OM> destroyed in Jordan and restored in USA

Friday, November 24, 2017

Manifesto

 

P.C.Manifesto

نحو خطاب ثقافي فلسطيني مغاير

A Palestinian Cultural Manifesto

بقلم: تيسير نظمي By Tayseer Nazmi

 

من الضرورة أن يسمو الخطاب الثقافي الفلسطيني الى مستوى التضحية والعذاب والإبتكارالذي رافق مسيرة الآلام التي تعرض لها الفلسطينيون في العصر الحديث، و من الخطورة أن يكون الثقافي ذيلا أو ملحقا بالخطاب النضالي و الكفاحي و تعدد خياراته المرحلية والمكانية و أشكاله التحررية . فقد اتضح لنا بما لا يدعو للشك طوال النصف قرن الماضي على الأقل، أننا نتعامل مع ثقافة مريضة و أناس غير طبيعيين. مع" آخر" مريض باستمرارية لعبه لدور الضحية و الجلاد في آن واحد . فمن كانوا يتعرضون للاضطهاد النازي في أوروبا يمارسون دور جلاد يهم اليوم في فلسطين. مبررين لأنفسهم كل الأفعال المشينة التي يرتكبونها بحق شعب أعزل بأنهم إنما يقومون بحماية أنفسهم و في خيالهم المريض أصبحت " دولة اسرائيل" كأنها جيتو من أمثال جيتو بولندا أو جيتو جادويغا وليست دولة عصرية مسلحة نوويا و عسكريا بأحدث مبتكرات الفتك و التدمير و طائرات و مروحيات مهداة من العم سام تتدفق بلا انقطاع عليهم منذ نصف قرن. و المرضى في التقاليد الثقافية و الحضارية الناضجة ليس جديرين بغير الإشفاق و العلاج. علاج الإسرائيلي من نفسه، و حمايته أولاُ مما يرتكبه من حماقات. و سواء كان تاريخ الجيتو اليهودي مفروضا أم مختارا فإنه اليوم خلاصة الصورة المقدمة للفلسطينيين عن انفسهم و عن مستقبلهم، فتكفي نظرة واحدة على خارطة الدولة الفلسطينية المدعاة و المتعددة الأشكال و الأشلاء منذ مشروع ألون حتى أفكار شارون أن تذكرك بأن الطرح الذي يقدمه جنرالات إسرائيل للفلسطينيين ليس مجرد كانتونات أو بانتوستونات متفرقة و معزولة، بل انها جيتوات يصل تعدادها في إحدى هذه الخرائط إلى 22 جيتو في الضفة وحدها. و بعد 54 عاما من إنشاء احدث دولة في الشرق الأوسط و أغرب تجربة استعمارية "كولونيالية" غير منسجمة مع محيطها و لا تريد هذا الانسجام و التواضع، تجد أن الإسرائيلي لا يراد له أن يتقدم في دولته المعاصرة، و لا لصورته عن نفسه في الجيتو أن تتغير، فالمستعمرات "المستوطنات" التي تم إنشاؤها و التي لن يتم التخلي عنها بسهولة  كما يتصور السياسيون  ليست في محيطها و خاصة في الضفة الفلسطينية سوى جيتوات في إطار الحل المتخيل و لو مرحليا للفلسطينيين. و بعدم الانسحاب الإسرائيلي من الضفة و التخلي عنها يريد جنرالات إسرائيل للطرفين أن يعيشا في الجيتو. الفلسطينيون في جيتوات ما كانت بلادهم و الإسرائيليون في جيتوات ما آل إليهم من أراض و مساحات تسميها الميثولوجيا الدينية " يهودا والسامرة". و فضلا عن أن الإسرائيلي- بشكل عام- لا يريد الانعتاق و التحرر لغيره فانه لا يريد لنفسه أيضا أن يتحرر من تبعية الآخر إليه. و إسرائيل  الشارونية- المنتخبة !!- ليس لديها عن نفسها سوى صورة الجيتو و ليس الدولة القابلة للعيش بأمان ضمن حدود معترف بها، و ضمن الشرق الأوسط الذي بدلا من ان تلعب دورا رياديا فيه حسب الإدعاءات الصهيونية المبكرة و بدلا من أن تصغي جيدا لنصائح أرنولد توينبي لها في الخمسينات، تلعب اليوم دورا تدميريا للمنطقة و لنفسها و لصورتها في العالم أجمع. كيف لا و قد اختارت الضحية لتعيد انتاج نفسها في صورة جلادها،ليصبح الفلسطينيون اليوم يهودا رغما عنهم ليس في أوروبا النازية بل في الأرجاء العربية التي ما يزال المخيم الفلسطيني فيها يذكر بالجيتو اليهودي و أكرر أن لا أحد في الاعلام العربي و الثقافة العربية معني بالصورة الواقعية و الفعلية للواقع، واقعه هو و موقع الفلسطيني فيه و مخيماتهم . و لا هو معني بمآل و شكل الدولة المفترضة أو الممكنة فعليا للفلسطينيين،اذ يبدو الحديث بالمطلق و العموميات أسهل للثقافة العربية و الخطاب السياسي العربي، في حين أن أشد و اقل التفاصيل هي ما يدفع الفلسطينيون و الاسرائليون دماءهم لها. و اذا تماثل الخطاب الثقافي الفلسطيني و اندغم تحت أشد الذرائع القومية إخلاصا له فإنه يفقد مبرر و جوده و وجود شعبه و خصوصية و تعقيدات قضيته الوطنية. فليست فلسطين مجرد عمود للشعر العربي أو قصيدة من قصائد النثر المحدث أو الشعر الحر كي نتفق أونختلف عليها، و ليس في الأمر أية شوفينية أو دعوة للإنعزال ما دام أبناء مخيم/ قلعة جنين ماثلين و منفتحين على هذا العراء العربي القاحل . ولعلها من المفارقة أن يطرح كاتب فلسطيني هذا الطرح ليزيد الأعباء على الفلسطينيين عبئا، لكن من قال ان عذاباتنا و عذابات شعبنا لا ترقى لعذابات الأنبياء أنفسهم؟!

II

... لما سبق أعلاه ، تتحمل الثقافة الفلسطينية ثلاثة أعباء مركبة و مترابطة ، الأول منها يتمثل بواقعها في العروبة والإسلام والتاريخ لكونها جزء لا يتجزء تماماً من الثقافة العربية الإسلامية التي يفترض أن تتمايز عنها لتمايز الضرورة الواقعية في اتجاه التقدم والتطوير، بمعنى أن تنتصر لقيم العدالة والحرية والتقدم لتجترح الإنساني والعقلاني والتقدمي فيها. وثاني هذه الأعباء هو ثقافة الآخر الكولونيالية الداعية للإنغلاق والجيتو وسياسات الفصل العنصري والتمييز والإقصاء الممثلة بوضوح في خطط الجنرالات في الآلة العسكرية الاسرائيلية وايدولوجيا الحرب التي ينتهجونها . أما العبء الثالث فهو المشترك مابين خلاص الذات وتحررها وبين التطلع لآفاقها في العالم متعدد الثقافات المهددة بأخطار العولمة ذات القطب الواحد وثقافة الهيمنة الأمريكية وإلغاء الخصوصيات الحضارية وتعدديتها. وما لم يدرك المثقف الفلسطيني هذه الضرورات الثلاث لتمايز ثقافته بكل أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية فإنه سيفشل في مواجهة تحديات التحرر والبناء. التحرر من مكبلات الذات في ثقافته العربية والتحرر من هيمنة و بطش الإحتلال و ثقافته الكولونيالية " المريضة" كما التحرر من طوفان العولمة الطاغي و المهمش لكل خصوصية على طريق بنية جديدة للإنسان الفلسطيني و حريته و مجتمعه و وطنه.فقد فرضت ظروف الشتات والحروب الخاسرة و المستمرة على الشعب الفلسطيني أن يعيش في مختلف أرجاء العالم و يتعايش مع مجتمعات و ثقافات متباينة و لذلك لم يعد ممكنا أن يكون خيار هذا الشعب الانغلاق على نفسه في دولة يتم رسم خرائطها من قبل جنرال عسكري أو أمني، حتى و إن اتفقت القيادات السياسية الفلسطينية و الإسرائيلية يوما ما على شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، أو الكونفدرالية أو الحكم الذاتي، لأن شعبا عاش وسط الشعوب الأخرى و الثقافات الأخرى أكثر من نصف قرن يصعب زجه في جيتوات معزولة عن بعضها البعض، فالإنسان في العصر الحديث يعيش بثقافة أوسع من حدود دولته و أكبر من الجيتو أو الكانتون المكبل به جغرافيا و أمنيا . بكل بساطة أصبح الشعب الفلسطيني بعد 54 عاما من النكبات و المجازر و التفرقة و الاضطهاد أكبر من دولته المنشودة، و أكبر من ثقافته القومية و الدينية في أطرها المعروفة، و كما توقع له المؤرخ توينبي ظل شعبا حيا يستجيب للتحديات و يبتكر التضحيات، لكنه مع ذلك لم يجد عددا كافيا من الأدباء و الفنانين الذين يحولون كافة ملاحمه البطولية في النضال أم في الحياة إلى ما يستحقه من أعمال أدبية و فنية خالدة. أبدعنا كافة أشكال نضالنا و فنون بقائنا و لم نبدع "إبداعنا" الخاص و ثقافتنا المغايرة. و ما يحول دون ذلك ليس " العدو الصهيوني" و "التآمر الكولونيالي" و حسب ، بل أيضا ثقافتنا العربية و واقعنا العربي الرسمي و الشعبي . ليس في الأمر مبالغة أو سقوط في مقولة " شعب الله المختار" ، لكنه إمعان في تأمل الشعب المختار كي يكون الضحية طوال 54 عاما منحت فيها شعوب أقل منه شأنا في التعداد و التاريخ استقلالا و دولا و مؤسسات و على حساب الفلسطينين توالدت أنظمة عربية و تفاقمت و فقست تحت شعار تحرير فلسطين. و إذا كان المهاجرون العرب من دول شمال افريقيا لبلد مثل فرنسا أصبحوا فرنسيين كاملي حقوق المواطنة و العيش و الثقافة فإن الفلسطيني في الدول العربية ازداد فلسطينية و ازدادت مخيماته و تكاثرت و تناسلت و مايزال في حسابات بعض الدول مستضافا 54 عاما، أي بمعنى آخر غير مرغوب فيه رغم كل عطاءاته، و لا نقول إنسانيته منذ نصف قرن!هل في ذلك فشل فلسطيني أم أن معظم الدول العربية ليس باستطاعتها استيعاب ثلاثة فلسطينيين مثلا؟ الجواب، نعم، لأن الفلسطيني بالضرورة أن يكون ديمقراطياً، و لذلك سيكون مثل الفيروس في الأنظمة الديكتاتورية، والفلسطيني الذي يحمل حزاما ناسفا من الصعب أن يكون و قودا لمنسف أو بقرة حلوبا لغيره فيصمت عن الظلم. ألم يكن ناجي العلي أكبر بما يمثله فنيا و نضاليا و إبداعيا من أن تحتمله عدة دول عربية عندما اختار لندن كضمانة لحريته، حيث تم اغتياله أيضا؟ بمثل هذه الثقافة أصبح الفلسطيني أكبر من أن ترصده دائرة الإحصاء أو موظفي الاستخبارات و الأمن أو دوائر الأحوال المدنية، لذلك مطلوب تدجينه ، رشوته،استمالته، سرقته، وحتى سرقة دوره كما يحدث في بعض الأقطار التي يتقمص بها مناضلون عربا دور الفلسطيني و وظيفته. و هذا ما لم يستوعبه المثقف الإسرائيلي و ما فشل الأكاديميون الإسرائيليون في الاستجابة إليه في وقت مبكر عندما أشار إليه توينبي في مراسلاته مع أساتذة جامعات عبرية. لكن بعض هؤلاء الأكاديميين يعترف اليوم بأن المجتمع الإسرائيلي لم ينضج بعد كي يدرك هذه الحقائق، و ما زال مسكونا بمخاوف من صنعه و صنع ثقافته و هذا ما يجب أن تتنبه إليه الثقافة الفلسطينية المغايرة. أي أن لا تندغم في ثقافة عربية ديماغوجية اندغاما يفقدها استقلالها الذاتي و قدرتها على تحمل عبء ثقافة الآخر المريضة أو غير " الناضجة" كي تدرك نفسها و تدرك تلك الثقافة "المريضة" أن الحياة ممكنة مع الفلسطينيين أكثر مما هي ممكنة مع غيرهم. و أن المنطقة برمتها من المستحيل النهوض بها و بنائها و تحقيق السلام في ربوعها دون تحقيق الحد الأدنى من العدالة والحرية للفلسطينيين فيها. و هذا بحد ذاته مبرر و جيه لثقافة فلسطينية مغايرة و هوية فلسطينية أكيدة و طموحة في تجاوز المعوقات العربية منها و الإسرائيلية على طريق الثبات النسبي في وجه العولمة القبيح. ففي عام 1982 كتب بهذا المنحى كاتب فرنسي هو جان جينيه " أربع ساعات في شاتيلا" ما لم يكتبه كاتب عربي أو فلسطيني آنذاك بعد مجزرة صبرا وشاتيلا ذات الأبعاد العربية الإسرائيلية المشتركة. وفي أعقاب النكبة الأولى عام 1948 كتب يزهار سميلانسكي " خربة خزعة" التي لم تكتب عربياً عن النكبة وعام 1974 صدرت الطبعة الثانية من رواية " المجتثون" للكاتب الفلسطيني فواز تركي بعد نيله الجنسية الأسترالية عن دار نشر غير عربية أو إسرائيلية في كل من لندن و نيويورك وما تزال محاصرة عربياً وفلسطينياً ومن نافل القول أن نقول إسرائيليا ونحن نتحدث عن خطاب ثقافي فلسطيني مغاير.

