علينا كعاملين في تلك الصحافةِ، ودفعتنا غريزتُنا لمعرفته، كانت المفاجأةُ ـ بالنسبةِ لي على الأقل ـ عندما عرفتُ أن ذلك الاسم اسم مستعار، وكان المختفي خلفه صلاح حزين.وإن كان صلاح حزين قد تصدى لمنتقدي قرارِ إعادة تأسيسِ الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومنتقدي مواقفِ الحزبِ ورؤيتِهٍ لحلِ القضيةِ الفلسطينيةِ مدفوعاً بدوافع حزبيةٍ وسياسيةٍ، إلا أنه كان يحملُ موقفاً نقدياً من الخلل الذي أصاب التجربةِ الشيوعيةِ العالميةِ، وبخاصةٍ في الدولةِ الأم (الإتحاد السوفيتي).في كتابته عنه بعد رحيله، قال الكاتب والصحفي صبحي حديدي:{{ لكنّ رحيل صلاح ردّني إلى سنوات صداقتنا الأبكر، في دمشق 1971، حين جمعنا همّ فكري وسياسي وثقافي واحد، أو شديد القرب، وتلاقت أمزجتنا العاصية المتمرّدة ـ إذا جاز لي أن أضيف، بكلّ التواضع ـ في شؤون لم يكن الانشقاق فيها أو عليها أمراً ميسوراً، إذْ كانت أقرب إلى المحرّمات الكبرى. وأذكر أنني، ذات نقاش مع رهط من الأصدقاء حول علم الجمال الماركسي ومفهوم الواقعية الاشتراكية، أبديت تحفظي على المصطلح الأخير، ويقيني بأنّ الماركسية المعاصرة لم تفلح في تقديم نظرية ذات حدّ أدنى من التكامل في علم الجمال. ولقد صعقني ـ بالمعنى الإيجابي للمفردة ـ أنّ الراحل لم يوافقني في هذا فحسب، بل كسر 'الممنوع' وأعلن أنّ معظم الأدب السوفييتي رديء، وأنّ أعمال مكسيم غوركي لا ترقى إلى عظمة نيكولاي غوغول أو فيودور دستويفسكي}}لم يكن صلاح حزيِّن مثقفاً ماركسياً كلاسيكياً، بل كانَ من أشدِ منتقدي تحويلِ النظريةِ الماركسيةِ إلى (ديانة). ورغمَ مكانةِ الاتحادِ السوفيتي لدى الأحزاب الشيوعيةِ في البلدانِ العربيةِ، وتحريمِ، بل وتجريمِ منتقدي التجربةِ السوفيتيةِ في تفسيرِ الماركسيةِ، إلا أن، صلاح حزيِّن كان جريئاً في توجيهِ النقدِ لظواهرِ الخللِ في تلك التجربةِ، كجرأتِه في الدفاعِ عن الاشتراكيةِ كخيارٍ لتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيةِ، والتحررِ من الظلم.في النصف الثاني من ثمانينياتِ القرنِ الماضي كان النقاشُ محتدماًَ حول (البيروسترويكا) التي قادها آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. وفي جلساتِنا المغلقةِ كان صلاح من أشدِّ المدافعينَ عن التجربةِ السوفيتيةِ الجديدة. وكان يرى أن تحويلَ الماركسية إلى دين، وتقديمَ التفسير السوفيتي لها كأنه التفسيرُ الصحيحُ والوحيدُ، يمهدُ لقتلِ التجربةِ وليس النظرية، فضلاً عن الخلل الذي بدأ يتكشف لدى الماركسيين في النموذج السوفيتي. كنا من منتقدي تلك التحولات، وكان صلاح من أشد منتقدينا.

