OM> destroyed in Jordan and restored in USA

Friday, November 24, 2017

Books


book six by tayseer Nazmi

صفحة كتب

OmniaAmin.jpg

Dr. Omnia Amin

http://originality.jeeran.com/books.html

amazon-O_M.jpg

http://omedia.jeeran.com/books.html

Quest.jpg

http://elza.jeeran.com/books.html

najmbook.jpg

Turki20Fawaz.gif
magicnight.jpg

Jordan's False Claims Of Supporting Culture

حفارو القبور في وزارة الثقافة الأردنية بقلم: تيسير نظمي

تاريخ النشر : 2008-02-09القراءة : 2998

واللبيب بالإشارة يغـــــد ق

تيسير نظمي

ماذا يهم حفار القبور غير إرضاء الذي سيقوم بالدفع له ؟ هذا بالضبط عمل المقيّم للمخطوطة

http://omedia.jeeran.com/ديوان%20الشعر%20الأول-للطبع.doc

التي تقدمت بها لقسم الدراسات والنشر في وزارة الثقافة الأ

الأمين العام للوزارة لا يمكنه أن يضحي بسمعته الطيبة أو بشاعر من أجل منصب حكومي ، لكنه وقع حسب الصورة التي استلمتها New New

الديانة اليھودية وتاريخ اليھود / وطأة 3000 عام

تأليف

إسرائيل شاحاك

قدم له:إدوارد سعيد

شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

مقدمة الطبعة العربية

إدوارد سعيد

البروفسور اسرائيل شاحاك، استاذ مادة الكيمياء العضوية، ( المتقاعد ) ، في الجامعة العبرية بالقد س، من خيرة المرموقين في الشرق الأوسط المعاصر . التقيته للمرة ، الأولى، وشرعت في مراسلة منتظمة معه، منذ نحو 25 سنة، في أعقاب حرب 1967 ثم في أعقاب حرب 1973 .ولُد في بولندا، وكان أحد الناجين الذين استطاعوا الھرب من معسكرات الاعتقال النازية .جاء الى فلسطين فور انتھاء الحرب العالمية الثانية، وخدم في الجيش، مثله مثل جميع الشباب الإسرائيليين آنذاك؛ ثم خدم في الاحتياط العكسري لفترات قصيرة في فصول الصيف، ولعدة سنوات، كما يقتضي القانون الإسرائيلي. وشاحاك، الذي يمتلك ذھناً بحاّثاً وفاحصاً شرساً لا يلين، تابع سيرته كمحاضر جامعي وباحث بارز في الكيمياء العضوية، وغالباً ما نوّه به طلابه كأفضل الأساتذة، ومنُح الجوائز على أدائه الأكاديمي، من آلام وحرما ن ليس فقط لفلسطينيي الضفة الغربية وغزة، بل العدد الكبير من غير اليھود أيضاً ( أي الأقلية الفلسطينية )الذين لم يرحلوا أثناء عمليات الطرد في العام 1948 ، وبقوا حيث ھم، ليصبحوا من ثم، مواطنين إسرائيليين .وقد قاده ذلك الى البحث والاستقصاء في طبيعة الدولة الإسرائيلية، وفي تاريخھا والمقولات السياسية والأيديولوجية، التي سرعان ما اكتشف بأنھا مجھولة من معظم اليھود غير الإسرائيليين، وخصوصاً يھود الشتات الذين كانت إسرائيل بنظرھم دولة رائعة وديمقراطية ومعجزة، تستحق الدعم والحماية غير المشروطة. ولقد أنشأ شاحاك رابطة حقوق الإنسان الإسرائيلية، التي أمضى عدة سنوات في رئاستھا.وھذه الرابطة ھي عبارة عن مجموعة صغيرة نسبياً من الأشخا ص الذين يتشاطرون الرأي، والذين يؤمنون بوجوب أن تكون حقوق الإنسان متساوية للجميع وليس لليھود فقط.وفي ھذا السياق تحديدا،ً اطلعت على عمله للمرة الأولى . والشيء الوحيد الذي يميزّ على الفور، مواقف شاحاك السياسية عن مواقف معظم الإسرائيليين الآخرين والحمائم اليھود من غير الإسرائيليين، كان أنه وحده عبّر عن صراحة، امراً "حسناً"لإسرائيل أو اليھود .ولقد كان في كتاباته وأقواله العلنية، معادياً عداء عميقاً للعنصرية، وبودي أن أقول، بأنه كان معادياً عداء تھجمياً ولذلك لم يكن مھماً إذا كان اليھود الإسرائيليون يعتدون، في معظم الأوقات، على الفلسطينيين كونه كمفكر عليه أن يشھد ضد ھذه الاعتداءات .