III

أما حيثيات المنع و التجاهل الفلسطيني لرواية " المجتثون... يوميات منفى فلسطيني" فقد تمثلت بالنقد الصريح الذي وجهه فواز تركي لمنظمة التحرير الفلسطينية و لكافة الفصائل سواء من منطلقات تجربته الحزبية المبكرة في إطار الحزب القومي السوري الإجتماعي أو من منطلقات تروتسكية في وقت كانت الستالينية مستحكمة بفصائل اليسار العربي عموما و ليس الفلسطيني و حسب.و اذا تمت إعادة الإعتبار لمفكر مثل جورج لوكاتش أو لشاعر مثل لويس آراغون أو لمفكرعظيم مثل تروتسكي فإن إعادة الإعتبار لفواز تركي ماتزال بعيدة للأسف لأن الثقافة الفلسطينية المغايرةلا تشكل حتى الآن تيارا أو جماعة فاعلة و هي خلافية في إطارها العربي أيضا . و في إسرائيل "... الديمقراطية !" تم منع التداول المسرحي لـ"خربة خزعة" و غيرها من الأعمال التي نزعت منذ البداية لتشكيل ثقافة إسرائيلية واقعية منيعة بتوجهها البكر على المرض و الإرتداد. و تم تقديم بعض الكتاب الإسرائيليين للمحاكمة لمخالفتهم السير مع التيار السائد في إسرائيل و خلق معوقات وكيل الإتهامات لبعضهم الآخر مثل إسرائيل شاحاك الذي نفض الغبار عن الميثولوجيا الدينية وكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل دون مساحيق و دون رتوش و بخاصة أطماعها التوسعية و ايدولوجيتها العسكرية الخالصة في" أسرار مكشوفة" و غيرها من مؤلفاته الهامة. لكن المفارقة كانت صارخة مع كاتب مثل عاموس عوز الذي تراجع عن إبداعاته و رؤاه الروائية في كل من "ميخائيل الذي يخصني" و "الحروب الصليبية" فبعد أن طرح في الأولى إمكانيات التعايش في القدس الغربية في أيار 1967 لم يصمد على خط مواز سياسيا لهذه الطروحات في ظل حكومة شارون ، و لا صمد في الثانية في حرب بوش الإبن ضد دول " محور الشر" و انسحب ربما لرواياته اليمينية المتطرفة التي بدأ بها حياته الأدبية غير قادر على إستنهاض ضمير إستيقظ فجأة ثم ما لبث أن نام على مكتسبات و مجد صنعته له ثقافة الماضي، ثقافة الجيتو، متصورا أن نيل الفلسطينيين لإستقلالهم الشكلي سيقوض دولة إسرائيل، و هو محق في هذا إذا إعتبرنا أن إسرائيل مجرد جيتو في الشرق الأوسط و لكنه واسع الطموحات و متسع لكافة التحولات التي تجعل من حزب العمل حزبا ملحقا بحزب الليكود في أشد مراحله خواء و إنعدام رؤية، حتى العسكرية منها. ذلك أن إجتياح بيروت عام 1982 مهد الطريق لتواجد منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها و في أوساط شعبها مثلما هو إجتياح عام 2002 بنفس العقلية تدمير لمعسكر أوسلو و إستنهاض لإرادة شعب مصمم عى دحر الإحتلال بكل الأشكال المتاحة أو المبتكرة. رغم أن ثمة فرق بين إبداع اليائس و إبداع المتفائل. مثلما يمكنك أن تتلمس الفرق بين سامي ميخائيل و إسحق باشفيك سنجر، أو بين غسان كنفاني و أميل حبيبي ، بين رشاد ابو شاور و فواز تركي، وبين رفعت السعيد و يوسف إدريس، بل بين هنري ميلر و جون شتاينبيك مؤلف " عناقيد الغضب" الأمريكية مثلما هو الفرق بين موشية شارت و مؤلف " عناقيد الغضب " اللبنانية شيمعون بيريز، مثل هذه التلاوين لا يجب أن تخفى الفروقات بينها في درجات اللون و العمق و حدة الرؤيا و ضيقها من إتساعها على الثقافة الفلسطينية المغايرة . تماما مثلما لا تخفى على الناقد المتابع الفروقات بين نتاج محمود درويش في " مديح الظل العالي" و "حاصر حصارك" . ذلك أن المثقف كائن حي قبل كل شيء عرضة للتطور أو النكوص ، عرضة للشفاء و الإنتكاس و هكذا أدبه و أفكاره إن لم يكن ضمن تيار أو مسيرة تدفعه إلى أمام اذا وهن عن الثبات أو الإستمرار . و لأن الثقافة الفلسطينية المغايرة تم التأسيس لها في أكثر من مستوى إلا أنه تم تدمير لبناتها الأولى كي لا تتطور و تتحول إلى خلاص من الجيتو و الإنغلاق الذي يتمرتس فيه أشباه مثقفين في الخندقين، خندق العراء والصحراء المكشوفة و خندق الإمكانيات الهائلة عسكريا و إعلاميا في حرب تناحرية بين يمينين إحلاليين لا يمكن وجود الآخر إلا بمحو و إزالة " الآخر"، و هذا هو منزلق إبادة ليس للفلسطينيين وحدهم بما يمثلون من تطلعات بل للعرب أجمعين، الذين لم يتواجدوا بأي شكل واقعي أو إنساني في جل ماكتبه كاتب مثل ليون أوريس، فكيف سيكون شكل وجودهم في ذهن جنرالات الحرب؟أظن أن فيلم" حناK" قد لامس المرمى هنا، فعند اول بادرة سلام حقيقيةسوف تجد جيشا مدججاٌ لتدميرها. سواء كان هذا الجيش إسرائيليا أم جيشا عربيا لم يستفد أو قد لا يستفيد من إلتقاء فلسطينيين على طاولة واحدة أحدهم من حيفا و الثاني من غزة و الثالث من رام الله و آخر من القدس و الخامس من الأردن و السادس من أمريكا و سابع من أستراليا و ثامن من جزيرة العرب، لأن مثل هذا اللقاء بكل بساطة يشكل تهديدا لما تأسس عليه ذلك الجيش العربي! كما يثبت أن وشائج أرادت ثقافة الجيتو أن تمحوها على مدار 54 عاما ما تزال نابضة بالحياة و لم تمت بعد. إذ قد لا يظل الأمريكي أمريكيا إن هو إلتقى بفروعه و أصوله كما قد لا يظل عاموس كينان مطمئناً في طريقه إلى عين جالود تماما مثلما لم يعد نجل زئيفي مطمئنا في مصانع إربد التي غادرها دون أن يدفع للعاملات فيها أجورهن الزهيدة لثلاثة أشهر. و كان في السابق مطمئنا أن الثقافة العربية تدار من قبل أصدقاء و بناءا على إتفاقات سلام و مشرعون يفتون بناءا على الطلب بأن العمل بخمسين دينارا أردنيا في الشهر حلال صونا للعرض و الشرف غير نابهين إلى أن بنات الجليل الصامدات في حيفا و الناصرة و ما تبقى من قرى تم الإستغناء عنهن جراء ترحيل المصانع لمنطقة اخرى و لتكن إربد لتحقيق المزيد من الربح نتيجة رخص الأيدي العاملة و رخص الإنسان في غير بقعة عربية في ظل ثقافة عربية ! ماذا بعد! أجل..ربما نسيت أن عمان عام 2002" عاصمة للثقافة العربية" ... و أنا أتحدث عن فلسطين كعاصمة ابدية للثقافة العربية . لكنها فلسطين المستقبل ، فلسطين الثقافة المغايرة لكل ما هو سائد الآن ، لأننا لسنا كما قال الكاتب المسرحي السوري سعدالله و نوس:" محكومون بالأمل " .. بل لأننا باقون على الرؤيا، و محكومون بالعسكر.

IV

كان من المفترض أن تلتقط الثقافة الفلسطينية مسائل عديدة قبل أن يتم فرضها فرضا على الشعب الفلسطيني المناضل من إسرائيل و من الولايات المتحدة الأمريكية . ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، شنت أمريكا هجمة ثقافية مسعورة و تضليلية على ما أسمته " دولاٌ شريرة" و نشرت الصحافة الأمريكية قائمة بالأهداف التي صنفتها على أنها إرهابية في حملتها لمكافحة "الإرهاب" لتشمل جل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية الأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية و غير الأعضاء . و قد أرادت من ذلك أن تخفي جرائمها كما أوضح نعوم تشومسكي مرارا و تكرارا و تغطي على السياسة الخارجية الأمريكية التي أشار بريجنسكي نفسه لفشلها و على التناقضات الداخلية داخل المجتمع الأمريكي نفسه التي كتب حولها ريتشارد آرميتاج. و في هذا السياق إنطلق شارون من عقاله بدعم أمريكي منقطع النظير لاستكمال تنفيذ أفكاره في السبعينيات و تحطيم اتفاقات أوسلو و تنفيذ سياسة الترانسفير إن لم يكن بحرب الإبادة للمشروع الفلسطيني فبالسياسة طويلة النفس في العزل و الاستيلاء و التجويع، ليطلب في نهاية المطاف من السلطة الفلسطينية إجراء إصلاحات في بنيتها و كأن عدم وجود إصلاحات هو السبب الحقيقي وراء حرب الاغتيالات و الإبادة و تدمير الحلم الفلسطيني البسيط و الساذج بدولة كانتونات رفضها حزب الليكود جملة و تفصيلاٌ قبل أن يرى أية إصلاحات.والعجيب أن مسؤولي السلطة في كافة تصريحاتهم لم يأتوا على ذكر إسم د.حيدر عبد الشافي أو الإشارة إلى مطالبته المبكرة بتنفيذ برنامج الإصلاح والبناء الذي ليس من مهمة عبدالشافي وحده المناداة به بقدر ماهو مهمة المثقفين الفلسطينيين كلهم و مهمة الثقافة الفلسطينية المغايرة، و ليس المتطابقة و المتماثلة مع المحيط الديماغوجي العربي الذي لا يقدم في خطابه لفلسطين أكثر من العواطف الجياشة و فرض الوصاية و توجيه النصح و الإرشاد. إذ لم يكن مع المثقفين الفلسطينيين في محنتهم سوى أقلام متفرقة وقفت ببسالة و موضوعية في وجه الهمجية العسكرية الإسرائيلية مثل عميرة هاس في جريدة هاآرتس الإسرائيلية و أوروي أفنيري الكاتب اليساري الإسرائيلي المعروف و في أمريكا ظل نعوم تشومسكي على مواقفه يفضح المخططات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على العالم و شعوبه الفقيرة. لدرجة تساءل فيها في لقاء معه: إذا كانت أمريكا قد قصفت أفغانستان لأنها تؤوي أسامة بن لادن فلماذا لا تقصف إسرائيل لأن شارون بها؟ فقد أوضح نعوم تشومسكي الإرهاب الذي تمارسه أمريكا و تعززه في كل مكان خلال عقود طويلة و أوضح أن خرائط ما لم تقدم لياسر عرفات في كامب ديفيد صيف عام 2000عندما إستدرجه الأمريكيون و الإسرائيليون للتوقيع على مبادرة كلينتون- باراك، التي دفعت أمريكا ملايين الدولارات لدولتين عربيتين تربطهما إتفاقات مع إسرائيل كي تمارسان الضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بكامب ديفيد و إنقاذ باراك. و إذا كانت أمريكا تريد محاكمة مجموعات بن لادن و تنظيم القاعدة تحديدا فإن بعض الأنظمة العربية سنت قوانين مؤقتة لإعتقال و محاكمة كل من يبدي تعاطفا مع المعارضين لأمريكا بحجة مكافحتها هي الأخرى للإرهاب . و إذا ما تعلق الأمر بمدينة نيويورك فكل خطابات بن لادن تعد لا شيء في الفكر و الوجدان أمام مقاطع من رواية الكاتب الأمريكي هنري ميلر المسماة " الكابوس المكيف" و التي كتبها في النصف الأول من الأربعينات في القرن الماضي قبل أن يولد بن لادن و التي أعتقد أنها تحتوي من ديناميت الفكر و العاطفة ما يكفي لتدمير نيويورك مرتين فهل لدى مثقفي ذلك النظام العربي الإستعداد و القدرة على محاكمة هنري ميلر مثلما حوكم مواطن أمريكي فيها لأنه من أصل فلسطيني ؟ وقد مارس الإعلام العربي و الثقافة العربية التعتيم الكافي على أمثال هؤلاء لدرجة أنني حاربت لمدة أسبوع من السين و الجيم في جريدة " العرب اليوم" الأردنية كي أنشر خمس ترجمتي لمقالة (محاضرة) نعوم تشومسكي الطويلة بعض الشيء عن تحليله للأزمة الراهنة في الشرق الأوسط . و من قبلها حاربت كي أنشر في ذات الجريدة مقالة تشومسكي " إنتفاضة الأقصى". رغم أن تلك الجريدة و غيرها من الصحف العربية تصرف آلاف الدنانير على محرريها و مترجميها. فهل تمايزت الصحافة الفلسطينية كثيرا عن الصحافة الرسمية العربية في معالجتها لقضاياها و معرفة حلفائها الحقيقيين ؟ أم أنها كانت نسخة أخرى من ثقافة عربية رسمية و شبه رسمية تكتب برسم الدفع بالدولار و الباوند؟ و لماذا لم يرد المثقف الفلسطيني ردا معمقا على مفهوم بوش والإدارة الأمريكية لدول " محور الشر"؟ أو يحدد بجرأة أن نفس المفهوم بتقسيم الدول لدول شريرة و أخرى غيرشريرة كان مرفوضا أمريكيا و أوروبيا عندما طرحته الثورة الإيرانية بمضامين دينية. و هو نفس المفهوم الذي تستعيره اليوم إدارة بوش والثقافة الأمريكية السائدة و لكن بمضامين كولونيالية هدفها السيطرة والهيمنة وإن بالعنف المحلل لها المحرم على شعوب العالم و قواها التحررية. فاغتيال أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم تر فيه أمريكا ممارسة للإرهاب بأبشع صوره لكنها أقامت الدنيا و لم تقعدها عند إغتيال زئيفي، الذي يفترض أن تحاربه الأردن كأحد أبرز المتشددين في تنفيذ سياسة الترانسفير التي ترى أنها تضر بمستقبل الأردن، لكنها ويا للعجب كانت تسمح لنجله بإدارة مصانعه في عروس الشمال"إربد" ! و حبذا لو راعت الحكومة الأردنية المصالح الوطنية العليا في ذلك و لا نريد منها التورط في إغتيال زئيفي أو نجل زئيفي أو إغلاق المصنع تضامنا مع الشعب الفلسطيني. فغالبية المثقفين و الكتاب الأردنيين هم من أصل فلسطيني و مطلوب منهم التضامن مع أنفسهم أولا و مع هويتهم الثقافية حتى بصورتها غير المغايرة للسائد الفلسطيني . لكن هؤلاء أو أولئك يكتبون و يسطرون و يعقدون الندوات و يصدرون البيانات، و هذا هو حال الثقافة العربية، إنتاج قصائد ركيكة، الصمت أبلغ منها، والفعل اليومي للإنسان العربي المقموع أكثر نبلا منها و أكثر حيطة وحذراً.

