|
داخلا إلى عزلته صحفي من رام الله يحاور تيسير نظمي
تاريخ النشر : 2009-02-17
القراءة : 1256
عمان-حركة إبداع
بعد غياب تسع سنوات عن الساحة الأردنية قضاها بين القدس ورام الله وحيفا عاد الصحفي مهيب البرغوثي إلى عمان وأول المخضرمين الذين قابلهم الكاتب والصحفي والمترجم تيسير نظمي الذي يفرض حول نفسه عزلة عن الفعاليات الثقافية الأردنية وصحافتها رغم عضويته في رابطة الكتاب الأردنيين ورابطة نقاد الأدب الدولية والاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين واتحاد الكتاب العرب. اللقاء التالي جزء من لقاء مطول أجراه البرغوثي مع واحد من أهم النقاد العرب ورائد من الرواد الأوائل للقصة العربية الفلسطينية وروائي وشاعر ترفض المؤسسات الأردنية التعامل معه حكومية أم أهلية بسبب من السقف العالي الذي لم يرتض نظمي أقل منه في قول كلمته:
- هل صحيح ما نقله لنا الكاتب وليد أبو بكر أنك ستنتقل لرام الله قريبا ؟
- أسمع بذلك منك لأول مرة وأسألك أنت هل صحيح ؟
- في آخر زيارة لوليد أبو بكر للأردن قال لنا في رام الله أنهم يجهزون لذلك، فما هو تفسيرك؟
- ليست المرة الأولى التي تمارس فيها عمان ضغطا على السلطة باستيعابي، يريدون التخلص مني بأية وسيلة، هذا أعرفه جيدا منذ أن دبروا لي عملا مع الدكتور محمد المسفر في الراية القطرية، ومنذ نصحوا المتوكل طه بأخذ صورة عن جواز السفر لإبعادي إلى الضفة الغربية منذ أواسط التسعينيات، وفي آخر زيارة للمتوكل طه قبل نحو شهرين أثناء انعقاد المؤتمر الاستثنائي لاتحاد الكتاب العرب قالوها علنا حفارو القبور في وزارة الثقافة الأردنية للمتوكل جهارا وأمامي وبصيغة المزاح لكنهم جادون والأمر ليس بمزحة عابرة.
- ما هي الأسباب؟
- لماذا تسألني أنا ؟ وجه السؤال لمن يدعون أنهم كتابا ومثقفين وسياسيين ونقابيين ووجودي في الأردن وفي عمان تحديدا يضايق طموحاتهم.
- هل صحيح أن موقعك الشخصي ممنوع الدخول إليه من حواسيب وزارة التربية الرائدة في التحديث والحوسبة؟
- نعم صحيح فقد أوكلوا الأمر لشركة أجنبية صنفت الموقع على أنه لناشط سياسي وهو محظور فعلا منذ أن وجهت لي الدعوة لحضور مؤتمر رابطة نقاد الأدب الدولية في مدينة تورز الفرنسية قبل سنتين تقريبا.
- هل ينشر موقعك مقالات ممنوعة من النشر في الأردن؟
- أحب أن ألفت نظرك أنه ليس موقعي بقدر ما هو موقع أفكار وتوجهات حركة إبداع. ولقد نشر فعلا ما لا تريد الحكومات الأردنية غير المنتخبة نشره.
- هل من أمثلة؟
- مشروع شارون كما كتبه غاري سوسمان ، ولقاء مجلة فصلية أميركية مع الملك عبدالله ، وربما مقالاتي غير المنشورة في الصحف الأردنية وكتبي التي لم تحظ بموافقة جهات تدعي دعم الثقافة والإبداع مثل الوزارة وأمانة عمان علاوة على كتاب إسرائيل شاحاك " وطأة ثلاثة آلاف عام " وكون موقع حركة إبداع أيضا اهتم بحركة حماس لدى فوزها بالانتخابات التشريعية الفلسطينية. وهكذا وما لا أستطيع سرده من محتويات الموقع من أبرزها المذكرة الأميركية التي تطالب الأردن بإصلاحات ديمقراطية من 22 بندا ، ربما فسرت على أنها تدعو للتهيئة للوطن البديل رغم أن الحكومة قبضت نصف مليار من أجل أو بحجة السعي لتنفيذها لأن الكونجرس الأميركي طالب بها كشرط من شروط تقديم المعونة الأميركية للأردن.