وليست مبالغة أن نقول بأنه يلتزم بموقفه التزاماً دقيقاً الى حد أنه سرعان ما أ صبح رجلاً مكروھاً جداً في إسرائيل .واذكر بأن وفاته أعلنت قبل نحو 15 عاما،ً على الرغم من أنه كان حياً يُرزق .فقد ذكُر نبأ موته في تقرير نشرته صحيفة " واشنطن بوست ".وعلى الرغم من أنه قام بزيارة الصحيفة ليثبت بأنه ليس ميتا،ً فإن زيارته، كما أخبر أصدقاءه بجذل، لم تؤثر على ھذه الصحيفة التي امتنعت عن نشر تصحيح للنبأ .ولذلك فإنه ما زال "ميتا "ًبالنسبة الى بعض النا س، وھذه رغبة من بنات الخيال، تكشف الى أي حد يستطيع شاحاك أن يجعل " أصدقاء إسرائيل"يشعرون بالضيق. وينبغي أن يُقال أيضا،ً بأن طريقة شاحاك في قول الحقيقة كانت دائماً بالغة في دقتھا ولا ھوادة فيھا .فليس في ھذه الحقيقة ما يغوي، وھو لا يبذل أي محاولة لقولھا بطريقة " لطيفة" ، كما لا يبذل أي جھد لتكون ھذه الحقيقة مستساغة أو قابلة للتفسير بطريقة ما .فالقتل بالنسبة الى شاحاك، ھو القتل العمد، ھو القتل .وطريقته ھي التكرار والصدم وتحريك الكسالى أو غير المبالين، لاستنھاضھم الى وعي للألم الإنساني، مشبوب بالھمّة، بحيث يكونون مسؤولين عن ھذا الألم .ولقد ازعج شاحاك النا س في بعض الأحيان، وأثار غضبھم، ولكن ھذا جزء من شخصيته، وينبغي أن نقول بأنه جزء من إدراكه للرسالة التي يبشر بھا.ولقد أيّد شاحاك، ھو والبروفسور الراحل يھوشواع ليبوفيتس، الذي كان شاحاك يكنّ له اعجاباً شديدا،ً وغالباً ما عمل معه، أيّد مصطلح " اليھودية النازية" ، لوصف طبيعة الطرق التي يستخدمھا الإسرائيليون من أجل إخضاع الفلسطينيين وقمعھم .ومع ذلك، فإنه لم يقل أو يكتب في يوم من الأيام، شيئاً لم يكتشفه بنفسه، أو لم يره بأم عينيه، أو لم يختبره مباشرة .والفارق بينه وبين معظم الإسرائيليين الآخرين أنه ربط بين الصھيونية واليھودية والممارسات القمعية ضد غير اليھود، واستخلص الاستنتاجات بالطبع. وكان للكثير مما كتبه شاحاك دور في كشف الدعاية والأكاذيب على حقيقتھا . فإسرائيل دولة فريدة من نوعھا في ھذا العالم، من حيث الأعذار التي تُساق لصالحھا : فالصحافيون إما لا يرون، أو لا يكتبون، ما يعرفون بأنه الحقيقة، خوفاً من إدراج أسمائھم في القائمة السوداء، أو خوفاً من الانتقام، والشخصيات السياسية والثقافية والفكرية، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، تتقصّد امتداح إسرائيل، وتغدق عليھا قدراً من الأنعام لا يحظى بمثله أي بلد آخر في ھذا العالم، مع أن العديدين منھم يعون جور ھذا البلد، ولا يقولون عنه شيئا والنتيجة ھي ستار من الدخان الأيديولوجي الذي بذل شاحاك وحده، وأكثر من أي شخص آخر، جھداً لتبديده .وشاحاك الذي كان بنفسه، ضحية من ضحايا المحرقة النازية، وأحد الناجين منھا، يعرف معنى معاداة السامية . ولكنه مع ذلك، وعلى عكس معظم الآخرين، لا يسمح لفظائع المحرقة النازية بالعمل على تحوير حقيقة ما فعلته إسرائيل للفلسطينيين باسم الشعب اليھودي .فالمعاناة بالنسبة اليه، ليست ملكاً حصرياً لمجموعة واحدة من الضحايا، بل ينبغي أن تكون عوضاً عن ذلك، وإن كانت نادراً ما تكون، الأسا س لأنسنة الضحايا، يجعلھم يعون واجب الامتناع عن التسبب بمعاناة من النوع الذي اختبروه .ولقد حذر شاحاك مواطنيه من مغبة النسيان بأن التاريخ المروّع لمعاداة السامية الذي عانوا منه، لا يخولھم الحق في أن يفعلوا ما يرغبون بفعله لمجرد أنھم ذاقوا المعاناة .ولا غرابة إذن، بأنه بات مكروھاً لأنه بقوله مثل ھذه الأمور، قد قوّض الأسا س الأخلاقي لقوانين إسرائيل وممارساتھا السياسية تجاه الفلسطينيين. ويذھب شاحاك حتى أبعد من ذلك .فھو علماني مُطلق، لا يتذبذب، عندما يتعلق الأمر بتاريخ الإنسانية .