V

خلال الغزو الإسرائيلي لبيروت صيف عام 1982 إستولت إسرائيل على محتويات مركز الأبحاث الفلسطيني و لم تتعلم منظمة التحرير و قياداتها السياسية ببزاتها العسكرية من ذلك الدرس الشيء الكثير عند تسلمها إدارة و شؤوون السلطة الوطنية. فالثقافة و التاريخ و الذاكرة الفلسطينية باتت مطلوبة و ليس النخب الثقافية و حسب أو الفدائي و حسب، المخيم و حسب، الشعب و حسب، بل كل ما يعزز الهوية الوطنية على درب الإستقلال و الدولة. وقد جاء غزو إسرائيل الأخير ليؤكد مجددا على تدمير منجزات السلطة الوطنية في مجالات التعليم و الصحة و استخدام الحاسوب حيث جرى تدمير شامل لتكنولوجيا المعلومات. إذ يبدو أن إسرائيل مصرة على إبقاء الفلسطيني أسير صورتها هي عنه و تريد للعربي كذلك أن يبقى أسير صورتها المشوهة له ليرضي الخيال المريض للجنرال العسكري الذي لا يقرأ و بالضرورة لا يمكن أن يكون مثقفا إلا بثقافة عسكرية قتالية أو أمنية إستخبارية لا تستخلص الدروس و العبر . فقد دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى أوسلو بغطاء أردني ظل من الصعب عليها أن تتخلص من سلبياته. و إنعكس ذلك على الإعلام الفلسطيني و طواقم تم تدريبها في عمان. و من الضروري هنا التأكيدعلى الظرف التاريخي الذي أبرمت به صفقة أوسلو . ففي 13 أيلول 1993 لم يكن الاتحاد السوفياتي موجودا. و بإختفائه تهلهلت البنية الحزبية لكثير من الأحزاب الشيوعية التي كانت شبه غائبة أو مغيبة عن واقعها المحلي لمصلحة أمنياتها الأممية. لذلك ركضت قيادة المنظمة في تونس مستبقة قيادات الداخل في الضفة و غزة لإبرام إتفاقات و حلول. ومن الطبيعي أن تكون تلك القيادة خالية الذهن عن ما يسمى المضامين الاجتماعية للسلام و القوى و الطاقات المنوط بها عملية بناء الدولة و مؤسساتها إن كانت تنظر بجدية لمشروع الدولة و الوصول إلى المرحلة النهائية من الحل الدائم . أيا كانت الحسابات، فقد تركت قيادة السلطة الوطنية جل طاقات و نضالات و عذابات شعبها وراءها و تقدمت بذات عقلية تواجدها في لبنان للإمساك بدفة قيادة الداخل التي عندما، أي قيادات الداخل، شاهدت بعض النماذج و العينات ممن كانوا شيوعيين مثلا بعد أن غيروا برنامجهم وإسم حزبهم، أبقت على كوادرها ضمن الأطر السابقة للحزب رافضة الإنصياع لحزب الشعب الذي اصبح بالنسبة لها لا لون لا طعم لا رائحة. و هكذا بقي فقراء الضفة و غزة على حالهم معتمدين على سواعدهم و حقولهم و قوة عملهم. أما طواقم ما تبقى من مرحلة بيروت فقد وجدت لها وظائف في الأجهزة الأمنية و أخرى باتت أسيرة التمويل الأجنبي الذي تفاقم واستشرى في ظل سوء عدالة التوزيع و سوء مرامي الإستئثار بالمال والسلطة و هكذا وجد المثقف الحقيقي الملتزم نفسه ضائعا غريبا في وطنه و غريبا عمن كانوا رفاقه و أصدقاؤه و أبناء عمومته في الشتات. أما الطاقات الفلسطينية و الثقافة الفلسطينية في المنافي العربية فحدث و لا حرج ، حيث هرول جلهم كالأيتام على موائد اللئام للعمل مع الأنظمة العربية على إختلاف مآربها و هرول اليسار العربي للتمويل الأجنبي في اكبر إنهيار يشهده مفسحا المجال للقوى الدينية التي إستيقظت بالأمس على احتلال القدس بعد أن كانت مشغولة بتحرير أفغانستان . أو لتلك القوى التي أعدتها أنظمة عربية لتكون بديلا لمنظمة التحرير في حال عدم انصياعها و هرولتها إلى مدريد.و هكذا تراجعت الثقافة الفلسطينية و تدهورت أحوالها لأنها لم تكن منذ البدء ضمن التفكير الاستراتيجي للقيادة الفلسطينية . الأمر الذي يؤكد ما ذهب إليه فواز تركي منذ نحو أربعة عقود بأن القيادة الفلسطينية تقود شعبها و تسير أمور قضيتها بالتكتيك بدون إستراتيجية واضحة، و جل الطاقات الفلسطينية الثقافية باتت اليوم في المنافي العربية و الأجنبية و يكفي أن نقول أن الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين لم يعقد مؤتمرا واحدا منذ شباط1987 فهل يعقل هذا؟ خمسة عشر عاما يقبض بها بعض الكتاب رواتب شهرية لقاء صمتهم عن الفساد و صمتهم عن الإصلاح و يموت بها مناضلون جوعا و كمدا و بطالة في الأردن و غيرها من البلدان العربية ! فالإصلاح كان مطلوبا و كان ضروريا في كل مرحلة من مراحل الكفاح الوطني لكنه جاء للأسف بناء على طلب أمريكي/ إسرائيلي بقصد كسب الوقت و التهدئة تمهيدا لمجازر أخرى ستقودنا القيادة الفلسطينية بعد إنتهائها لأداء ركعتين تحية المسجد في الأقصى منتصرين أو في كنيسة من الكنائس مهجرين.

VI

إكتسب الخطاب الثقافي/ السياسي الفلسطيني في أوائل السبعينيات اهميته الإستراتيجية المتميزة من طرحه لشعار الدولة الديمقراطية العلمانية كسبيل لحل مسألة الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي حلا أمثلا تجاوز المبررات و الأيديولوجيات الدينية التي طرحتها إسرائيل قبل تأسيسها عام 1948 من خلال الحركة الصهيونية و منظماتها المتعددة و من خلال المنظمة اليهودية العالمية منذ البدء. لكن، مع خفوت حركة التحرر العالمية و من ثم انهيار و تفكك الاتحاد السوفياتي تراجعت الحركة الوطنية الفلسطينية عن أهم شعار طرحته و لحسابات براجماتية محضة تراجعت عن أهم النقاط الجوهرية في إستراتيجيتها باتجاهها نحو الطروحات الدينية حيث بدأت عدة فصائل تعالج موضوعة إسرائيل و موضوعات الصراع معها من منطلقات دينية وتشير في أد بياتها إلى إسرائيل و الحركة الصهيونية بصفتهما الدينية كيهود بعد أن كانت كلمة " يهود" في أد بياتها لا تشمل كل اليهود في مختلف مناطق تواجدهم طالما اليهودية بالنسبة لهم ديانة أكثر منها قومية،(يهود نابلس و صفد ويهود ناطوري كارتا مثلاً) و طالما اليهودية بالنسبة لهم ليست حقا تاريخيا في أرض الميعاد (نعوم تشومسكي الأميركي على سبيل المثال لا الحصر) و قد أخطأت الحركة الوطنية و بالذات التقدمية الفلسطينية منها في هذا الأنزياح السياسي المحض عن الجوهري الثقافي الأكثر رسوخا لأسباب متعددة منها:

- إن الوجود الكنعاني و من ثم الفلسطيني- الفلسطنز- في أرض فلسطين أو أرض الكنعانيين سابق بآلاف السنين على نشوء الديانات الثلاث (منذ الطوفان وسيدنا نوح عليه السلام ). و هذه الحقيقة التاريخية غير القابلة للنقاش تجمع و لا تفرق و تؤاخي و لا تبذر الصراع و أممية أكثر منها إقليمية أو طائفية أو عنصرية أو عرقية بدليل تمازج و انصهار الفلسطنز المتحدرة أصولهم من جزيرة كريت مع الكنعانيين الذين أثّروا وتأثروا بحضارة النيل والرافدين. فإذا كان الكنعانيين تواجدوا في مدينة مثل أريحا منذ عشرة آلاف عام قبل الميلاد و الفلسطنز على السواحل المواجهة للبحر الأبيض المتوسط منذ 1700 ق.م. و إذا كان الكنعانيون موجودون في القدس المدينة منذ نحو 3600 سنة قبل الميلاد أي سبقوا هم واليبوسيون مملكة داوود بنحو ثلاثة آلاف سنة و لهم آلهتهم وتراثهم و طقوسهم و معتقداتهم التي قبلت بسيدنا إبراهيم عليه السلام مواطنا و إنسانا بعد أن قدم اليها من بلاد الرافدين وبابل و آشور راحلاً أو ضيفا أو زائرا (1) . فإن نشوء مملكة داوود (استمر 300 سنة) و من ثم مملكة يهوذا في الشمال خلال الألف سنة ما قبل الميلاد(لم تتجاوزا 414 سنة) ليس له اليوم ما يبرر الرجوع إليه باعتباره حقا تاريخيا غير الطرح الديني للمسألة. فقد دارت الصراعات في تلك الأرض منذ القدم بين أقوام و قبائل و حضارات و أمم ( الفراعنة والآشوريين والفرس والرومان) على أسس اقتصادية، على المراعي ووسائل الإنتاج الزراعي البدائي قبل أن تتمظهر تلك الغزوات

1- و الصراعات بقناعها الديني (الحروب الصليبية مثلاً). و تشير " التوراة" نفسها إلى نحو 500 سنة من الصراع مع الفلسطينيين ، لدرجة أن النبي موسى عليه السلام الذي قدم بما عرف فيما بعد باليهود من مصر الفرعونية إلى ارض فلسطين مات في أرض مؤاب دون أن يحقق نصرا يذكر على الممالك والمدن الفلسطينية التي كانت قائمة وراسخة آنذاك وعصية على الغزو والاجتياح(من 1500ق.م. خروجهم من مصر الفرعونية حتى 1000ق.م. عندما تمكن سيدنا داوود من اليبوسيين وغزو مدينتهم) ، بل أن ما تحقق ليوشع بن نون في أريحا ماكان ليتحقق لولا أن العبرانيين إستفادوا من قدرات خصومهم الفلسطينيين و وحدتهم و تحضرهم.

يرى بعض المؤرخين أن الفلسطينيين المعتمدين على فلاحة الأرض و الاستقرار فيها وعليها كانوا على الدوام أكثر استماتة و شراسة وأشدّ بأسا في الدفاع عن أنفسهم وعن ممتلكاتهم في وجه الغزاة من أولئك الذين كانوا لا يزالون في الطور الرعوي من الحضارة و يرجعون أسباب تمكن العبرانيين من إنشاء أول مملكة لهم في جنوب فلسطين إلى هذه الأسباب، و ما من شك أن " التوراة" بشهادتها تلك إنما تشهد ضمنا أن الكنعانيين و الفلسطينيين موجودون وجودا حضاريا على أرضهم و منهم ومن لغتهم تفرعت لهجات مثل العبرية التي لم تكن سوى لهجة في البدء من ا للهجات الثلاث للغة الكنعانيين السامية (الفينيقية والحيثية والعبرية) . و بالتالي فإن العنصرية و الإنغلاق و الإنعزال ليست بجديدة على شارون  جدار الفصل العنصري- و إنما هي موروثة منذ قدم كل الطروحات و الأيديولوجيات الدينية.