- لماذا لا تستجيب السلطة في رام الله لهذه الضغوط لإبعادك من الأردن إليها بحجة عودتك للضفة مسقط رأسك؟
- رجالات السلطة سواء في الداخل إو في الخارج لديهم معلومات قديمة عني وعن توجهاتي وبالتالي فأنا في نظرهم أردني وليس فلسطينيا فلماذا يجلبون لأنفسهم المتاعب.
- أية متاعب؟
- متاعب الثقافة ، ثقافة الثورة الدائمة والتغيير والمحاسبة ومكافحة الفساد.
- هل من أمثلة؟
- أنا من المطالبين بعودة يهود صفد لصفد فهنالك يهود فلسطينيون وقفوا ضد روتشيلد اليهودي الفرنسي صاحب رأس المال الذي شجع مشاريع الهجرة في وقت مبكر لفلسطين على حساب يهود فلسطين حيث تمت عملية تشتيتهم داخل اسرائيل منذ قيامها مثلما جرى أيضا مع مجموعة ناطوري كارتا اليهودية التي لا تؤمن بقيام دولة لليهود. مثل هذه المعلومات تعتبر ضمن مقاييس التخلف الذي يعاد انتاجه هنا بصيغ وطنية تطبيعا لدرجة لم نعد نفهم ما هو المقصود بالتطبيع. إذا كانت هنالك منظمات أنجزة NGO
فهنالك أنظمة أنجزة تمول علنا من الكونجرس الأميركي .
- بمناسبة ذكرك للتمويل الأجنبي ماهي علاقتك حاليا بمهرجان أيام عمان المسرحية ؟
- جيدة جدا بعد أن تكشف لحركتنا الانتهازيون المنشقون وعلاقتهم بالسفارة الاسرائيلية ، ثم أن نادر عمران خليلي ونصف سيلة الظهر أصولهم من الخليل.
- أقصد هل لا زلت تشكل مشكلة للمهرجان ببعض نقاط الاختلاف معه حول بعض العروض؟
- من الطبيعي الاختلاف وليس التطابق التام بين ناقد وسياسي وبين مخرج وإداري وعموما أنا أكبرسنا من نادر بنحو ثلاث سنوات وأنا الذي يغفر لغيره أخطاءهم الفنية وحتى السياسية لكننا نبحث حاليا صيغة للتعامل بيننا ربما تكون توأمة بين الفوانيس وحركة إبداع كوننا نولي الجانب النظري والإعلامي والنقدي أهمية قصوى في التجسير والتقارب بين الثقافات والشعوب والأديان ولكن بين الطبقات غير ممكن التجسير في الوطن العربي لأننا ليس لدينا بورجوازيات أصيلة تحترم نفسها كما أوروبا والغرب عموما. أصحاب الثروة في الأردن لا تهمهم الفنون ولا يفهمون بها ولا يهمهم المسرح بقدر حساباتهم في البنوك.
- ماذا عن إعادة الهيكلة في الفوانيس ؟
- طالب بها عشرون فانوسا ثم وجدوا صيغة ترضي معظمهم بانتخاب هيئة إدارية جديدة نحن في حركة إبداع كنا نطمح بعودة الجميع لكن وقد عاد من عاد وخرج من خرج فمن واجبنا أن نكمل المسيرة بصيغ الحد الأدنى بحيث نبقى أصدقاء وأقوياء في وجه من يرتدي أقنعة وطنية ليبقي على ملامحنا نحن غارقة في البؤس.
- لم أفهم قصدك هنا.