ولا أقصد بذلك أن أقول بأنه ضد الدين، بل إنه بالأحرى ضد الدين كطريقة لتفسير الأحداث وتبرير المواقف الوحشية المنافية للعقل السليم، وتعظيم شأن جماعة من " المؤمنين"على حساب الآخرين .ومما يدعو الى الدھشة أيضا،ً أن شاحاك ليس من رجال اليسار بالمعنى الصحيح للكلمة .فھو في نواح مختلفة، نقّاد شديد للماركسية، تتبع مبادؤه أثر المفكرين الأحرار والليبراليين والعقلانيين العامين الشجعان، من الأوروبيين، من أمثال فولتير وأورويل .وما يجعل شاحاك حتى أكثر مھابة كمؤيد لحقوق الفلسطينيين، ھو أنه لا يستسلم للفكرة التي تغلب عليھا الاعتبارات العاطفية، والقاضية بعذر الفلسطينيين على حماقاتھم لأنھم عانوا في ظل سيطرة إسرائيل.فھو بعيد عن ھذا الموقف، وكان دائماً نقاداً شديداً لمنظمة التحرير الفلسطينية، لإھمالھا، ولجھلھا لإسرائيل، وعدم قدرتھا على معارضتھا معارضة تتّسم بالعزم، ولمھاوداتھا الدنيئة وإفراطھا في إجلال الفرد لشخصه وليس لما يمثله، ولانعدام جديتھا عموما ولقد رفع صوته بقوة أيضا،ً ضد الانتقام أو جرائم " الشرف "ضد النساء الفلسطينيات، وكان دائماً من مؤيدي حركة تحرر المرأة. وخلال الثمانينات عندما أصبح شائعاً سعي المفكرين الفلسطينيين وبعض مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية، من أجل " الحوار "مع الحمائم الإسرائيليين من حركة " السلام الآن "وحزب العمل وجبھة ميرتز، ثابر ھؤلاء على استثناء شاحاك .وكان أحد أسباب ھذا الاستثناء أن شاحاك كان يقف موقفاً نقاداً للغاية، من معسكر السلام الإسرائيلي بسبب مھاوداته وممارسته الضغط المخزي على الفلسطينيين ليغييروا سياستھم، ولي س على الحكومة الإسرائيلية، وبسبب تمنّعه عن تحرير نفسه من قيود "حماية"إسرائيل بالامتناع عن التفوهّ بأي انتقاد لھا أمام "غير اليھود ". أما السبب الآخر فكان أن شاحاك لم يكن يوماً من رجال السياسة، فھو، بكل بساطة، لم يكن يؤمن بمسلك تصنّع المواقف والمداورات في الكلام، الذي ينغمس فيه طوعا،ً ذوو الطموحات السياسية .فقد ناضل من أجل المساواة والحقيقة والسلام الحقيقي والحوار مع الفلسطينيين، بينما ناضل الحمائم الإسرائيليون الرسميون من أجل ترتيبات تجعل من سلام أوسلو نوع السلام الممكن الذي كان شاحاك من الأوائل الذين نددوا به .وأنني أقول كفلسطيني، بأنني كنت دائماً أشعر بالخجل لأن النشيطين الفلسطينيين الذين كانوا مھتمين بالحوار، في السر أو في العلن، مع حزب العمل أو ميرتز، رفضوا أن تكون لھم صلة بشاحاك .فھو بالنسبة اليھم، راديكالي أكثر من اللزوم، وصريح أكثر من اللزوم، وھامشي جداً فيما يتعلق بالسلطة الرسمية .وأعتقد بأنھم كانوا في سرّھم ، يخافون أيضا،ً من أن يكون شاحاك نقاداً للسياسات الفلسطينية .ولا شك بأنه كان سيفعل. بالإضافة الى كونه قدوة تُحتذى، فإن شاحاك كمفكر لم يقدم، في أي وقت من الأوقات، على خيانة رسالته أو المھاودة بالحقيقة كما يراھا، وادى خدمة كبيرة على مرّ السنين، لأصدقائه ومؤيديه في الخارج .فقد انطلق من الفرضية الصحيحة بأن الصحافة الإسرائيلية كانت، ومن المفارقة، صادقة ومفيدة فيما يتعلق بإسرائيل، أكثر من وسائل الإعلام العربية والغربية، ليعمل بدأب على ترجمة آلاف المقالات من الصحافة العبرية، وتذييلھا بشروحات، ثم نسخھا وإرسالھا الى الخارج .ومن المستحيل المغالاة في تقدير ھذه الخدمة.وبالنسبة إلي كشخص تكلم وكتب عن فلسطين، ما كنت لأستطيع أن أفعل ما فعلته من دون أوراق شاحاك، ولا بالطبع، من دون قدوته كباحث عن الحقيقة والمعرفة والعدالة . إن الأمر ھو بكل ھذه البساطة، ولذلك، فأنا مدين له بدين ھائل من العرفان بالجميل .