(5)

رغم البساطةِ التي أكسبها لشخصيتِه في عاداتِه اليوميةِ وعلاقاتِه مع الناسِ بشكل عام، ومع أصدقائِه بشكلٍ خاص، كان صلاح حزيَّن شخصيةً ذات ثقافة عاليةٍ ومتنوعة. عاونته هذه الشخصيةِ على التصدي لترجمةٍ روايتينِ عظيمتينِ من الأدبِ العالمي صدرتا عن دار ابن رشد في بيروت، وهما: "إنهم يقتلون الجياد: أليس كذلك؟" لهوراس ماكوي، و"قلب الظلام" لجوزف كونراد. وقد وصف الكاتب الصديق وليد أبو بكر ترجمته للرواية الأولى بأنها "ترجمة تثير الإعجاب، وقد غبطه كثيرون على الطاقة التي بذلها في ترجمتها، وهي طاقة يعرف أصدقاؤه أنه يملكها دون ادعاء، لا لأنه درس اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق وحسب، ولكن لأنه لم يتوقف عن التعامل معها، خصوصا عن القراءة والترجمة، وكثيراً ما كان يعمد إلى شرح بعض غموضها، حين تدعو الضرورة إلى ذلك".من خلال علاقتنا به عرَّفنا صلاح حزيِّن على العديدِ من الرواياتِ، ولفت انتباهنا إليها، وحرَّضنا على قراءتها. ويبدو أن علاقته ببعض تلك الروايات استمر إلى حتى سنوات عمره الأخيرة، وكانت من بينها رواية (خربة حزعة) للكاتب الإسرائيلي يزهار سميلانسكي الذي توفي عام 2006. ولعل علاقةَ صلاح في هذه الرواية امتدت حتى رحيل كاتبها حيث كتب مقالة عن الرواية وعن كاتبها. قال صلاح في مقالته:{{ وفي العام 1949 نشر سميلانسكي رواية "خربة خزعة" التي أثارت ضجة أكبر من تلك التي أثارتها قصة "الأسير" فنوقشت في العام نفسه في الكنيست وكان سميلانسكي عضوًا فيه. تدور الرواية حول دورية إسرائيلية تقتحم "خربة خزعة"، وهي قرية فلسطينية صغيرة في الجنوب، ويبدأ أفرادها بإخراج سكانها البسطاء منها. وفي حفلة عربدة مجنونة يبدأ رجال الدورية في تدمير القرية الخالية. ويغرق الراوي في تداعيات حول حق القوة في التدمير وحول المعنى الأخلاقي للنصر وحول الضعف الإنساني الذي يمثله سكان القرية الذين يستسلمون لقوة الدورية المعززة. لكنّ الراوي في النهاية يبتلع تعاطفه وتداعياته الإنسانية ولا يقوم إلا بدور الشاهد على عملية تدمير "خربة خزعة" وإفراغها من سكانها فلا يناله سوى فضل الشهادة على جريمة ارتكبت أمامه بدم بارد. تداخلت مهمة دورية يفترض أنها تقوم بـ "حرب استقلال" بمهمة عصابة من القتلة تمتلك القدرة على القتل وتفتقد ما عدا ذلك تمامًا. وبترحيل سكان القرية إلى ما وراء الحدود، يفقد انتصار الدورية أي مجد ويتحول جريمة يكون الراوي شاهدها الصامت}}.كان اهتمام صلاح حزيِّن بالأدب الإسرائيلي شديداً. ومن بين الكتاب الذين لفت انتباهي إليهم الكاتب سامي ميخائيل الذي ولد في بغداد عام 1926، وفي شبابه انتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي وناضل سريا في صفوفه. وفي عام 1949، قدم إلى إسرائيل مع عائلته. وقد أصدر حوالي خمس عشرة رواية كان آخرها روايتا "عايدة" و"حمام في الطرف الأغر" التي استنسخ فيها رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"؛ وإن قال ميخائيل أنه لم يستنسخ الرواية، وإنما أقام حواراً معها.