- ولا أنا (يقهقه كالعادة)
- هل صحيح أن فرقة الفوانيس قدمت شكوى لوزارة الثقافة بقيت في الأدراج ؟
- تقصد على مسرح البلد ؟
- نعم
- يجيبك نادر عمران أفضل حتى تظل حركة إبداع تمتلك حرية الحركة بين الأطراف أو...
- أكمل
- والاتكال على الله مكافحة الفساد
- هل سيكون مصير حركة إبداع التمويل الأجنبي ؟
- ربما ما دام الجميع يحاربنا حتى في لقمة عيش أولادنا وما دامت الأجيال الجديدة تبحث تائهة بين من يحقق لها طموحاتها.
- هل تقصد أن حركة إبداع تتشكل من جيل الرواد حتى الآن؟
- علاقات الحركة الداخلية سرية لأننا من مختلف الديانات والأصول والمنابت والبلدان وبين صفوفنا من لا يحبذون الإعلان عن ولائهم لمستقبل الحركة ومن ضمنهم أقارب لي يتواجدون في أميركا والأردن وفلسطين.
- أنا ليس لدي مانع أن أكون في حركة إبداع
- فلتدفع لنا معونة رمزية (يضحك بحزن)
- متى أعلنتم الخطوط العريضة لتوجهات الحركة ؟
- في مؤتمر للمنظمات اليهودية في أميركا وقد جرى تصنيف الحركة آنذاك على أنها من المنظمات غير الحكومية التي ليس مقرها الولايات المتحدة وحدها ضمن منظمات تمت دعوتها واستجابت.
- هل تذكر التاريخ تحديدا متى؟
- حركة إبداع جرى الإعلان عنها في أول صدور لجريدة العرب اليوم الأردنية لكن فكرتها كانت قبل ذلك بكثير منذ أواخر السبعينيات في الكويت ولها علاقة بمشكلات اختلاط الحابل بالنابل في صفوف اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
- ماذا تقصد ؟
- الخطاب الثقافي الفلسطيني المغاير الذي عبرت عنه يعود لمعايشة مبكرة لحرب 67 ونتائجها وهذا ما جعلني غريبا حتى عن أهلي الفلاحين البسطاء والعمال الأنقياء.
- هنالك حركة فتح ومن ثم حركة حماس وقبل ذلك بكثير حركة القوميين العرب فما هو الفهم الثقافي لحركة إبداع وسط هذه الحركات السياسية وما أكثرها؟
- حركية الإبداع عنوان لكتاب خالدة سعيد (زوجة أدونيس) وهو كتاب جيد في حينه. فهمنا نحن ليس فهما سياسيا للحركة. ولا هو مفهوم ديني في الحركة بركة. الحركة لدينا تربط بين الأصالة والحداثة وتؤمن بالتعددية والتعايش والبقاء للاستمرارية وديالكتيك الحياة ذاتها. نؤمن جدا بأهمية الجانب المعرفي لأية مشكلة من جذورها حتى نهاياتها. الوطن العربي غارق بالظلام والديجور والحمد لله. عندما خرجت حماس قلت أن مستقبلها هو فتح ولا زلت مؤمنا بذلك. الفكر الديني تشجعه أميركا منذ القدم وتعمل بغيره. آليات الامبريالية قائمة على النهب المستمر للطبيعة والبشر وبعد كل الموبقات التي ترتكبها تريد من الخالق أن يتدبر لها جنة الخلود أيضا بعد رحيلها. خذ مثلا ستالين وتروتسكي في التاريخ الحديث كمثال على الجانب المعرفي. كاتب الثورة الدائمة لو اتعظ ستالين بأفكاره لما كانت هنالك نازية هتلر ولا الحرب العالمية الثانية وربما لما وجدت إسرائيل.
- هل صحيح أن حركة إبداع تروتسكية التوجه؟
- بل أكيد مع تعديل التوجه لنزعة حتى الآن لأن بعض الأصدقاء لديهم تحفظات على هذه المسألة حيث يوجد على سبيل المثال حزبان في فرنسا يدعيان التروتسكية ونحن لسنا حزبا سياسيا. نحن مجموعة مبدعين ومفكرين ومثقفين لنا دور تنويري حتى الآن ونتفهم طبيعة المرحلة كما نتفهم التاريخ بعمق وشفافية إنسانية عالية.