ولقد قام شاحاك بھذا الجھد على نفقته الخاصة في معظم الأحيان، وعلى حساب وقته الخاص أيضا .ًفالھوامش التي اضافھا والمقدمات الموجزة التي كتبھا لمختاراته الشھرية من الصحف، لا تُقدرّ بثمن، لفطنتھا الجارحة وجزالة معانيھا العميقة المفيد ة، وما تتميز به من الصبر اللامتناھي الذي يتحلى به المعلم.وكان شاحاك طوال ھذا الوقت، يواصل بالطبع، أبحاثه العلمية وعمله التعليمي، الذي لم يكن له أي علاقة إطلاقا،ً بترجماته وحواشيھا التفسيرية. ولقد وجد شاحاك بطريقة ما، الوقت اللازم ليصبح أكثر الأشخاص الذين عرفتھم في حياتي تبحرّاً في العلم .ومعرفته في الموسيقى والأدب وعلم الاجتماع، وفي التاريخ قبل كل شيء في أوروبا وآسيا وأماكن أخرى لا ندّ له فيھا بحسب خبرتي .ولكنه يتفوق على الكثيرين غيره كعالم في اليھودية، بما أن اليھودية ھي التي شغلت طاقاته كعالم وكنشيط سياسي منذ البداية.وفي السنوات الأخيرة بدأت تتخلل ترجماته تقارير سرعان ما أصبحت وثائق شھرية، يتألف الواحد منھا من بضعة آلاف كلمة في الموضوع الواحد .ومن ھذه التقارير على سبيل المثال، تقرير حول الخلفية الحاخامية الحقيقية لاغتيال اسحاق رابين، وآخر حول الأسبا ب التي من أجلھا ينبغي أن تعقد إسرائيل سلاماً مع سوريا (لأن سوريا، برأيه المثير للدھشة، ھي البلد العربي الوحيد الذي يستطيع فعلا،ً أن يؤذي إسرائيل عسكريا )ً.وكانت ھذه التقارير عبارة عن خلاصات من الصحافة لا تُقدرّ بثمن، بالإضافة الى تحليلات ثاقبة الرأي، وغالباً ما كانت ملھمة، للاتجاھات والمسائل الجارية، التي تطمسھا عادة وسائل الإعلام العادية، أو تغفل الإبلاغ عنھا. لقد عرفت شاحاك دائما،ً مؤرخاً عظيماً ومفكراً لامعاً وعالماً جامعاً للعلوم، ونشيطاً سياسيا،ً ولكنني، وكما قلت أعلاه، ما لبثت أن أدركت بأن "ھوايته "الأساسية كانت دراسة اليھودية والتقاليد الحاخامية والتلمودية، والتبحرّ في ھذا الموضوع .ولذلك، فإن ھذا الكتاب مساھمة ذات تأثير كبير في ھذه الأمور .فھو ليس أقل من تاريخ موجز لليھودية الكلاسيكية واليھودية الأحدث، بقدر ما تنطبق على فھم لإسرائيل الحديثة . فشاحاك يظھر بأن الوصايا المبھمة والشوفينية الضيقة، ضد الآخرين غير المرغوب فيھم، وعلى اختلافھم، يمكننا أن نجدھا في اليھودية ( وفي غيرھا طبعا،ً من تقاليد الديانات الموحدة الأخرى ) ، ولكنه ينطلق من ذلك ليظھر التواصل بينھا وبين الطريقة التي تعامل بھا إسرائيل الفلسطينيين والمسيحيين وغيرھم من غير اليھود .وتبرز بذلك، صورة ذات ھول عظيم، عن التحامل والنفاق واللاتسامح الديني .والمھم في ذلك، أن وصف شاحاك لا يكذّب الروايات حول ديمقراطية اسرائيل التي تحفل بھا وسائل الإعلام الغربية فحسب، بل يتھم ضمناً أيضا،ً الزعماء والمفكرين العرب لرؤيتھم الجاھلة بصورة فاضحة، لھذه الدولة، خصوصاً عندما يقولون لشعوبھم كما لو كانوا ھم الصادقون دون غيرھم، بأن إسرائيل قد تغيّرت فعلا،ً وتريد الآن، السلام مع الفلسطينيين والعرب الآخرين. إسرائيل شاحاك رجل فائق الشجاعة، وينبغي أن يُكرّم للخدمات التي قدّمھا للإنسانية.ولكن المثال على العمل الدؤوب والطاقة الأخلاقية التي لا تفتر، والتألق الفكري، الذي وضعه شاحاك قدوة تُحتذى، ھو في عالمنا اليوم، إحراج للحالة الراھنة ولجميع الذين تعني لھم كلمة "مثير للجدل"كل ما ھو "مكدرّ"و " باعث على الاضطراب". ويغمرني سرور عظيم لأن عملاً موسعاً من أعماله سيصدر للمرة الأولى، باللغة العربية، إلا أنني على يقين بأن ما يقوله في كتابه " الديانة اليھودية وتاريخ اليھود " سيكون مصدر انزعاج لقرائه العرب أيضا .ًوأنا على ثقة بأنه سوف يقول بأن ھذا مدعاة سرور له. إدوارد سعيد