إن الحركة الصهيونية و إسرائيل بالتالي أول المستفيدين من الطرح الديني و أول المستفيدين من التراث الكنعاني الفلسطيني، فالطرح الديني هو الذي يعزز الهوية القومية الصهيونية الإسرائيلية و هو الذي يؤدي إلى المطالبة بدولة يهودية صافية النقاء خالية من بقية الملل و الأعراق و الأديان. ففي الوقت الذي تجد إسم إله الكنعانيين إيل موجودا حتى في الشق الثاني من كلمة إسرائيل و كلمة اريئيل ( الشق الأول من إسم شارون) و في مقدمة كلمة إيلات، فإن الثقافة الإسرائيلية تعزز انتمائها للتاريخ و لفترة تاريخية لم تكن من حقهم تاريخيا لوحدهم  قبل قيام مملكتي داوود في الجنوب- ويهوذا في الشمال- إذا ما احتكمنا للمفاهيم الدينية من خلال اندماجها- إسما و شعارا ولغة و أمكنة في تاريخ الكنعانيين و الفلسطينيين سواء بسواء ونتيجة بالتالي لاحتلالها كمواقع لأمكنتهم و أرضهم التاريخية و استيلائها على حضارتهم و تراثهم وآلهتهم و مخطوطاتهم و آثارهم التي تعود إلى العصر البرونزي و فترة ما قبل التاريخ أي الفترة التي لم يكن قد توصل فيها الكنعانيون لاختراع الأبجدية (مخطوطات أوغاريت شاهدة على ذلك) و استيلائها و تحت الغطاء الديني منذ الألف الأول قبل الميلاد على تراث السكان التاريخيين لتلك الأرض ما بعد التدوين الذين استفادوا عملياً من الحضارات الفرعونية والآشورية والفارسية والرومانية و مثال ذلك استيلائهم على مخطوطات البحر الميت و ما عرف بمخطوطات قمران و وصولهم إلى الآثار والنصوص البابلية

1- الآشورية التي تفيد عن ذلك التاريخ بما عليها من لغة الكنعانيين (الفينيقيين و الأموريين واليبوسيين) و الفلسطينيين الأوائل خاصة بعد احتلال العراق و التغلغل الإسرائيلي الأميركي في تراث و آثار و متاحف بلد هو سليل واحدة من اقدم الحضارات التي شهدتها المنطقة منذ القدم.

2- إن الطرح الديني من الجانب الفلسطيني يحيل القضية الفلسطينية إلى خارج إطارها الحيوي المتمثل في حق الفلسطينيين التاريخي في أرضهم و تراثهم و تاريخهم و مستقبلهم المبني على هذه الحقوق مجتمعة، فالطرح الديني الذي يجعل من المشكلة الفلسطينية مشكلة عربية إسلامية إنما يحيل المشكلة إلى صراع يهودي- إسلامي غير موجود حقيقة، أو إلى صراع غربي- شرقي مع العلم أن اليهود القدماء كانوا شرقيين و ساميين أساسا كما و يجعل القضية الفلسطينية و بالتالي سؤال الهوية يضيع بين قبائل بني يعرب و دويلاتهم و بين الشعوب الإسلامية من إندونيسيا حتى أفغانستان و الباكستان وكشمير و إيران و تركيا، و كأن المشكلة الفلسطينية إما هي مشكلة عربية أو هي مشكلة إسلامية ليست من اختصاص وبسبب اليهود أو الإسرائيليين أو الغرب و على رأسه أميركا.

3- إن الإصرار على القدس ( بيت نينورتا أصلاً) عاصمة للدولة الفلسطينية إصرار يبدو لي أحيانا غير مبرر إذا ما أخذنا بالاعتبار أقدمية أريحا على القدس (يبوس التي بناها اليبوسيون) لكنه مبرر دينيا. فهل المشكلة الفلسطينية أصبحت مختزلة إلى هذا الحد في الأقصى الشريف؟ و هل مدينة القدس (2) أيضا مختزلة لدى الجانبين في " حائط المبكى" أو هيكل سليمان و مملكة داوود أو قبة الصخرة ؟ أم بكونها المدينة التي صعد منها النبي محمد (ص) إلى السماء؟ أو إنها هي أقرب نقطة إلى السماء كما تذهب الميثولوجيا الدينية؟ أظن أن نعوم تشومسكي لم يخطئ عندما أسمى الانتفاضة الثانية بانتفاضة الأقصى و قد توقع منذ البدء أن تقودنا هذه الحركة الاستفزازية من شارون إلى حلبة صراع لا يعلم أحد أين سينتهي عندما زار الأقصى (عام 2000 بعد الميلاد) برهط ضخم من عسكره خلال فترة حكم ايهود باراك الذي مهد له لتلك الزيارة و انفجار الصراع بلبوس ديني و أبعاد دينية بعد فشل محادثات كامب ديفيد صيف عام 2000م وقد رأينا و سنرى أنه بالتالي لن يخدم سوى شارون و سياساته الاستيطانية الحد الذي أستفز و أثار حفيظة حتى اقرب جيرانه الموقعين على إتفاقات سلام معه والذين يخشون بدورهم من استحقاق الزمن و التاريخ و الطروحات الدينية التي ربما ستنالهم قريبا مع استمرار النهج الديني الذي له ما يسنده في العهد القديم و العهد الجديد في الكتاب المقدس و الذي له ما يبرره لدى الطرفين، فعندما عجز " اليهود الأوائل" عن تحقيق انتصار على الفلسطينيين و عن غزو أريحا، قدم أول ما قدم يوشع بن نون إلىشرق النهر و منه إنطلق ليدمر أريحا و يحرق الأخضر و اليابس فيها (3).

لا بد من القول في النهاية أن الخطاب الثقافي الفلسطيني المغاير و المقترح لابد أن يتجنب الخوض في الصراعات الدينية و العرقية و المذهبية و أن يستند إلى تراثه الحضاري العريق بغض النظر عما انتهت إليه المرحلة وأوضاع شعبه من ضعف و مهانة و إنحسار و تراجع ثقافي و إقتصادي و معنوي و خذلان قومي و خذلان إسلامي و تغول أميركي- إسرائيلي-عربي، فهذه الأوضاع متغيرة و طارئة في مسار التاريخ من ناحية، و لا بد أيضا من التركيز على المشترك من ناحية أخرى ، فالتاريخ بل والقرآن نفسه لا ينفي بني إسرائيل بل لقد ورد ذكرهم في القرآن عشرات المرات باعتبارهم إشكاليين في حين لم يذكر الكنعانيين أو اليبوسيين أو الفلسطينيين. وأول المشترك بعد وجودهم منذ القدم بيننا أنهم ما من شك قاوموا الرومان الغزاة و تمردوا على رسل و عسكريو الغرب الذين جاءوا لإسكات ثوراتهم. و إنهم ساميون و لغتهم أقرب إلى لغتنا من غيرها من اللغات الكثيرة في العالم. وأنهم قدرنا باعتبارهم من ديانات التوحيد الثلاث المعروفة. و هذا المشترك لم يعد في الثقافة (ثقافة التوحيد) (4) و الجغرافيا و التاريخ و حسب بل أنه رابض لنا في الحاضر الدموي و في المستقبل الذي ينتظر صنعه ليس من الأقوياء و حسب بل و بمشاركة الضعفاء أيضا. لقد قدم أرنولد توينبي منذ أواخر الخمسينيات النصيحة لإسرائيل بأن تبحث عن هذا المشترك لأجل المستقبل. في حين حذر الكاتب فواز تركي من مغبة الرجوع إلى التاريخ لأن كل دارس له يستطيع تكييف الوقائع لمصلحته أو رؤياه أو ملته أو دينه. و ما من شك إذا استطاع الخطاب الثقافي الفلسطيني المقترح تغايره أن يتقدم خطوات للأمام أنه سيجد من الإسرائيليين أنفسهم ومن الأجيال الجديدة من يسايره أو يسير معه و من يحس أن عجلة الزمن تجاوزت الغزوات و الإجتياحات و فرض وقائع الغطرسة و القوة إلى زمن أكثر عدالة و أكثر تفهما و أكثر انفتاحا و حرية وأكثر تعددية وغنى وأكثر ديمقراطية ليس للفلسطيني و حسب بقدر ما هو بات ضرورة للإسرائيلي نفسه إذا أراد أن يعيش حياة طبيعية في هذا الجزء من العالم و في هذه الحقبة من التاريخ مراعياً حقوق الإنسان والقرارات الدولية ذات الشأن. و في النهاية لا بد أن يدفع الطرفان في سبيل ذلك تنازلات مؤلمة آنيا و لكنها لن تكون مؤلمة للأجيال القادمة و ثقافتها المغايرة من الطرفين و التي لا بد أن تكون ثقافة واحدة في سيرورتها وصيرورتها أيضاً مهما كابر طرف و مهما تفرد الطرف الآخر بقوته الراهنة.

___________________

هوامش:

1-ورد في التوراة (سفر التكوين 14:18 ،19) عن استقبال سيدنا إبراهيم عليه السلام في القدس النص التالي: (وملكي الصادق ملك شاليم أخرج خبزاً وخمراً. وكان كاهناً لله العلي . وباركه وقال مبارك إبراهيم من الله العلي مالك السماوات والأرض ...)

2- أقيمت مدينة القدس اليبوسية على أنقاض بلدة بيت نينورتا حوالي 2600 قبل الميلاد ضمن مجموعة من المدن الكنعانية مثل حبرون وشكيم ومجدو وبيت إيل وعسقلان وغزة ، وقد خرج سيدنا موسى عليه السلام من مصر حوالي 1500 قبل الميلاد. وقد ورد اسم القدس في لوحات تل العمارنة على أنه (أوروسالم)-1411/1350 ق.م.- في حين ورد اسمها أيام الإمبراطور الآشوري سنحارب (أوروسليمو) 700 ق.م. وأيام الاسكندر الأكبر (هيروسليما) أو (سوليما) 330 ق.م. أما( شاليم) فهو إله السلام والأمن عند الكنعانيين وقد ورد في أسفار العهد القديم 656 مرة ليشير إلى يبوس أي القدس.

3- يحدثنا العهد القديم أن يوشع بن نون عندما غزا أريحا قتل : ( كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف .... وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها . إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب)

4- الساميون نسبة إلى سام إبن سيدنا نوح عليه السلام الموحد المؤمن بالله الذي عندما هلك قومه كان له من البنين سام وحام ويافت. وقد عرف الله الذي كان محور العقيدة السامية عند الكنعانيين باسم ( إيل EL) ووصف بعلو المكانة والمنزلة . بينما الكنعانيين نسبة إلى الأراضي المنخفضة عن محيطها من الأراضي المرتفعة المجاورة.

 

 

 

 


Manifesto A.C.

Before the anniversary of July14th. Before Jerash festival. Before intellectuals enjoy residence in five stars hotels. Tayseer Nazmi prepared the Arab Cultural Manifesto, which we publish here, just in time, in Arabic to enable the reader in this area to read it and to enable others to respond and not to enable the Arab Intellectuals to find excuses as they are used to.