في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وكنت حلقة وصل لدى الأصدقاءِ بين الداخل والخارج كوني مواطناً في الأراضي المحتلة، سألني صلاح عن روايات الكاتب سامي ميخائيل، وعندما نفيت معرفتي بكتاباته اعترته الدهشة، بخاصة أن ميخائيل كان يكتب بالعربية إذْ جاء إلى البلاد كاتباً في الثالثة والعشرين من عمره. أجبته بأن رواياته لو توفرت في أسواق الضفة الغربية لوقعت عيناي عليها، كما أنني لم أسمع أياً من كتابنا الذين كنت ألتقي معهم خلال زياراتي يتحدث عنه، أو يذكره أصلاً.وأما الكاتب الإسرائيلي الآخر الذي سألني عنه في تلك الأيام فهو سمير نقّاش الذي كان يكتب رواياته باللغة العربية. وسمير نقاش يهودي عراقي ولد عام 1938، اضطر لمغادرة العراق بعد قانون إسقاط الجنسية الذي أصدرته حكومة توفيق السويدي في العام 1950 وسمحت بموجبه لليهود الراغبين في ترك العراق بالتخلي عن جنسياتهم العراقية، ومغادرة العراق إلى إسرائيل، لم يندمج مطلقا في المجتمع الإسرائيلي، وظل متعلقا بالعراق، وفي رواياته، تجد هذه الأفكار بينة واضحة، مثل رواية "نزولـة وخـيط الشيطان". سمير نقاش عربي يهودي ابن ثقافة عربية حقيقية، يكرر دائما في لقاءاته كنت يهوديا عراقيا في العراق والآن أنا يهودي عراقي في إسرائيل منذ أكره علي مغادرة العراق بعد التسقيط عام 1951م -ومنذ أن ولد في بغداد 1938م - وحتي وفاته 2004 م وهو يحمل عروبته بكل صدق، وقد حول أحاسيسه هذه لتصرفات حين هرب من إسرائيل إلى لبنان، ثم قبض عليه، وأعيد إلى إسرائيل. وفي كافة إبداعاته يفيض بهذا الشعور، وربما تكون رواية "نزولة وخيط الشيطان"، صورة صادقة لمشاعر يهودي عراقي متجسمة بيعقوب بن عمام الذي لم يستطع - كالكاتب ذاته - أن يندمج في المجتمع الإسرائيلي مطلقا، يقول علي لسانه "إني يهودي لكني لست بخائن... كيف أخون أرضاً ممتزجةً بثراها رفات آبائي وأجدادي؟"!إن سؤال صلاح حزيَّن يعكس سعة إطلاعه على الأدب الإسرائيلي ومعرفته بتفاصيله الدقيقة، وهذا ما ذهب إليه الكاتب وليد أبو بكر أيضاً.{{ عندما عُقد في رابطة الخريجين في الكويت مؤتمر كبير عن فلسطين أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تحدّث صلاح حزيّن عن الرواية الإسرائيلية: كان أيضا متابعاً جاداً للكتابة الإسرائيلية بكل تفرّعاتها. وقد قرأت مداخلته بشكل مسبق، كمعقِّب مكلَّف، فأذهلتني معرفته بالأدب الإسرائيلي من ناحية، وبالتكوين الإسرائيلي ذاته، سياسيا وعسكريا وثقافيا، من ناحية أخرى. كان هو الذي عرّفني على هذا الأدب بعمق، ثمّ دفعني إلى متابعته. وحين شاركت في مؤتمر الأدباء العرب (1992) بمداخلة عن "صورة العربي في الأدب الإسرائيلي" (تحوّلت بعد ذلك إلى كتاب)، وفّر لي معظم المصادر، وكثيرًا من المشورة التي لولاها ما كنت بدأت}}.