نيويورك، كانون الثاني /يناير 1996

مقدمة

بقلم:غور فيدال

أواخر الخمسينيات، أخبرني ناقل الأقاويل، الذائع الصيت، والمؤرخ بين الحين والآخر، جون ف .كندي، كيف كان ھاري س .ترومان، منبوذاً من الجميع عندما تقدم لترشيح نفسه للرئاسة عام 1948 .فكان أن جاءه صھيوني أميركي الى القطار الذي كان يستخدمه لتنقلاته في حملته الانتخابية، حاملاً له حقيبة تحتوي على مليوني دولار عداً ونقدا " لھذا السبب كان اعترافنا بإسرائيل على ھذه الدرجة من السرعة ".ولأننا لم نكن معادين للسامية، لا أنا ولا جاك، (على عكس والده وجدي ) ، فقد اعتبرنا ھذه القصة مجرد قصة مسلية أخرى عن ترومان، وعن الفساد الھادئ للسياسة الأمريكية. ولسوء الحظ، فقد نتج عن الاعتراف المتسرّع بإسرائيل كدولة، 45 عاماً من التشويش الفتاّك، وتدمير ما ظن رفاق الدرب الصھيونيون أنه سيغدو دولة تعددية تكون وطناً للسكان الأصليين من مسلمين ومسيحيين ويھود، ووطناً مستقبلياً لمھاجرين مسالمين من اليھود الأوروبيين والأميركيين، ووطناً للذين تظاھروا منھم بالاعتقاد أن وكيل العقارات الأكبر في السماء، قد وھبھم، والى الأبد، أراضي يھودا والسامرة .وبما أن العديد من المھاجرين كانوا من الاشتراكيين الجيدين في أو روبا، فلقد افترضنا بأنھم لن يسمحوا للدولة الجديدة بأن تتحول الى دولة يحكمھا رجال الدين، وبأن السكان الأصليين الفلسطينيين يمكنھم العيش معھم كمساوين لھم .ولكن ھذا لم يُقدرّ له أن