Manifesto 1-2

The Arabian Culture Manifesto

By Tayseer Nazmi

المثقفون العرب: من الانقطاع التاريخي إلى الانهيار التاريخي

السبت

19/6/2004

* تيسير نظمي

حفل المشهد العام للثقافة العربية في إطار القرن الماضي وإرهاصاته التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر بعدة طموحات وتطلعات بدءاً مما عرف بالنهضة والتنوير وليس انتهاء بما عرف في أواخر القرن العشرين بالحداثة وما بعد الحداثة، وفي هذه المساحة الزمنية شهدت الثقافة العربية نمو الطموحات والتطلعات التحررية القومية منها واليسارية والتي لم تنجز في آخر تحولاتها سوى استنهاض الفكر الديني الذي أفاق متأخراً على حطام الكبوات والإجهاضات التي تعرضت لها الحركات القومية واليسارية بفعل اصطراعها على السلطة من جانب أو بفعل خضوعها لتأثيرات القطبين اللذين ظلا يتجاذبان المثقفين العرب منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية مطلع القرن الماضي وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخره، هذا هو المشهد العام الذي بدأت تفاصيله وميكانزماته تتضح بفعل المراكز الثقافية باتجاهاتها الاستشراقية الاستعمارية حيناً منذ حملة نابليون على مصر أو باتجاهاتها التنويرية منذ رحلة رفاعة الطهطاوي إلى أوروبا وغيره من الأعلام البارزة التأثير في الثقافة العربية، أو من تلامذته مثل طه حسين الذين جذبهم المركز الحضاري الغربي بحكم قوته وسيطرته الاستعمارية على الشرق من ناحية ومن ناحية أخرى بفعل تقدمه وتطوره وتطور شعوبه، وبعد ثورة أكتوبر الاشتراكية نشأ مركز آخر للاستقطاب مما ولد الصراع الفكري الداخلي في العديد من الأقطار العربية سواء التي أنجزت رفع شعارات الإستقلال أو التي كانت في طريقها إلى الاستقلال الشكلي، وبعد أن كانت التيارات الدينية والفكر الديني برمته نائمة على تراث الماضي المتكلس بفعل الانقطاع(400) سنة والتردي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي نتيجة سيطرة الإمبراطورية العثمانية القديمة على المساحات التي عرفت بالوطن العربي ذات يوم، فاستيقظت تلك القوى مستنفرة ومهاجمة إثر ظهور كتاب طه حسين( في الشعر الجاهلي) رافعة بالنيابة عن النظام السياسي العربي في مراحله المبكرة هراوة القمع الفكري وهراوات التحريم مما أوجد تياراً توفيقياً وسطياً بعد أن أخذ الصراع الفكري يتبلور ويتمحور في أعقاب ظهور الاتحاد السوفيتي، وفيما بعد الثورة الصينية ثورة ماوتسي تونغ الثقافية التي ما تزال صامدة برغم بعض التطورات والتحولات التي استجدت عليها، فقد كان النظام السياسي العربي وما يزال يجد في التيارات الوسطية والتوفيقية ملاذاً وحامياً ومسوغاً لوجوده، سواء تمثل ذلك بالاتجاهات القومية أو القومجية أو الاشتراكية أو اليسارية أو الليبرالية حيث كانت هذه التيارات هي التيتطرح أفكار الاستقلالية عن القطبين المتصارعين، وهي الأكثر توافقاً ومرونة معالنظام السياسي العربي القائم سواء كان ناصرياً أو بعثياً أو حتى ملكياً مدعوماً منالفكر الديني والرجعيات المحلية التي تتمترس خلف ثالوث التحريم( الدين- الجنس- السياسة) وعلى هذه الأرضية التوفيقية تمترس كاتب وأديب مثل توفيق الحكيم المنظرالأول للحقبة الساداتية التي ما تزال قائمة حتى اليوم مع بعض إضافات لها من هناوهناك خاصة بعد رفد اتفاقات كامب ديفيد باتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، وفي هذا السياقجاءت رواية( قنديل أم هاشم) ليحيى حقي، وفي سياق الانحياز غرباً ومهاجمة ثورةأكتوبر جاءت( عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم الذي كما أسفلنا يعد المنظر الأولللحقبة الساداتية منذ كتب رواية (عودة الروح) حتى آخر كتاباته قبل وفاته( عودةالوعي)! وسوف نرى كيف ظل هذا التيار الفكري متأقلماً مع النظم السياسية في أقصى درجاتها انحطاطاً وفساداً وديكتاتورية وصولاً إلى تفريغه من محتواه الإنساني واندلاقه في تيارات القطيعة الثانية بعد القطيعة التاريخية، القطيعة مع الجموع والشعوب وتطلعاتها ناجياً بنفسه من المنع والقمع والسجون بل ناجياً وفق تصوره بمصر التي تم إخراجها من معادلات الصراع العربي الاستعماري الغربي ولا أقول العربي  الإسرائيلي- كما يشاع لأن هذه أكذوبة، سوف نأتي إلى تفصيلاتها ونذكر بالوقائع التاريخية التي ما تزال خافية على الوعي الجمعي العربي التاريخي منه بالذات بفعل الانقطاع والراهن منه بفعل الديكتاتوريات، ولعل الزعيم العربي جمال عبد الناصر في الحقبة الناصرية ورفعه لشعارات عدم الانحياز خير دليل على تفصيلات ذلك المشهد عندما زج بالسجون الشيوعيين والإخوان المسلمين وتورط بإعدام سيد قطب قبل وقوع الهزيمة المنكرة للنظام السياسي العربي وثقافته في 5 حزيران 1967،وما منع( تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم إلا وثيقة إدانة لنظم سياسية لا تؤمن بالديمقراطية إلا حين تكون في مصلحتها ومكرسة لإطالة عمرها شأن الأقنعة الديمقراطية الحالية لنظم سياسية ديكتاتورية بحكم نشأتها وطبيعتها وبنيتها ويعزز من واقعية هذه الرؤيا مهاجمة القوى الرجعية لرواية نجيب محفوظ(أولاد حارتنا) حال نشرها وبعد صدورها، وكذلك التناغم العربي الثقافي مع مهاجمة الكاتب الإنجليزي من أصل كشميري سلمان رشدي بفعل الفتوى الإيرانية الدينية حول رواية من رواياته وصولاً إلى سياسات القمع والاحتواء المتبعة مع المثقفين العرب الأكثر راديكالية والأكثر جدية برغم تباينهم واختلاف مشاربهم وتطلعاتهم الأمر الذي حدا بدولة مؤسسها روائي متفهم للحريات الديمقراطية الليبرالية الغربية قبل كونه سياسياً ومؤسساً للدولة الإسرائيلية، أن يمنع في حقبته إخراج رواية( خربة خزعة) ليزهار سميلانسكي مسرحياً وأن يمنع أيضاً طباعة مذكرات موشي شارت إلا بعد التصريح بذلك لورثته عام 1980 وخارج إسرائيل. فالدولة الإسرائيلية حاضرة في المشهد الشرق أوسطي خلال القرن الماضي سواء كانت وكالة يهودية أو حركة صهيونية ومنظمات فرعية أو دولة بنظام ديمقراطي وتداول حزبي للسلطة، فقد غذت بوجودها الإنزياحات الفكرية في الثقافة العربية كما قدمت مبرراً لكثير من الأنظمة التي اتخذت من الصراع معها أو الادعاء به- ذريعة لقمع شعوبها وتفريغ ثقافتها من أي محتوى ديمقراطي حقيقي أو إنساني يراعي كون هذه الشعوب من نوع البشر كفصيلة حيوانية لها منظمات للدفاع عنها وعن حقوقها المحلية والعالمية فرغم ادعاء الصهيونية المبكر بأنها ستلعب دور المركز المتقدم جغرافياً على بوابات الشرق ممثلة لقيم الحضارة الغربية إلا أنها هي أيضاً غرقت بفعل وجود اليمين الديني المتطرف وقطيعته التاريخية المضاعفة عن الزمان والمكان وعن الجوار أيضاً في المكان والتراث في انعزالية الجيتو المسلح في قلب المحيط العربي والإسلامي، ولها كما للغرب تأثير بالغ على التطلعات والآمال والصراعات التي خيضت باسم الدفاع عن العروبة والإسلام تارة وباسم النهضة والتنوير والاستقلال تارة أخرى، وعند التفصيل أي عند رؤية المشهد العام بتفصيلاته الزمنية والفكرية سوف نرى أثر ذلك في تشكيل المشهد العام للثقافة العربية وصيرورة وتحولات المثقفين العرب ومصائرهم الفكرية نتيجة الاستقطاب ومن ثم الصراع الداخلي من ناحية ونتيجة وجود إسرائيل المستجد وسط واقع مركب التعقيدات داخلياً وخارجياً من ناحية أخرى.

II

للتأكيد على القطيعة التاريخية (400سنة) في الثقافة العربية الإسلامية لا بد من التأكيد على أنها أي الثقافة سواء قبل الإسلام أو بعد سيطرة الإمبراطورية العثمانية كانت وما تزال شرقية أو ذات جذور شرقية خضعت بشكل أو بآخر لتشوهات غربية وذاتية ولإجهاضات على مستوى العقل والروح طوال القرن الماضي وأقرب الأمثلة على ذلك القطيعة الداخلية في الحقبة الإسلامية بين فكر السنة الحاكم وفكر الشيعة المعارض الذي توفرت له عام 1979 ولأول مرة في التاريخ فرصة الحكم في إيران. فبعد زهاء نصف قرن من ثورة العشرينات في العراق التي لم تنجز أهدافها في محيط الانقطاع التاريخي العربي والعراق كان نموذجا،ً أنجزت تلك الثورة بفعل محافظتها على الحد الأدنى اللازم من نسقها الفكري الشرقي بعض أهم أهدافها بالحكم وإزالة النظام الملكي لشاه إيران التابع تبعية مطلقة للغرب وغير المستجيب حتى للمطالب الأمريكية الإصلاحية بفعل بنيته الاستبدادية الشرقية والتي ستعاود الظهور حتى في الثقافة والبنى السياسية لجمهورية إيران الإسلامية ممثلة بالتيار المتشدد الذي أصبح له مكاسبه على أرض الواقع التي لا يمكنه التخلي عنها بسهولة أمام التيار الأكثر استجابة للإصلاح الديمقراطي واعتماد المؤسسات المدنية ركيزة للنظام ولمستقبله خاصة في ظل الهجمة الأمريكية الإسرائيلية وسياسات الهيمنة للقطب الواحد وبدء تشكيل آخر إمبراطوريات التاريخالإمبراطورية الأمريكية وانهيار الحزام العربي الواقي وثقافته العربية أمام جرافاتالعولمة وثقافة الإستهلاك الخالية من أبسط القيم الإنسانية. إن فشل ثورة العشرينات في العراق رغم تضحياتها الجسيمة له دلاله كبرى على حجم القطيعة في الثقافة العربية الإسلامية فلم يكن عزل الصحابي سلمان الفارسي عن ولايته لإقليم (له جذوره في الثقافة الفارسية الشرقية ونموه الاقتصادي البدائي المستقل عن نظام المبادلات التجارية النفعية الذي كان قائماً ولا يزال في الجزيرة العربية) من أقاليم التوسع الإسلامي بداية ونهاية المطاف ،إذ عمد المنتصرون على الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى تقسيم مناطق نفوذها السابق إلى دويلات وأقطار من خلال ما عرف باتفاقية سايكس بيكو وتولية حلفائها من النخب حكاماً لتلك الدول. ولما كان وعد بلفور يمنح الحلفاء اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين وبالتالي حسم القطيعة التاريخية المركبة لهم منذ آلاف السنين بقرار من وزير الخارجية البريطاني آنذاك فإن الرؤية الغربية الاستعمارية بشقيها الأوروبي والصهيوني الناشئ شرعت في تنفيذ برنامجها أياً كانت رؤى وطموحات ما سمي تجاوزاً بـ( عصر) النهضة والتنوير ومهما كانت نوايا الأفغاني ومحمد عبده بريئة ومهماكانت ثورة سعد زغلول جذرية وعظيمة ومهما كانت رواية محمد حسين هيكل (زينب) 1913 رومانسية ووطنية ونبيلة فهي في النهاية جزء من السيناريو ضاق أم اتسع لم يبلغ في نهاية المطاف جل أهدافه ولن يتمكن من تحديد برنامجه المستقبلي الذي لا يقع فريسة للتجاذبات غير المتكافئة بين الشرق والغرب أو للصراعات الداخلية بين اليمين واليسار، الأول مغرق بالرجعية والثاني مستبشر باعتماده على إنجازات الغير أيضاً بالثورة الاشتراكية، ومنذاك بدأت الثقافة العربية الرسمية بالتشكل حتى قبل أن تظهر نخب سياسية حاكمة أو غير عشائرية يعوزها غطاء ثقافي حضاري لها دون بروز رغبة ومصلحة المستعمرإلى السطح لحين إعلان قرار التقسيم لإقليم فلسطين ضمن ما عرف ببلاد الشام وقيام دولة إسرائيل في ظل وجود دول عربية يفترض أنها مستقلة مثل العراق ومصر وسوريا وإمارة شرق الأردن. حتى ذلك التاريخ أي قبل دخول الثقافة العربية في إطاراتها الإقليمية الضيقة وتفصيل تاريخ وثقافة لكل قطر كانت مصر تمثل بفعل الامتداد التاريخي والحضاري ومن ثم بحكم نشأة أول حكم وطني فيها في عهد محمد علي القلعة الثقافية الناهضة لما سيعرف في ما بعد بالشرق الأوسط ولذلك كانت مصر بيسارها ويمينها تشكل مركزاً إقليمياً ثقافياً وبوصلة سوف يسترش بها ليس السياسيون العرب وحسب بل المثقفون العرب أيضاً حتى قبل تجربة الوحدة بينها وبين سوريا ومن ثم فشل تلك الوحدة لما حملته من أسباب الفشل ولذلك سوف نرى تجارب ثقافية ظهرت في مصر تتكرر بعد نحو عشرين عام في سوريا مثل (مستقبل الثقافة في مصر) وصداه في (الأدب والأيديولوجيا في سوريا) ومثل (عودة الروح) وصداها في دعوة سعيد عقل لاعتماد العامية اللبنانية لغة للأدب والشعر وللدولة. لكن أكثر الروايات بمعنى التعبيرات الثقافية الأدبية والروحية التي ستتناول أزمة العلاقة بين الغرب والشرق( الغرب باعتباره حضارة وأنموذجاً وليس إستعماراً أو إستشراقاً والشرق باعتباره ثقافة عربية إسلامية " سنية تحديداً" وليس باعتباره ثقافات شرقية متعددة فارسية هندية صينية يابانية بوذية ومسيحية وإسلامية ويهودية) سوف تظهر في مصر باعتبار بنيتها القومية الأكثر تطوراً من النظم العشائرية والطائفية غير المستقلة في محيطها ومن هذه الروايات ( زينب، عصفور من الشرق، قنديل أم هاشم، و (الرحلة) لرضوى عاشور. في حين ستظهر في لبنان رواية واحدة لسهيل إدريس معبرة عن تلك الأزمة ورواية واحدة في السودان تتناول نفس الموضوع،( موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح. وفي سوريا يبزغ النقد اليساري لتلك الأزمة ممثلة بكتاب محمد كامل الخطيب(المغامرة المعقدة) جاعلاً منها أحد عناوين الثقافة العربية القابلة للنقد والتحليل وإلى سلطة العقل وسلطة المعرفة. سوف نعرف فيما بعد أن نجيب محفوظ في مصر ربما كان الوحيد في الثقافة العربية الذي لم ينجذب بسهولة لأي من التيارات والتجارب القومية أو اليسارية أو الدينية التي كانت تخوض صراعاً دامياً في ساحات السياسة والثقافة سواءً بسواء فلم تشهدثقافة ما مثل ما شهدته الثقافة العربية من تصفيات جسدية ناهيك عن انعدام قيمالديمقراطية وقيم الحوار وسيادة سياسة اغتيال الشخصية وقمع الكتّاب المعارضينومطاردتهم ومحاربة المثقفين في أبسط حقوقهم في العيش أو العمل ضمن الحد الأدنى منالكرامة الشخصية والاعتبارات الإنسانية. فالحقبة التي شهدت ما سمي بعهد النهضة في مصر وقبل ما سمي بثورة 23 يوليو 1952 شهدت صراعاً فكرياً وثقافياً بين دعاة التجديد والحداثة والنهضة من جانب وبين التيار المحافظ، بين كتّاب النظام السياسي القائم وبين المهمشين فيه والأكثر تقدمية ووطنية وتطلعاً لمستقبل أفضل . وكانت هذه الصراعات التي تتخذ من قضية مثل استخدام العامية في لغة حوار الرواية واستخدام الفصحى في السرد في نفس الرواية( عودة الروح) غطاءً لها، أو من دعوة كاتب وأديب مصري معروف لحضور حفل افتتاح الجامعة العبرية في الثلاثينات رمزاً لها، أو من ظهور أفكار سلامة موسى في كتاب عنواناً لها، وانتقل الصراع وليس الحوار إلى مساحات غير مصر فيما بعد عندما خاضت نازك الملائكة معركة الشعر الحر في كل من العراق ولبنان في (قضايا الشعر المعاصر) رغم أن الجذور الحقيقية للمعركة كامنة في ترجمة علي أحمد باكثير لمسرحية (روميو وجولييت) إلى العربية كما هي كامنة في المجدد الحقيقي لها بدر شاكر السياب الذي في اعتقاد كاتب هذه المقالة سبق نازك الملائكة في كتابة الشعر الحر لكنه هضم حقه في تبني الريادة التنظيرية هو ومؤلف كتاب (الغربال) مضافاً لهم محاولة مبكرة( أيضاً تنظيرية) لسيد قطب في (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) ومع انتقال وازدهار مركز الإشعاع والصحافة والحريات والطباعة والنشر من القاهرة إلى بيروت بدأت الثقافة العربية تكشف عن التنوع والحوار وكذلك حدة الصراع العربي القطري المنشأ - الذي يتخذ من بيروت ساحة له على كل الصعد الثقافية والسياسية وحتى العسكرية والتنظيمية. ففي حقبة السبعينات تحديداً وجد جل المثقفين العرب المطاردين والمنبوذين والملاحقين من أنظمتهم العربية أنفسهم في الآفاق التي منحتها بيروت ولبنان لهم، وبالمثل وعلى نطاق أضيق كانت الكويت في نظر بعض المثقفين العرب تشكل ملاذاً ومتنفساً لهم من حيث حجم هامش الحريات الصحفية فيها والذي ستقوضه بنفسها في منتصف الثمانينات وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان تحديداً وخروج منظمة التحرير الفلسطينية منهكة القوى ومحطمة النفوذ حتى على أبسط مؤسساتها مثل مركز الأبحاث واتحاد الكتاب والصحفيين ومؤسسات أخرى .فإذا كان الصراع بين الشيوعيين والبعثيين في العراق قد دشنه مسدس صدام حسين( 18 سنة) عندما أطلق الرصاص على عبد الكريم قاسم بإيعاز وتمويل من الملحق العسكري في السفارة المصرية في بغداد التي كانت تشكل تحدياً لمصر الناصرية وللثقافة القومية، ومن ثم بتوفير الحماية له لحين تهريبهإلى لبنان ونقله إلى مصر تحت غطاء التعليم الجامعي وما نشر عن صلاته السريةبالسفارة الأمريكية في القاهرة، فإن لبنان سيشهد اغتيالات للعديد من الصحفيينوالسياسيين والمثقفين العرب وتحديداً من أوساط الشيوعيين أو المبدعين القريبين علىالأقل من الفكر الماركسي ومؤلف (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) الدكتور حسين مروة أبرز نموذج صارخ على تصفية الفكر بكاتم صوت ليذهب بالجسد ولاينال من الإنتاج الفكري وهو المنتج الوحيد العربي في القرن الماضي وقد لا يظل كذلكفي القرن الحالي مع ظهور أفكار نهاية التاريخ(فوكو ياما) وفكرة صراع الحضارات (هنتنغتون) وسيادتهما في أوساط المثقفين العرب ، مثقفوا الحداثة وما بعد الحداثة ،اللذين سيشكلون قطيعة أخرى مع كل إرهاصات قرن بكامله باعتباره قرن كلاسيكي وحفلبأيديولوجيات سقطت وبثورة أممية فشلت في معقلها ! و في كل ذلك سيكونوا غافلين عن أقطاب المستقبل في مدى منظور من النصف قرن الحالي ممثلاً بالصين تحديداً التي يشكل حاجز اللغة أحد عثرات دخولها الفاعل للثقافة العربية، وتشكل بذاتها نقطةإضاءة كاشفة لفشل الثقافة العربية كثقافة شرقية في معركة الأصالة والبناء والتطوروفشلها أي الثقافة العربية في امتلاك برنامج برؤية واضحة.