(6)

في جلساتِنا الخاصةِ كان صلاح حزيِّن الشخصيةَ المحوريةَ فيها نظراً لتمتعِه بعدةِ صفاتٍ عزَّ على إنسانٍ واحدٍ أن يمتلكها. فبالإضافةِ إلى الصفاتِ التي أوردتها عنه، كان صلاح صاحبَ نكتةٍ من الطرازِ الأول، وكانت جملته الأثيرة لنا: "عليك أن لا تحبس النكتةَ في داخلك حتى لو كانت تمسك". وكان دائماً يحذرنا بمحبته لنا أن لا ندخل في سجال نكات معه لأنه حتماً سيهزمنا، وكان تحذيره نابعاً من رغبته في عدم إحراجنا.

(7)

أثناء غزو الكويت صيف 1990 كنت في إجازة عائلية هنا. وبتاريخ 11/9/1990 عدت إلى هناك وقد تركت العائلة في البلاد. عندما غادرت سيارة الأجرة التي أقلتني من عمان في منطقة "المرقاب" وسط مدينة الكويت، لم أكن أعرف أياً من الأصدقاء بقي موجوداً هناك. استأذنت عاملاً في مكتب النقليات لاستخدام الهاتف، ولم أفكر مرتين عندما اتصلت بالصديق القاص تيسير نظمي وكان أقرب الأصدقاء مني. تملكتني الفرحة عندما رد سريعاً وسألني عن مكان وجودي، وبعد وقت قصير وصل بسيارته إلى المكان، ثم قادها وقادني إلى منزله في منطقة الفروانية.كل شيء تغيّر. الشوارع شبه فارغة. المحال التجارية مغلقة. بسطات الباعة تنتشر على جنبات الطرق، جبال من النفايات تنشر داخل المناطق السكنية، حواجز عسكرية تنتصب على مفترقات الشوارع، عشرات المسلحين ينتشرون في الأسواق العامة. كل تفاصيل هذه اللوحة استحدثت خلال أسابيع قليلة.في الطريقِ إلى منزلهِ سألته: منْ بقي من الشلة هنا؟ أخبرني بأن صلاح حزيِّن، إبراهيم زعرور، معين حوراني، صالح أبو زينة موجودون وهو على اتصال دائم معهم. لم أكن أعلم أنني سأعيش شهرين هما الأكثر صعوبة وتعقيداً في حياتي. لقد أعدنا تجميع أنفسنا في محاولة منا للصمود في بلدٍ لم تكن لنا وإن كانت شواهد أعمارنا وتفاصيل السنواتِ الأكثر بهجةً من حياتنا كثيرة فيها.عندما تجمعنا اكتشفت أن صلاح حزيِّن عمل محرِّضاً في صفوفِ الفلسطينيين لحثهم على عدم الرحيلِ عن الكويت حفاظاً على حياتهم ومكتسباتهم فيها. يبدو أن غريزة اللاجئ، وعذابات اللجوء، ورؤية السياسي دفعته للقيام بهذا الدور. مرّ شهران عليَّ في الكويت، ورويداً رويداً بدأ تفكيرنا الجمعي يجنح نحو الرحيل. كنا نقف أربع ساعات في طابور حتى نظفر بكيس خبز لا يتعدى وزنه كيلو غرام واحد. كان عزاؤنا أن عائلاتنا لم تكن معنا، ولك أن تتخيل عائلة تنظر كيس خبز في نهارها.

(8)

وأخيراً قررنا الرحيل. في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين ثاني) 1990 حملنا ملابسنا الشخصية، ركبت مع صلاح في سيارته، وتوجهنا إلى منزل شقيقة صديقنا معين حوراني لاصطحابه معنا، وأثناء وداع الأخير من قبل شقيقته وزوجها الكهل، أجهش الأخير ببكاء متواصل وصوت مرتفع. قال صلاح إنه "يبكي كما يبكي الرجال" وانطلقنا. كان اتفاقنا أن نبيت ليلتنا في بغداد، وفي اليوم التالي نواصل رحلتنا إلى عمان. وفي الفندق الذي نزلنا فيه كان صلاح يردد مع أي نكتة تضحكنا "هذا اليوم آخر أيام العز". وفي صباح اليوم التالي توجهنا نحو الحدود العراقية ـ الأردنية.سألنا ضابط الجمارك الأردني عن آلة كان يحملها صلاح لأحد أشقائه، وبالفعل لم يكن يعرف ماهية تلك الآلة، ولا ضابط الجمارك عرفها. بعد وصولنا إلى عمان والتقائنا ذكرني صلاح بتلك الآلة، وقال إنها آلة طباعة. وأردف قائلاً: "باستطاعتنا أن ننشئ حزباً"؛ وكان من متطلبات إنشاء الأحزاب (السرية) في خمسينيات وستينيات القرن الماضي امتلاك الحزب على آلة طباعة.