- هل صحيح أن الدومين لموقعكم اختصار للحركة الوطنية لمناهضة الصهيونية العالمية؟
- لا أستطيع الآن أن أجزم بذلك لأننا نؤمن أن الصهيونية حركة قومية ودينية في الوقت نفسه تنتعش كلما انتعشت الحركات القومية المناهضة لها ونحن لسنا حركة قومية وإلا لوجدتنا مقاولين وتجارا غير مثقفين ولا مبدعين ، عاموس عوز في بعض أعماله تجاوز الصهيونية لأفق عالمي وإنساني رحب وفي بعض أعماله صهيوني حتى العمى. التطور الواقعي سينير له الطريق من بشريته لا من تعصبه لجنس بشري خاص أو دين محدد بعينه.
- لمن تقرأ من الكتاب الإسرائيليين ؟
- عميرة هاس وعاموس عوز ويوري أفنيري وإيلان بابيه وحتى بيني موريس ومن نافل القول الكتاب الكبار مثل يزهار سميلانسكي الذي أحترمه جدا وآخرين لكن ليس لدي ممكنات متابعة شعراء مهمين لا تسعفني الذاكرة بدقة أسمائهم. فوق كل ذلك قبل وبعد الرائع إسرائيل شاحاك.
- بماذا توصي أخيرا؟
- بدفني في سيلة الظهر أكرر وبلمسة تسامح من إلزا التي لم أستطع أن أوفي بواجبي نحوها كأب في الأردن الشقيق. إبنتي المحروم منها ومن مشاهدتها لكثرة ما لدينا من نسخ ستالينية من الرجال والنساء والمؤسسات أهلية كانت أم حكومية فالتخلف سيد زماننا في هذا الشرق أوسط.
100 99 98 97 96 95 94 93 92 91 90 89 88 87 86 85 84 83 82 81 80 79 78 77 76 75 74 73 72 71 70 69 68 67 66 65 64 63 62 61 60 59 58 57 56 55 54 53 52 51 50 49 48 47 46 45 44
T
NAZMI
nazmi.us
nazmi.org
nazmis.com
nazmi-org.nazmis.com
Originality Movement
إدارة أوباما.. والملفّ الفلسطيني
صبحي غندور*
بدأ الرئيس الأميركي أوباما عهده في مطلع هذا العام مبشّراً برؤية مثالية للسياسة الخارجية الأميركية، فيها التأكيد على حقّ الشعوب بتقرير مصيرها، وفيها دعوة للتعامل بين الدول على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. كما كان في هذه الرؤية نقد مباشر وغير مباشر لما كانت عليه السياسة الأميركية في ظلّ الإدارة السابقة، خاصّةً لجهة الانفرادية في القرارات الدولية الهامّة ولاستخدامها أسلوب الحروب في معالجة الأزمات، وما رافق هذا الأسلوب أحياناً من أساليب تعذيب لمعتقلين وتعدٍّ على حقوق الإنسان.
وقد كان الملفّ الفلسطيني أحد الملفّات الهامّة في رؤية الرئيس أوباما حيث خصّص له فور تولّيه سدّة الرئاسة مبعوثاً خاصّاً هو السيناتور السابق جورج ميتشل المعروف بنجاحه في معالجة الأزمة الأيرلندية خلال حقبة الرئيس بيل كلينتون.
الآن، وبعد مضيّ أكثر من تسعة أشهر على وجود باراك أوباما في "البيت الأبيض"، نجد أنّ رؤيته المثالية لأميركا والعالم اصطدمت بواقع أميركي وبظروف خارجية دولية يعيقان معاً تنفيذ الكثير ممّا تطمح له "الرؤية الأوباميّة".