III

إن المتأمل لنتاجات المثقفين العرب في القرن الماضي لا بد وأن يصاب بأزمة منهجية ليس بسبب تتبعه للنمو المبتور الذي سيجده في جانب وإلى النمو المشوه الذي سيجده في جانب آخر منها وحسب بل أن في المقارنة ما يدعو للإحباط عندما تتسع ثقافته لتشمل الثقافة الغربية بتنوعاتهاالمنشأية فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بريطانيا، أسبانيا، وفيما بعد الأمريكيتينالشمالية والجنوبية وتنوعهما التاريخي وتطورهما النوعي في ثقافة ما يعرف بدولأمريكا اللاتينية. المثال الصارخ هنا يتمثل بقصيدة ت.س إليوت (الأرض الخراب) وزمن كتابتها ودلالاتها ولو أدرك المثقفون العرب دون أي استلاب ومن ثم تعالي على واقعهم وتراثهم دلالة وتأويل تلك القصيدة لما اندلقوا في مجهول الحداثة وهاوية ما بعد الحداثة بل ولما وجدوا أنفسهم دون أن يدري بعضهم داخل (حفلة كوكتيل) مسرحية ت.س إليوت دون أن تمثل صور الخراب واليباب والبؤس لشعوبهم ومخيمات أوطانهم في أذهانهم وضمائرهم وبالمثل يمكن أن يقال عن مثقفي اليسار الذين وإن قرأوا (الحرب والسلام) و(الأم) وصولاً لـ(والفولاذ سقيناه) ناهيك عن إبداعات مايكوفسكي وتشيكوف وديستويفسكي ونتاج مثقفي وفلاسفة شعوب شرق أوروبا ومفكري وشعراء وأدباء أوروبا نفسها منذ كومونة باريس والثورة الفرنسية ونضالات الأحزاب الشيوعية الأوروبية أي منذ رامبو الفرنسي حتى جان جينيه ومنذ جورج لوكاتش المجري حتى لويس أراغون الفرنسي ، كيف أمكن لهؤلاء المثقفين التنكر لتروتسكي صاحب (الثورة الدائمة ) وباني الجيش الأحمر الذي مات قتلاً وغدراً ونبذاً وطواه النسيان كما لو كانت سيرة حياته يراد لها أن تشهد زوراً على أفكار المجري كارل مانهايم في كتابه(الأيديولوجيا واليوتوبيا) فرغم أن الاشتراكية أو حتى الشيوعية ظلت مجرد يوتوبيا للمثقفين اليساريين العرب إلا أنهم استفادوا لأمجاد شخصية أحياناً من تجربة سبعين عاماً من أكبر ثورة أممية اشتراكية شهدها القرن الماضي ونجم عنها مساعدة أوطانهم أي المثقفين العرب في إنجاز شيء من التحرر والاستقلال وشيئاً من البناء الاقتصادي وكثير من المديونية لحساب الاتحاد السوفيتي الراحل على دولهم التي استأثرت أنظمتها بالمنجزين الحضاريين الغربي والشرقي دون أي شعور بالذنب أو بالخجل نتيجة تأهيل أبناء الفقراء من شعوبهم علمياً بمنح للاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الأمر الذي يشير إلى تدني أخلاقي في إقامة علاقات متكافئة مع شعوب لعبت دور الصديق والنصير والمؤازر ذات سبعين عاماً من ذات قرن وانتهت بناتها ونساؤها ومن كن في دور رفيقات دروب النضال والكفاح إلى العمل في ملاهي العواصم العربية الليلية وضمن طاحونة السياحة والاستهلاك ومن ثقافة السلم والاشتراكية إلى ثقافة إن جاز التعبير العولمة ونهاية التاريخ وصراع الحضارات، لكأن بناء السد العالي في مصر و(نجمة أغسطس) لصنع الله إبراهيم أشبه بالأحلام التي مضت في عمر وتاريخ ثقافة العرب في القرن الماضي، ولكأن الطاهر وطار و(اللاز) تحديداً وكل النتاجات الفكرية والإبداعية المشابهة في أقطار ودويلات العرب باتت أشبه بالطفرات أو شيئاً من أعمال التحف ومقتنيات المتاحف لم تدفع لها الشعوب العربية التضحيات تلو التضحيات، ألم يدفعالفلسطينيون في لبنان على سبيل المثال ثمناً باهظاً لقصيدة محمود درويش(مديح الظل العالي) تماماً مثلما دفع نفس الشعب ثمن ازدهار العاصمة الأردنية من نفس جدران الخزان الذين لم يطرقوه ولقرابة أربعين سنة تقريباً من العمل في دول الخليج النفطية قبل نيلها للاستقلال وبعده؟ كذلك الحال مع العمالة المصرية التي توزعت على مختلف الأقطار العربية في مجالات التعليم والإعلام والتثقيف بكل سلبياتها وإيجابياتها في الجزائر، وبكل إيجابياتها وصبرها في دول مثل العراق والكويت وبقية أقطار الخليج، إن المنجز الفكري للمثقف العربي في أرقى حالاته جاء في مسيرة الشعوب وحركتها التحررية ونزوعها نحو غد أفضل استأثر به مثقفون انتهازيون على حساب جماهيرهم ومن الأمثلة الدالة على المفارقة هنا بين مثقف ملتزم ومثقف آخر أن صنع الله إبراهيم وأمير اسكندر كلاهما من مصر ولكن لكل منهما موقف واضح من القمع الذي تعرض له المثقفون العراقيون بعد التفاف صدام حسين على تجربة الجبهة الوطنية في العراق وملاحقته للأكراد ومن ثم للشيوعيين العراقيين والتنكيل بهم وبغيرهم من أحفاد ثورة العشرينات في العراق وبعد أن اتسعت وازدهرت ثقافة الشعر التاريخية وكذلك الرواية والقصة والفن التشكيلي في عراق البعث وعلى حساب عراق ثورة14تموز 1958 انقلبت تلك الثقافة إلى عبادة الفرد وثقافة الصنم ومحاولة صدام حسين استرضاء التيارات الدينية والأخوان المسلمين تحديداً في معركة صبت كل نتائجها لمصلحة أمريكا وإسرائيل بأسوأ المقاييس وكان من نتائجها أيضاً سرقة التراث والعبث به وتدمير منجزات وشواهد حضارات قامت واندثرت أو جرت معها القطيعة التاريخية في بلاد الرافدين تلك البلاد التي للأسف لم يقم الحائزون على جائزة نوبل من العرب وعلى رأسهم نجيب محفوظ بزيارة للتضامن مع شعبها أو بموقف يدلل على أن للمثقف العربي موقف إنساني وإبداعي خلاق ومشاعر حضارية راقية تدعوه لإسماع صوته للعالم الذي وقف بقضه وقضيضه ضد الحرب على العراق بمن فيهم فنانون وسياسيون ومفكرون أمريكان مثل نعوم تشومسكي رغم أنه يهودي المنشأ، في حين زار عدد من كتاب العالم البارزين الأراضي الفلسطينية ومنهم من هو حائز على جائزة نوبل متخذين موقفاً إنسانياً وحضارياً ضد الاحتلال وضد الاستخدام المفرط للقوة وضد الهمجية المستخدمة لقمع تطلعات الشعوب بالتحرر والاستقلال، فأية ثقافة تلك التي لا تتضامن مع نفسها قبل أن تتضامن مع شعوبها؟ هل هي حقاً موجودة أم أنها انهارت مع حركات التحرر وتراجعها بمجرد تفكك الاتحاد السوفيتي? والذي لم تمر بضع سنوات على انهياره حتى تداعت بعض الرموز الثقافية هنا وهناك للبحث عن الممول الأجنبي نتيجة تغول مثقفي السلطة في كل قطر عربي على من كانوا مثقفي اليسار أو المحسوبين ولو خطأ عليه، والتمويل أياً كانت مصادره لا يمكن أن يمارس إلا في أراض خصبة بحاجة لوجوده معبراً عن التطلع الإنساني الدائم نحو الإصلاح والديمقراطية أوأنه قد يفلح في الموقع الذي لا تفلح فيه طائرات ت52 والأباتشي وكل تكنولوجيا مجمع الصناعات الحربي في أمريكا وبقية حلفاءها، فشركات التمويل الأجنبي أفلحت فعلاً في إيجاد قدم لها في مصر والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية في مواجهة ثقافة عربية ومثقفين عرب لا وجود ولا حياة لهم بغير النفط وكوبونات النفط ولتذهب الشعوب بتطلعاتها نحو حياة أكثر كرامة وأكثر حرية إلى الجحيم ما دام المثقف العربي بخير ويتنقل من عاصمة لأخرى من العواصم الثقافية، ومن مهرجان لآخر ومن مؤتمر لآخر وهكذا لدرجة بات فيها المرء يخجلمن وصفه مثقفاً إذا كان فعلاً هو كذلك وما يزال لديه بقية ضمير بمثل ضمير فنان الكاريكاتير العربي ناجي العلي الذي لم تحمه حتى الديمقراطيات الغربية عندما اغتيل بكاتم صوت في وسط لندن، لكن كيف تم إنجاز الانهيار التاريخي في مشهد القرن الماضي للثقافة العربية؟سؤال تتعدد الإجابات عليه وتتسع وما زال ما كتب أو جرى تسطيره في هذا المقال لا يفي بالغرض.ليس الثقافة العربية وحدها التي عانت من الانقطاع التاريخي عن حضارات الكنعانيين والفينيقيين والسومريين والآشوريين وعن صيروراتها التاريخية وتحولاتها وصولاً للحضارة العربية الإسلامية، بل أيضاً هنالك ،وياللمفارقة، الثقافة الصهيونية ذات الجذور الشرقية التي عانت من فترات إنقطاع زمنية أضعاف ما عانته الثقافة العربية مضافاً إليها الشتات والدياسبورا ذات التعقيد الذي سار على بعض مساراته، وياللمفارقة أيضاً ، الفلسطينيون في ديا سبوراهم الخاصة التي تعرف لدى فواز تركي في روايته الرائعة( المجتثون، يوميات منفى فلسطيني) بالغربة. وكلا الثقافتين العربية والصهيونية باعتبارهما ثقافات قومية فشلتا في معرفة الذات وتحديد هويتها في الزمن والصيرورة التاريخية وفي معرفة الآخر خارج فعل وتأثير الثقافة الاستعمارية. فالثقافة العربية ورثت احتلال بلدان وشعوب الآخرين على أنه فتوحات إسلامية ولم تجد الإمبراطورية العثمانية غضاضة في السيطرة على العرب باعتبارهم من شعوب الإسلام وباعتبارها إمبراطورية إسلامية حتى لو كان في تلك الأوطان طوائف وأديان مسيحية ويهودية فهم أيضاً بما يشرعه الإسلام أصحاب كتب سماوية يمكن العيش والتعايش معهم. وللتدليل على ذلك فإن هنالك مثالان قائمان في التاريخ أولهما أن الثقافة العربية الإسلامية اعتبرت الغزوات والحملات الصليبية وصولاً للقدس اعتداء على المسلمين وديارهم فقط لم يعان منها الآخرون أو يتأثروا بها كالمسيحيين أنفسهم واليهود، أما المثال الآخر فهو اتجاه مع سمي فيما بعد بالأفغان العرب للتطوع وتحرير شعب أفغانستان من الغزو السوفيتي باعتبارهم لأفغانستان أرضاً للمسلمين مهددة بالكفر والكفرة، وما هي إلا سنوات حتى انقلب السحر على الساحر ليجد أعوان أمريكا أنفسهم في معتقلات جوانتنامو وبأيدي وقبضات حلفاء الأمس. كذلك الأمر مع ممثل الفكر القومي في أشد تجلياته