(9)

بعد عودتي إلى البلاد واستقراري فيها لم أجتمع بالصديق صلاح حزيِّن إلا في مرات نادرة جداً، بل إننا لم نجتمع في السنوات العشرة الأخيرة، وإن كنا نتابع معرفة أخبار بعضنا من خلال أصدقائنا الآخرين. في صيف 2006 كنت والصديق وليد أبو بكر في دمشق في زيارة تتعلق باتحاد الكتاب الفلسطينيين، وأثناء عودتنا إلى عمان علمنا أن الابن الأصغر لصديقنا صلاح (غسان) تعرض لحادث سير أثناء قيامه بتوصيل المخرج السينمائي الفلسطيني ميشيل خليفي بواسطة سياراته إلى الجسر، وفي أعقاب الحادث المأساوي دخل غسان في حالة غيبوبة لم يخرج منها حتى الآن. بعد وقت قصير علمت من أحد الأصدقاء، وهو الصديق عبد الكريم لولو المقيم في مدينة غزة حالياً، أن صديقنا صلاح أصيب بالسرطان، وحاول أن يربطني تلفونياً به عدة مرات، إلا أنني كنت أعتذر لأنني لن أستطيع الحديث معه. وفي إحدى مكالماتنا اللاحقة أخبرني هذا الصديق أنه نقل تحياتي لصلاح، وأبلغه عن عدم تمكني من محادثته. أعرف نبل صلاح، إلا أن إجابته لصديقنا عززت وجهة نظري به أكثر وأكثر عندما قال له: "أنا أعرف أن الذين اتصلوا بي ليطمئنوا على صحتي يحبونني، وأن الذين لم يستطيعوا الحديث معي يحبونني أيضاً"

(10)

في الأول من آب (أغسطس) توقف قلب صلاح الكبير عن الخفقان. ومن خلال متابعتي لبعض ما كتب عنه في الخارج، وبخاصة في الأردن، تبين لي أن صلاح بقي كما عرفته خلال سنوات عيشنا المشترك في الكويت. لقد كتب عنه بوفاء كبير، وحاول الراثون أن يكشفوا في كتاباتهم السريعة عن قيمة الرجل وما تركه من أثر فيهم، وفي الساحة الثقافية الأردنية. ولكن {{صلاح حزيّن، بكلّ ما يمثله بالنسبة للثقافة الفلسطينية، وما يدور في فلكها، مرّ رحيله في بلاده عابراً تماماً، لأن بلاده تعيش زمناً لا تعنيه الثقافة الجادّة، ربما لأن الذين يملكون "أعنة" الثقافة في بلاده، لا يعرفون "الجياد" الأصيلة، أو لا تعنيهم هذه الجياد، حية أو حين تموت، لأنها أصيلة بالفعل، لكنها تعيش في زمن غير أصيل}}.

وداعاً أيها الصديق العزيز

وداعاً صلاح حزيِّن

وداعاً أيها المختلف عنا جميعاً، وأكثرنا هدوءً وجمالاً، يا صاحب اليدِ النظيفة واليد الطهارة

وداعاً صلاح..

هوامش:

-1 -جدلية صلاح حزيّن، صبحي حديدي، الحوار المتمدن بتاريخ 3/8/2009

-2- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ وليد أبو بكر، صحيفة (الأيام) بتاريخ 8/8/2009

-3- رحيل يزهار سميلانسكي صاحب خربة خزعة: الروائي الشاهد على جرائم إسرائيل، صلاح حزيِّن، الحوار المتمدن، العدد 1662 بتاريخ 3/9/2006

-4- نشرت المجلة الأسبوعية الملحقة بصحيفة "هآرتس" اليومية الإسرائيلية حديثاً طويلاً مع سامي ميخائيل بتاريخ 15/4/2005،