فالواقع الأميركي الداخلي يقوم على قوى ضغط عديدة تعمل باتجاه معاكس لبرنامج أوباما الإصلاحي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحّي. هذا أمرٌ ظهر بوضوح كبير في معركة قانون الرعاية الصحّية وفي قرار إغلاق معتقل غوانتامو وفي ترشيح السفير فريمان لموقع رئاسة مجلس وكالات المخابرات وفي موضوع حجم القوات الأميركية في أفغانستان، كما هو حاصل أيضاً في العلاقات الأميركية/الإسرائيلية وفي اضطرار إدارة أوباما للتراجع عن شرط تجميد كل أعمال الاستيطان قبل استئناف المفاوضات الإسرائيلية/الفلسطينية.
ففي ظلّ حضور الضغط الإسرائيلي الفاعل داخل الولايات المتحدة، من خلال العلاقة مع أعضاء الكونغرس والهيمنة على معظم وسائل الإعلام، تصبح السلطة التنفيذية في أميركا أسيرة ضغوط السلطة التشريعية و"السلطة الرابعة" أي الإعلام. والمعضلة هنا أنّ الفرز لا يكون فقط بين حزب ديمقراطي حاكم وحزب جمهوري معارض بل يتوزّع "التأثير الإسرائيلي" (كما هو أيضاً في قوى الضغط الأخرى) على الحزبين معاً، فنرى عدداً لا بأس به من "الديمقراطيين" يشاركون في ممارسة الضغط على الإدارة الحاكمة لصالح هذا "اللوبي" أو ذاك علماً أنّ تعثّر "الرؤى الأوبامية" ليس سببه حصراً حجم تأثير "اللوبي الإسرائيلي"، فهناك طبعاً "مصالح أميركية عليا" ترسمها قوى النفوذ المهيمنة تاريخياً على صناعة القرار وعلى الحياة السياسية الأميركية، وهي قوى فاعلة في المؤسسات المالية والصناعية الأميركية الكبرى.
لكنْ هناك اختلال كبير في ميزان "الضغوطات" على الإدارة الأميركية لجهة حضور "الضغط الإسرائيلي" وغياب "الضغط العربي" الفاعل، ممّا يسهّل الخيارات دائماً للحاكم الأميركي بأن يتجنّب الضغط على إسرائيل ويختار الضغط على الجانب العربي، والطرف الفلسطيني تحديداً، وهو الطرف المستهدف أولاً من قِبَل إسرائيل، كما هو "الحلقة الأضعف" في سلسلة التحرّك الأميركي بالمنطقة.
وقد أصبحت معادلة "الضغوطات" تقوم على أنّ إسرائيل تضغط على واشنطن، فتبادر واشنطن بالضغط على الفلسطينيين والعرب. ويحدث هذا الأمر في كل مرّة يظهر فيها تحرّك أميركي جاد للتعامل مع ملفات الصراع العربي/الإسرائيلي، وهو ما حصل مؤخّراً أيضاً حينما أسقطت واشنطن شرط تجميد المستوطنات داعيةً السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات بلا شروط ومطالبةً الدول العربية بخطوات تطبيع مع إسرائيل لتشجيع الطرف الإسرائيلي أيضاً!!
ويبدو أنّ إدارة أوباما أصبحت مستعجلةً الآن على تحقيق إنجاز سياسي في منطقة الشرق الأوسط، وهي تخلّت من أجل ذلك عن شرط تجميد المستوطنات آملةً بإحياء التفاوض من جديد على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي لأنّه المدخل الأساس لعملية تسوية شاملة في المنطقة تريدها واشنطن لترتيب علاقاتها الجديدة مع كلٍّ من إيران وسوريا، وهما دولتان مجاورتان للعراق ولهما تأثير كبير في مستقبل أوضاعه السياسية والأمنية.