ديماغوجية، صدام حسين، حامي حمى ونبراس تطلعات كل الشعوب العربية إلا العراقي ! والإسلامية ، باستثناء بسيط لنحو 17 مليون من العراقيين بلغ عدد المنفيين والمطاردين منهم في أصقاع الأرض نحو خمسة ملايين فقط، أي بحجم تعداد سكان الأردن وأضعاف تعداد مواطني بعض الدول الخليجية، ومن نافل القول أن نذكر بحجم عدد سكان إسرائيل. ويحار المرء الذي يدرس الإسلام واليهودية والمسيحية في أن يجد سبباً واحداً كافياً ،غير تبدل وصيرورة المصالح ،لأن يشعل أحد المؤمنين من هذه الأديان السماوية فتيل حرب الإبادة ضد الآخر ما لم يكن هنالك أسباب خارجة عن النصوص الدينية في القرآن والتوراة والإنجيل التي تتحدث كلها عن المشترك والمتشابه والقواسم المشتركة لحياة اتباعها المؤمنين بها أكثر مما تتحدث عن عوامل الاختلاف، الأمر الذي ينفي أن يكون الصراع والحروب والمجازر وحروب الإبادة والتنكيل وكل ما هو خرق لحقوق الإنسان نابع من أي كتاب مقدس وإنما من التوظيف غير المقدس لبعض النصوص وبعض الوقائع التاريخية التي برغمها أيضاً شهدت هذه المنطقة من العالم تعايشاً بين الثلاثة أديان جميعاً لفترات لا يستهان بها. فكما أنه وجد يهود عراقيون ويمنيون ومصريون وليبيون ومغاربة وجد في صفد تحديداً يهوداً فلسطينيون وقفوا في وجه مشروع روتشيلد الفرنسي في فلسطين قبل تأسيس دولة إسرائيل. ومنذ ما قبل قرار التقسيم 181 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة أيام الحرب الباردة ظل الصراع بين الثقافتين العربية والصهيونية مفتعلاً وليس دينياً بأي شكل من الأشكال بدليل خروج عصبة التحرر التي تشكلت عام 1943 من رحم الحزب الشيوعي الفلسطيني بعد سيطرة اليهود الدينية عليه في مؤتمره العام وانحرافه المبكر عن الماركسية اللينينية باتجاه توطين الطبقة العاملة اليهودية في أرض ليست أرضها واحتلال العمل باستغلال كون غالبية الفلسطينيين من الفلاحين والمزارعين . وهو نفس الحزب الذي سمي فيما بعد بالحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) ظل يحمل في طياته ومراحل تاريخه عناصر الإشكالية وآثار القطيعة التاريخية سواء بالنسبة للثقافة العربية التي رممها إميل حبيبي في نتاجه الأدبي خير ترميم في (الوقائع)، أو بالنسبة للثقافة الصهيونية التي وجدت من يرممها هي أيضاً من قطيعتها التاريخية بدءاً بـ(خربة خزعة) وليس انتهاء بـ(الحروب الصليبية) ونتاجات أخرى لعاموس عوز داعية السلام. لكن درجة التقارب والتفاهم هذا دون المستوى الذي يتطلبه المنعطف التاريخي في العالم ومنهما سوية ودون مستوى تطلعات شعوب المنطقة بالسلم والحرية والعدالة والديمقراطية والازدهار الذي لم يطل سوى النخب في الجانبين، أي من خانوا طبقاتهم الاجتماعية ومن خانوا وعيهم ومسؤولياتهم التاريخية باعتبارهم يمتلكون سلطة المعرفة وخاصة لدى الجانب الإسرائيلي. وفي حين يعاني المثقفون العرب من الانهيار فإن المثقفون الإسرائيليون يعانون من العزلة وقلة الحيلة ومن التحولات المريعة لدى بعضهم مثل المؤرخ بيني موريس. ولم ينج من الانهيار أيضاً لديهم سوى قلة من أصول عربية وليس من قبيل الصدف أن يكون الأكثر وعياً فيهم من أصول عراقية وقريبون من أوساط الحزب الشيوعي الإسرائيلي أو أعضاء قدماء فيه.فالشيوعيون العراقيون على صلة تاريخية بموروث الفكر الإسلامي المعارض من ناحية وعلى صلة بدروس منجزات ثورة أكتوبر الاشتراكية من جهة أخرى وليس من السهل تضليلهم كما حدث لكوادر حزب العمل الإسرائيلي الذي كف منذ زمن عن كونه حزباً يمثل العمل والعمال وأصبح حزباً أشبه بحزب العمال البريطاني بقيادة بلير الحليف الاستراتيجي للحزب الجمهوري بقيادة بوش الابن وليس للحزب الديمقراطي الأمريكي! فهل انقضت الضرورة التاريخية لإعادة النظر في العلاقة بين الثقافتين العربية والصهيونية أم أن لدى الجانبين مزيد من الانهيارات التي يتسببان بها كل للآخر؟ وإذا حسم الصراع فهل لدى المنتصر أي شعور بالمسؤولية تجاه بشرية ثقافة الآخر بمثل ذلك الشعور الذي عبر عنه شاعر عربي مثل أدونيس لينال عليه الطرد من اتحاد الكتاب العرب؟ أجل اتحاد الكتاب العرب الذي لا يفعل شيئاً أكثر من طرد أعضائه أو إعاقتهم أو رشوتهم واستمالتهم أو في أحسن الأحوال طباعة كتبهم.كرس وجود إسرائيل إشكالية جوهرية للثقافة العربية الإسلامية، خاصة في سياق التحرر الوطني، لم يستطع الفكر القومي لا تجاوزها ولا حلها ولا استيعابها وفق معطياته النهضوية من ناحية ووفق انقطاعاته التاريخية عن تطوره الطبيعي من ناحية أخرى. كذلك الحال مع الفكر الذي طرحته التيارات الدينية في أشد حالاتها انفتاحاً وتنويرية. ويمكن ملاحظة الفارق بين طروحات مفكر إسلامي مثل مالك بن نبي أحد تلامذة الشيخ ابن باديس الذي وظف الدين بمحتواه التحرري وأسهمت طروحاته تلك في الثورة الجزائرية التحررية من الاستعمار الفرنسي حتى نيل الاستقلال مطلع الستينات من القرن الماضي. على صعيد آخر كرس وجود إسرائيل أيضاً نزوع الأنظمة العربية والثقافة العربية بمجملها لخلق كيانات ثقافية قطرية تشرع ثقافياً للتجزئة والاستقلال وشرعية النظام سواء الأنظمة الملكية أو المشيخية أو الجمهورية في أحسن أحوالها قومية مع استثناءات طفيفة لفترات زمنية غير مؤثرة لبعض التجارب في سياق النظام العربي والثقافة العربية المهيمنة. كما أن وجود إسرائيل منح العديد من التيارات الانعزالية النمو والانغلاق والعدوانية أحياناً داخل القطر أو الدولة الواحدة في غياب الديمقراطية بأبعادها الاجتماعية والسياسية الحقة بعيداً عن هيمنة بعض الأقليات أو العائلات المالكة أو الحزب الواحد وجميعها دون استثناء كانت تخشى من الديمقراطية الإسرائيلية وتداول السلطة بين حزبين كبيرين منذ وجدت إسرائيل هما الليكود والعمل ومن أي اتصالات تنشأ أو أي تنسيق بين الحزب الشيوعي الإسرائيلي والأحزاب الشيوعية العربية والتي فشلت جميعها في وضع رؤية مشتركة لخصوصية الثقافتين العربية والصهيونية الإسرائيلية وتقاربهما في التاريخ وفي الضرورة التاريخية المعاصرة لتعزيز المشترك وحل الإشكالات الناجمة عن هذا الوجود والمتمثلة بالمطالب الفلسطينية المشروعة خاصة بعد هزيمة 67 وسقوط ما تبقى للفلسطينيين من أراضي وحقوق ومخيمات ومساحات من الحرية أو المستقبل وبخاصة من لجأ منهم لدول عربية مجاورة ضاعفت من معاناتهم وزادت من أزماتهم وبررت كل أفعالها بحق شعوبها على حسابهم وحساب قضيتهم بما فيها الانقلابات العسكرية والأحكام العرفية والفساد وعقد الصفقات والتلاعب بمقدرات الشعوب ومستقبل أجيالها إلى غير ذلك . ففي وقت سابق على نكسة حزيران كتب يوسف السباعي روايته (طريق العودة) وهو الكاتب الذي كتب عن ثورة يوليو(رد قلبي) وكذلك عن تجربة الوحدة مع سوريا في حين ظل نجيب محفوظ أكثر كتاب مصر عقلانية وعمقاً بمنأى عن دخول تلك التجربة أو الاتكاء عليها بأي شكل من الأشكال. أما عاموس عوز الإسرائيلي فقد طرح في روايته( ميخائيل الذي يخصني) إمكانيات التعايش الفلسطيني الإسرائيلي في القدس في أيار 67 أي قبل وقوع الهزيمة المدوية التي أدت بالأنظمة لأن تقدم الفلسطينيين بصورة الفدائيين كبش فداء لاستمراريتها ولم تحتملهم بعض تلك الأنظمة لسنوات معدودة حتى تم تخلصها منهم وإن بطلب النجدة والتدخل من إسرائيل عبر وسيط بريطاني أحياناً أو عبر جيش أنطوان لحد أحياناً أخرى. وقد استسلمت القيادات الفلسطينية التاريخية والتقليدية لمثل هذا التواطؤ حتى على حساب شعبها ومخيمات لاجئية في معظم الأقطار العربية حالها كحال النظام العربي التي هي جزء إضافي منه، ومع ذلك ورغم كل التضحيات شبه المجانية ظلت معظم الأنظمة العربية تخشى التجربتين الإسرائيلية وكذلك الفلسطينية أن نتقل عدواهما إلى شعوبها القابلة بسهولة منقطعة النظير للتجهيل المبرمج في بعض الأقطار عن طريق كرة القدم وفي البعض الآخر عن طريق عظمة الحزب الواحد أو العائلة الواحدة وأعطياتها ومكارمها أو عن طريق الديكتاتور وجبروته العسكري وفي أقطار أخرى تكاد الفوارق هنا أن تكون معدومة ما دام الهدف واحد وهو: كل تطبيع ممكن مع إسرائيل من تحت الطاولة إلا التطبيع الثقافي والسياسي الذي يجعل للفرد كلمة في صناديق الاقتراع وللشعب رأياً في حكامه وتاريخه ومستقبله ومن ضمن حقوقه أيضاً تشكيل الأحزاب وحرية التعبير وحق الانتخاب و الترشيح وتداول السلطة. باختصار، كانت الثقافة العربية في مجملها تخشى الحوار وفي أكثرها وطنية وتقدمية لا تريد تكريس ثقافة الحوار خاصة إذا ما خرجت عن حدودها الموضوعة سلفاً من قبل الأنظمة لتناقش مشروعية وجود حكامها ومن والاهم ونظر لهم من المثقفين المدججين بالصغائر في وقت باتت فيه بعض الأنظمة ليس أكثر من ضباط اتصال مع حلف الأطلسي أو مجرد وكلاء شركات على شكل حكام فإن المثقفين العرب -ونتحدث عن الأغلبية هنا- ارتضوا أيضاً أن يكونوا مندوبي إعلان بطريقة أو بأخرى لهذا النظام أو ذاك وخاصة في عصر العولمة الذي توج بشن الحرب على العراق وهي في الحقيقة على شعب العراق وقواه الحية أكثر منها على النظام الذي كان ممكناً التخلص منه في حرب (عاصفة الصحراء) عام1991 لكن تأجيل ذلك 12 سنة جعل العراق خزاناً نفطياً أمريكياً لحين الاستحقاق وبرعاية صدام حسين لإهانة وإذلال المثقفين حتى الذين منهم تواطئوا على مقدرات ونفط الشعب العراقي وقوته بدعوى فك الحصار عن العراق والذي يحتوي على انهيار أخلاقي للمثقف الذي يقف على جانب النظام دون اعتبار لكرامة الشعب أولاً ودون احترام إرادته وبخاصة من غير العراقيين الذين لم ينالهم أي أذى في عواصم العروبة مما أصاب الشعبين العراقي والفلسطيني كل على أرضه وفي نفس الوقت لا يملك أن يقول رأيه في مستقبل أو حاضر وطنه، لكأنما تعزز في هذا السياق الانقطاع التاريخي بانقطاع عن الراهن كذلك عن العصر على طريق تحطيم أي بادرة أمل في المستقبل. وليس الحال في إسرائيل أحسن حالاً منه لدى الجيران فالسوء والانهيار مسائل نسبية أيضاً لأن إسرائيل قامت على وعود حياة أفضل لليهود وليس الأسوأ وفي النهاية إلى متى ستطول المساعدات الأمريكية في ظل بوادر الانهيار لإمبراطورية تنشا في زمن ودع كل الإمبراطوريات وفي زمن تبدو فيه دول وشعوب شرق آسيا وخاصة الصين واليابان مقبلتان دون تردد أو تسرع على اجتراح القوى العظمى التي يحبل بها المستقبل خلال الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين؟ قد تبدو إيران والهند على مفترق الطرق وكذلك بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ، لكن بوادر الاستقلالية وعدم التبعية الكاملة للمشيئة الأمريكية أصبحت منذ اليوم واضحة للعيان في الوقت الذي لا يستطيع فيه المثقفون العرب قول كل جملتهم كاملة أو موقفهم دون أن يتراجعوا عنه في اليوم التالي.فإذا كنا خلال أكثر من عقد فهمنا مراجعات بيني موريس خطأ فإنه أوضح لنا منذ عامين وخلال الانتفاضة الفلسطينية هذا الخطأ وأزال اللبس تارة في (الجارديان) البريطانية وتارة في (ها آرتس) الإسرائيلية، وهو ما لم يفعله آفي شلايم على أية حال وما لم تفعله الصحفية عميرة هاس. ويبدو أن زمن التحولات كنتيجة منطقية لكل تراكم كمي لم يعد يفضي إلى التحول النوعي بقدر ما عاد يشير إلى السقوط والتردي والانهيار.ومن ما يزال صامداً في الثقافتين فليتكلم ، ومن لا يزال لديه ضمير المثقف المسؤول وإنسانيته فليتصرف. فليس بعد هذا الانهيار والقطيعة عن التاريخ وعن الواقع أي انهيار ثقافي أو أخلاقي.كان كتاب الدكتور حسين مروة (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) أبرز محاولة ترميم للانقطاع التاريخي حيث كرس نحو أكثر من عشر سنوات من حياته العلمية لتأليفه ليموت اغتيالاً بكاتم صوت في الثمانين من عمره.ولم يكن أول ولا آخر من طالتهم التصفية الجسدية من المثقفين العرب فقد تحولت التصفيات مع مطلع التسعينات وبروز الحقبة الأمريكية والهيمنة من القطب الواحد إلى تصفيات معنوية وسياسية وإلى ما يشبه الحروب النفسية والاقتصادية على كل من يرفع رأسه خارج سقف القطعان أو يحلق خارج السرب. وتحضرني هنا، وخاصة في المهرجانات الثقافية والاحتفالات الرسمية، قصيدة لشاعر إيراني مفادها أن طيوراً رحلت باحثة عن طير محدد وطالت رحلة تلك الطيور ونفق معظم من في السرب الباحث ليكتشف آخر طير تبقى أن الطير المبحوث عنه هو نفسه ولم تنتبه اسراب الطيور لنفسها لذاتها أو لإسمها بين أنواع الطور، فهل أدرك المثقف العربي بعد رحلة قرن بكامله، أي بعد مائة عام ونيف من عصفور النهضة والتنوير والتحرير والتثوير والتغريب والاستلاب لثقافات الغير، من يكون هو؟ هل أدرك أدونيس أنه ليس سان جون بيرس ولم يعد علي أحمد سعيد أيضاً؟ وهل أدرك محمود درويش أنه يقوم بفعل إنساني عظيم لو تزوج من تلك الغريبة بدل أن يكتب قصائده فيها أو في سريرها في ديوانه الذي حمل اسم (سرير الغريبة) ؟وهل التقى نزار قباني بشقيقته وصال التي رحلت قبل رحيله منتحرة لأنها لم تتزوج بمن تحب وأدرك أنها معلمته الأولى التي لم يكتب لها قصيدة واحدة؟ وهل ما يزال أهالي مخيم عسكر يشوهون منظر مدينة نابلس من وجهة نظر الراحلة فدوى طوقان التي لم تدونها الصحافة ولا نطق جهاراً بها النقد والدارسون؟ وهل من حضر من مثقفي مصر في الثلاثينات حفل إنشاء الجامعة العبرية قدم النصح الأخلاقي والثقافي المسؤول لأساتذة تلك الجامعة بمثل ما تقدم به المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي في أواخر الخمسينات؟ وهل ما يزال الدارسون للأنثروبولوجيا يتدارسون إمكانية عقد مؤتمر مشترك عربي- إسرائيلي أو شرق أوسطي أو حتى عالمي لتدارس ما جاء في مخطوطات البحر الميت؟ وهل ما تزال بعض الأنظمة العربية تخشى على وجودها من بعض الوثائق السرية التي تفيد بكيفية إنشائها والغرض المعلن والمتفق عليه من التأسيس؟ هل لا يزال مثقفوها يخشون على رواتبهم من جراء الهمس بالحقيقة التاريخية التي لم تعد سرية في الجانب الإسرائيلي ومعروفة لدى الكثيرين ومثيرة للجدل في أوساط المؤرخين الإسرائيليين؟ هل وجد تلاميذ جبرا إبراهيم جبرا مسعودهم الذي كتب فيه الأستاذ روايته (البحث عن وليد مسعود)؟ بل أما يزال كمال عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ لا منتمياً رغم الأهوال التي حلت والحروب التي وقعت والمجازر التي لم يتند لها غير جبين جان جينيه؟وفي المغرب هل لا يزال الخبز حافياً رغم رحيل محمد شكري ورغم رحيل كثير من رفاقه؟ وهل ما يزال عاموس عوز يتمتع بصفته أستاذاً زائراً رغم عدم حصوله على شهادة الماجستير الدكتوراة- أبرز غايات وطموحات الجيل الجديد من المثقفين العرب- ويتلقى ريع كل كتاب من كتبه يزداد قارئاً أو أكثر كل سنة في سبيل تكوين ثقافة جديدة لدولة جديدة تريد ترميم انقطاعها عن التاريخ في المنطقة نحو ألفي سنة بفعل قوة الذاكرة وقوة أمريكا وقدرة الفلسطينيين على الاحتمال والمقاومة؟ احتمال الأعدقاء العرب أولاً ومن ثم احتمال استحقاقات الدولة في عمرها الذي لم يبلغ بعد سن التقاعد رغم تلقيها راتبها التقاعدي المكلف من أرباح النفط العربي في الخزانة الأمريكية ؟ وعلى الصعيد العالمي الذي استهله القرن الحادي والعشرين باستسلام ادوارد سعيد لمرض السرطان وهو الذي عالج أمراض الاستشراق باقتدار قل نظيره بحيث ترك عتاة المثقفين العرب أيتاماً من بعده على موائد اللئام وبحيث لم يعد في ساحات أمريكا غير فؤاد عجمي ساخطاً وناقداً للثقافة العربية ومعجلاً في انهيارها التام لا يلومه في ذلك كثيراً أدونيس أو الطامحين بجائزة نوبل في الآداب من النرجسيين العرب، في ظل هكذا ثقافة قد يجد المرء ما يجعله يتأسى على هنري ميلر الأمريكي الذي عاش حياته ومات ساخطاً على أمريكا في كل مؤلفاته ومداراته من (مدار السرطان) حتى (الكابوس المكيف) 1943 ومن ( الربيع الأسود) حتى ربيع براغ ومن باريس حتى نيويورك، ولن يزيده من حاول قبله مثل جون شتناينبك سوى غضب على غضب خاصة وأن (عناقيد غضب) الأخير تحولت من رواية إلى عملية عسكرية قادها شيمون بيرس لعله يحول دون وصول الليكود إلى السلطة ومع ذلك لم تجد نفعاً فقد وصل نتنياهو ومن بعده جاء شارون عسكرياً فظاً ومثقفاً أعاد الوعي لعاموس عوز الذي حاوره في الأدب والتاريخ ولم يجد نفعاً كون مؤسس الدولة الراحل بن غوريون قد نظر نظرة ليبرالية لمن يكونه اليهودي عندما تطرق إلى رواية جيمس جويس (يوليسس) وهوية السيد بلوم. وفي عصر العولمة والانهيارات يتساءل المرء إذا كانت (لمن تقرع الأجراس) سوف تصمد صمود (الشيخ والبحر) ؟ وهل ستلد الثقافة الأمريكية رجلاً بقوة وعظمة آرنست همنغواي أو بلطافة مارك توين وكتاباته المبكرة لأطفال مبكرين أم أن دانيال ديفو وجورج أورويل أصحاب العمر الأطول في ثقافة العم سام القائمة على إبادة ثقافات الآخرين بدعوى التخلف والبدائية وخاصة عندما تكون أراضيهم حبلى بالذهب الأصفر والذهب الأسود؟ وهل ستعاد للعراق آثاره المنهوبة في ظل الحرب والفوضى التي لم يحسب لها المثقف جورج بوش أي حساب فأقيم لها وللشرق مقبرة جماعية تماماً مثلما فعلت مدافع طالبان بتماثيل بوذا في أفغانستان، وياللمفارقة؟أو مثلما انتهى إليه حزب تودة وبقايا ثورة مصدق في الخمسينات في ظل تسلم التيارات الدينية في هذا الشرق لزمام القيادة والقول وأحياناً الفعل في ساحات مثل الباكستان وبعض أقطار الخليج الذي باتت عروبته محط تساؤل وشكوك فهو خليج فارسي أحياناً وخليج عربي أحياناً أخرى. خاصة بعد أن أصبح الإسلام أممياً وكذلك المسيحية وكأن الأممية التي جاءت بها ثورة أكتوبر أصبحت ضمن محنطات الفراعنة أقدم من السنة السابعة عشرة من شباب القرن العشرين ومراهقة ستالين التي طالت لجيل عجائز الكرملين وتهاويهم الواحد بعد الآخر وصولاً لمن عجل بالانهيار وتغيير أسماء الأحزاب والناس بالبريسترويكا بمثل ما تغير الحزب الشيوعي الفلسطينيي لحزب الشعب إثر تباشير ولادة الدولة الفلسطينية التي تعسرت وأصبحت الثقافة الفلسطينية معها عسيرة الهضم من فرط الالتباس القومي والديني والطبقي. كل ذلك هل يجعل من عناوين الجيران الأتراك في رواية ناظم حكمت( الحياة جميلة يا صاحبي) ما يستحق البقاء والنضال والصمود ؟ وهل الحياة حقاً جميلة يا صاحبي في ظلال هكذا ثقافة وأوساط هكذا مثقفين؟

 






|
Middle East News
One News Page
Middle East News
One News Page
Middle East News
One News Page
Middle East News

One News Page