احتل صفحة كاملة من صحيفة "السفير" اللبنانية التي ترجمته إلى اللغة العربية ونشرته في 18/4/2005، وفي الحديث المذكور تحدث ميخائيل عن الروايتين

-5- عن الرواية الإسرائيلية المكتوبة بالعربية، إبراهيم محمد حمزة، الحوار المتمدن، العدد 2491 بتاريخ 10/12/2008

-6- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ مصدر سابق

-7- قاص فلسطيني متميز، أصله من بلدة سيلة الظهر، جنوبي مدينة جنين، وهو مقيم في عمان الآن، ويعتبر من أكثر أصوات الاحتجاج علواً في الساحة الثقافية الأردنية الآن.

-8- إبراهيم زعرور بدأ حياته شاعراً وهو مقيم في عمان الآن، أما معين حوراني فكان مهندساً، وصالح أبو زينة مترجماً، والأخيران لا أعلم عن وجودهما شيئاً.

-9- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ مصدر سابق ----8/10/2009

http://www.palpeople.org/atemplate.php?id=1564

CATAVINO DE PAPEL

Dos importantes publicaciones jerezanas

Manuel Ros Ruiz | Actualizado 12.10.2009 - 01:00

SE impone hoy, da festivo, dedicar este espacio a dos publicaciones culturales jerezanas del mximo inters: el nmero ocho de la revista "Tierra de Nadie", que patrocinan la Diputacin de Cdiz y el Ayuntamiento de Jerez, y por parte de la Fundacin Jos Manuel Caballero Bonald, un volumen con el contenido del Congreso Literatura y Periodismo, celebrado en su sede en octubre de dos mil siete. Editada por Barataria y dirigida por Jos Ruiz Mata, "Tierra de Nadie" ofrece en esta entrega trabajos de indiscutible calidad en trminos generales, pero se impone destacar dos de ellos dedicados al estudio de la obra de nuestro paisano el poeta y narrador Carlos Alvarez. El primero se titula "Mi lectura de Carlos Alvarez", firmado por Jess Felipe Martnez, que dilucida una escritura indudablemente meritoria a lo largo de cincuenta pginas. Y en el segundo: "Carlos Alvarez: Poesa y resistencia", de Carlos M. Lpez Ramos, igualmente bien extenso, se pone de relieve la personalidad lrica del poeta jerezano de forma clarividente y ampliamente documentada. Igualmente hay que resear en este nmero que comentamos de "Tierra de Nadie", una antologa de la poesa visual espaola, compendiada por Pablo del Barco, en la que aparecen obras de Jos Luis Campal, Antonio Montesino, Anton Mir, Javier Seco, Antonio Monterroso, J. M. Calleja, Antonio Orihuela, Antonio Gmez, Jorge Barco, Manuel Calvarro, Felix Morales Prado, Angel Sanz Montero, Bartolom Ferrando, Josep Sou, Pablo del Barco, Jos Blanco, Roberto Farrona, Rafael de Czar, Julina Alonso, Gustavo Vega, Xavier Canals, Clara Jans, Julia Ptxoa, Alfonso Lpez Gradol, Javier Redondo, Rafael Peralto, Manuela Martnez, Francisco Aliseda y Corporacin Semitica Gallega, configurando una exposicin originalsima a todo color.
En cuanto al compendio de "Literatura y Periodismo" de la Fundacin Jos Manuel Caballero Bonald, a cargo editorialmente de Josefa Parra Ramos y Ricardo Rodrguez Gmez, recoge las conferencias al respecto pronunciadas por Emilio Lled, Elvira Lindo, Javier Rioyo, Clara Snchez, Manuel Rivas, Jess Vigorra, Francisco Gutirrez Carbajo, Fernando R. Lafuente, Guillermo Busutil y Juan Luis Cebrin, seguidas de las correspondientes mesas y aulas de debate, en las que tomaron parte un numeroso grupo de escritores y crticos. Como muestra de la regidura del tono y del meollo del congreso, los editores han escogido acertadamente las siguientes y definitorias palabras de Manuel Rivas, que suponemos compartir todo atento lector: "Vivimos un tiempo de velocidad, est esa idea de que nos desplazamos sobre una delgada capa de hielo, esa sensacin de que hay que correr para no hundirnos. Pero existe la funcin, tanto en la literatura como en el periodismo, de preservar y custodiar el sentido de las palabras, y eso slo se puede hacer teniendo en cuenta la memoria, que es el marco que nos permite dar un orden a lo que aparenta ser un caos".