أيضاً، لكلٍّ من طهران ودمشق علاقات خاصّة مع قوى المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، فلا يمكن تحقيق استقرار سياسي وأمني في العراق ولبنان ومنطقة الخليج العربي من دون التفاهم الأميركي مع إيران وسوريا، ثمّ لا يمكن تحقيق هذا التفاهم بلا تسوية للصراع مع إسرائيل على الجبهتين السورية واللبنانية، وهذا ما لا يمكن الوصول إليه من دون التعامل أولاً مع الملفّ الفلسطيني ووضع قضاياه الكبرى (الدولة – الحدود- مصير اللاجئين- القدس) على سكّة التفاوض من جديد.
لذلك أعتقد أنّ ما نراه الآن من تراجع أميركي أمام الضغوطات الإسرائيلية لن يكون تخلّياً عن السعي الأميركي لتحقيق تسوية شاملة في المنطقة أو عن أولويّة التعامل مع الملف الفلسطيني.
ربّما يكون الرئيس أوباما (وأرجو أن أكون صائباً في ذلك) يعتمد أسلوب الالتفاف على الضغط الإسرائيلي من خلال استخدام واشنطن لأصدقائها في الضغط على حكومة نتنياهو. وقد حصل ذلك في الأشهر الماضية عندما سمع نتنياهو من الرئيس الفرنسي ساركوزي وزعماء أوروبيين آخرين كلاماً ضاغطاً باتجاه العمل لتحقيق دولة فلسطينية مستقلّة والمطالبة له بتجميد بناء المستوطنات.
وفي هذا السياق أفسّر أيضاً تصريحات ومواقف حكومة فياض حول تهيئة الإعلان عن دولة فلسطينية على الأراضي المحتلّة عام 1967. فمثل هذا الموقف لا يمكن أن يصدر دون تنسيق مسبق مع الإدارة الأميركية. وهو أمر يشكّل ورقة ضغط سياسية هامّة على حكومة نتنياهو للإسرع بالمفاوضات حول القضايا الكبرى قبل خريف العام 2011 وهو الموعد الذي أعلنته حكومة فياض لإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد.
لقد تضمنّت كلمة أوباما في ذكرى اغتيال إسحق رابين إشارة مهمّة للإسرائيليين حينما قال إنّ الأمن لإسرائيل لن يتحقّق فعلياً طالما هناك يأس فلسطيني. كذلك كانت كلمة مستشار أوباما للأمن القومي جيم جونز في مؤتمر الإيباك حول أهمّية تسوية الصراع في الشرق الأوسط بالنسبة للاستراتيجية الأميركية الحالية.
حتّى إعلان محمود عباس عن عدم رغبته بالترشّح مجدداً لرئاسة السلطة الفلسطينية هو في تقديري جزءٌ الآن من أوراق الضغط الأميركية على حكومة نتنياهو، كذلك هي بعض المواقف العربية والتركية الرافضة الآن لتحسين العلاقات مع إسرائيل، كما هي أيضاً ظاهرة "جي ستريت" اليهودية في أميركا.
إنّ الإدارة الأميركية السابقة كانت على انسجام كامل مع الرؤى والمصالح الإسرائيلية ومع الحروب التي خاضتها إسرائيل طيلة عهد إدارة بوش.
أمّا في الإدارة الحالية، فإنّ تبايناً يظهر من خلال كيفية التعامل الأميركي مع الملف الفلسطيني، وفي الموقف من إيران وسوريا، وفي الرؤية المستقبلية للدور الإسرائيلي.
لكن في إطار هذا التباين نلمس تأثيراً إسرائيلياً فاعلاً على صنّاع القرار الأميركي، وحركة إسرائيلية ضاغطة في أكثر من اتجاه دولي، بينما تعاني الأوضاع العربية والفلسطينية من ضعف التأثير ومن حدّة الانقسامات الداخلية ومن غياب الرؤية العربية لمستقبل المنطقة العربية وقضاياها المصيرية.
المشكلة هنا انّ الأمّة التي لا يتوحّد ولا يتحرّك أبناؤها من أجل قضاياها، تنقاد حتماً لما سيقرّره لها الآخرون.
*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)
E-mail: alhewar@alhewar.com |