http://www.diariodejerez.es/opinion/detail.php?id=536919#opi

CATAVIA PAPER
Two major publications Jerez
Manuel Ros Ruiz | UPDATED 12/10/2009 - 01:00
Are required today, holiday dedicate this space to two Jerez cultural publications of great interest: the number eight in the magazine "Tierra de Nadie", sponsored by the Diputacin de Cdiz and the city of Jerez, and by the Fundacin Jos Manuel Caballero Bonald, a volume with the contents of Literature and Journalism Congress, held at its headquarters in October two thousand and seven.Edited by Barataria and directed by Jos Ruiz Mata, "Tierra de Nadie" features in this release work of unquestionable quality overall, but is imposed to highlight two of them devoted to studying the work of our compatriot, the poet and storyteller Carlos Alvarez. The first is entitled "My reading of Carlos Alvarez, signed by Jesus Felipe Martinez, who elucidates undoubtedly meritorious writing over fifty pages. And in the second, "Carlos Alvarez: Poetry and Resistance", by Carlos M. Lopez Ramos, equally well extensive highlights the lyric poet's personality so clairvoyant Jerez and widely documented. Also we must note at this number as discussed in "No Man's Land", a visual anthology of Spanish poetry, epitomized by Pablo del Barco, which are works of Jos Luis Campal, Antonio Montesino, Antonio Mir, Javier Seco, Antonio Monterroso, J. M. Calleja, Antonio Orihuela, Antonio Gomez, Jorge Barco, Manuel Calvarro, Felix Morales Prado, Angel Sanz Montero, Bartolom Ferrando, Josep Sou, Pablo del Barco, Jose Blanco, Roberto Farrona, Rafael de Cozar, Julina Alonso, Gustavo Vega, Xavier Canals Clara Janes, Julia Ptxoa, Alfonso Lopez Gradol, Javier Redondo, Rafael Peralta, Manuel Martinez, Francisco Aliseda and Semiotics Galician Corporation, forming a highly original, full color exhibition. As the compendium of "Literature and Journalism" of the Fundacin Jos Manuel Caballero Bonald, editorially by Josefa Parra Ramos and Ricardo Rodrguez Gmez, gathers the lectures delivered by about Emilio Lled, Elvira Lindo, Javier Rioyo, Clara Sanchez, Manuel Rivas, Jesus Vigorra, Francisco Gutirrez Carbajo, Fernando R. Lafuente, Guillermo Busutil and Juan Luis Cebrian, followed by tables and classrooms for discussion, which took part in a large group of writers and critics. Reflecting the tone and stage management core of the congress, the publishers have chosen correctly, defining the following words of Manuel Rivas, which we assume will
share all attentive reader: "It's a time of speed, is this idea that we move on a thin ice, the feeling that you have to run to avoid sinking. But there is a role both in literature and journalism, to preserve and guard the meaning of words, and that can only be done taking into account the memory, which is the framework that allows us to give order to what appears to be chaos. "

مجموعة اشعار لبوشكين

25/08/2010 21:22

و طويلا سيظل قومي يحبونني

فقد هززت بقيثارتي المشاعر الخيرَة

و تغنيتُ ممجداً الحرية في عصري العاتي

.و ناديتُ بالرحمة على المقهورين

* * *

- الحرية -

...

الا ابتعدي عن طريقي

يا ربة الأوتار الخافتة

اين انتِ، اين انت ايتها العاصفة الرجولية

يا مغنية الحرية الفخورة ؟

اقتربي ومزقي اكليلي

وحطمي قيثارتي الناعمة

اريد أن اتغنى الحرية الإنسانية

و أفضح الرذيلة في عروشها

القرية

...

آه لو ان لصوتي القدرةَ على ان يهّز النفوس

لمَ هذا اللهب المتوقد , عبثاً , في صدري

و لم تمنح لي موهبة الكلمة الرهيبة ؟

اتراني ارى شعبنا، يا أصدقائي، و قد تحرر

من جور العبودية بأمر من القيصر ؟

أو لم يحن لفجر الحرية الوطيئة الرائع

أن يشرق على وطننا اخيراً ؟

1820

- السجين -

في زنزانتي الرطبة أقبع وراء القضبان

و النسر الفتي، ربيب الأسر

رفيقي الحزين مرفرفاً بجناحه

ينهش وجبته الدامية عند النافذة

ينهشها و يلقي بها و يتطلع من النافذة

كما لو أنه يشاركني أفكاري

إنه ليدعوني بطرفه و صيحته

و يود أن ينطق : (هيا بنا ننطلق ...

نحن طيران حران آن لنا أن نمضي

بعيداً حيث الجبال بيضاء وراء السحب

حيث البحر يتألق زرقةً

حيث لن يتجول غير إثنين: الريح و أنا

1821

-النبي-

...

الا انهض يا رسول روسيا

و التفّ بهذه الحلةِ المنسوجة من العار

و تقدم و الحبل يشدُ على عنقك

أمام القاتل الكريه

1826

بوشكين : قصائد مختارة - نقلها عن الروسية : حسب الشيخ جعفر - المؤسسة العربية للدراسات و النشر - الطبعة الأولى - 1981

ألكسندر بوشكين أمير شعراء روسيا، ولد في موسكو في 6 يونيو عام 1799م. نشأ في أسرة من النبلاء كانت تعيش حياة الترف. كان ولده شاعرًا بارزًا فساهم ذلك على إنماء موهبته الشعرية.ترجع جذوره إلى أصول حبشية. والدته ناديشد أوسيبافنا كانت حفيدة إبراهيم جانيبال أفريقي ومن الضباط المقربين لدى القيصر بطرس الأول، ورث بعض الملامح الإفريقية، حيث إمتلك شعرا أجعد، وشفتين غليظتين.يعد من أعظم الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، ولقب بأمير الشعراء. ودراسة هذا الشاعر تدفع إلى دراسة الأدب الروسي جملة، ومعرفة مراحل القيصرية الروسية منذ بطرس الأول حتى نيقولا الأول، وكذلك معرفة الحوادث التاريخية التي وقعت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. سميت فترة إنتاجه بالعصر الذهبي للشعر الروسي، وهو عصر التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى.عرف أيضا عصره بالاستبداد الاجتماعي. حيث كانت السلطات مركزة بين القيصر والنبلاء. كان بوشكين بإنتاجه الشعري يعبر عن انحلال وسطه، ويطالب بحرية الشعب، بوصفه المرجع الأول والأخير للسلطة، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا، وكان ناقما على مجتمعه مطالبًا بتقييد الحكم القيصري وإعلاء شأن النظام الديمقراطي بين الناس.وبالرغم من أن بوشكين لم يعش أكثر من 38 عامًا من جراء نقمه على أحد اصدقاء زوجته وهو البارون داتين أحد اشراف الفرنسيين ولا سيما بعد أن اقترن البارون بأخت زوجته ناتالي ليسهل عليه الاتصال بناتالي وانتهى الامر بالمبارزة وفي الساعة التي اتفقا فيها على المبارزة اطلق النار عليه مرتين فأصاب الشاعر بأصابات خطيرة فقضى نحبه، توفي عام 1837م، فإنه قد ترك الكثير من الآثار الأدبية؛ لدرجة أن قراءه يشعرون أنه قد عمَّر كثيرًا.

ويكيبيديا

©2017 Originality Movement حركة إبداعTayseer Nazmiتيسير نظمي