يحصل. ولست في صدد سرد قصص الحروب وإنذارات الخطر في ھذه المنطقة التعسة . ولكنني سأقول بأن الاختراع المتسرع لإسرائيل قد سمّم الحياة السياسية والفكرية في الدولة التي تُعتبر راعية لإسرائيل والمستبعد أن تكونھا في الوقت نفسه عنينا بذلك الولايات المتحدة. وأقول الدولة التي كانت رعايتھا لإسرائيل مستبعدة، لأنه لا توجد أقلية أخرى في التاريخ الأمريكي، استولت في وقت من الأوقات، على ھذا القدر من الأموال من دافعي الضرائب الأميركيين، من أجل استثمارھا في " وطن ".فالأمر يبدو كما لو كان دافع الضرائب الأميركي قد أجبر على دعم البابا في إعادة فتحه للدول البابوية لمجرد أن ثلُث شعبنا من الروم الكاثوليك . فلو جرت محاولة كھذه لكانت أثارت ضوضاء عظيمة، ولكان الكونغرس الأميركي قال "لا".ولكن أقلية دينية لا يجاوز تعدادھا الاثنين بالمائة، اشترت أو ھددّت 70 عضواً من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي ( الثلثين اللازمين في ھذا المجلس، لتجاوز فيتو رئاسي غير مرجّح ) ، في الوقت الذي تتمتع فيه بتأييد وسائل الإعلام. ولشدّ ما أنا معجب، من بعض الوجوه، بالطريقة التي قام بھا اللوبي الإسرائيلي بعمله لضمان ذھاب بلايين الدولارات، سنة بعد أخرى، لجعل إسرائيل "حصناً ضد الشيوعية ". إذ لم يكن ھنالك وجود كبير في المنطقة، لا للاتحاد السوفييتي ولا للشيوعية.ولكن ما تمكنت أميركا من فعله ھو أن تجعل العالم العربي، الذي كان ودياً في يوم ما، يتحول ضدنا.وفي ھذه الأثناء، أصبح التضليل الإعلامي حول ما يجري في الشرق الأوسط، أكثر مما كان عليه في السابق، والضحية الرئيسية لھذه الأكاذيب الرخيصة إذا وضعنا دافع الضرائب الأميركي جانباً ھي اليھود الأميركيون الذين يستأسد عليھم باستمرار، ارھابيون محترفون من أمثال بيغن وشمير .وما ھو أسوأ من ذلك، أن المفكرين اليھود الأميركيين.باستثناء قلة شريفة، قد تخلّوا عن الليبرالية لصالح تحالفات معتوھة مع اليمين المسيحي ( المعادي للسامية )ومع المجمّع الصناعي العسكري .ولقد كتب أحدھم بطريقة غير مبالية، في العام 1985 ، يقول بأن اليھود وجدوا لدى وصولھم الى الساحة الأميركية، أن " الرأي العام الليبرالي والسياسيين الليبراليين أكثر مؤانسة في مواقفھم، وأكثر إحساساً بالاھتمامات اليھودية "ولكن المصلحة اليھودية الآن، تقضي بالتحالف مع الأصوليين البروتستانت لأنه بعد ذلك كله، "ما الفائد من أن يتمسك اليھود، بتصلب ورياء، بآراء الماضي القريب؟ "عند ھذه النقطة انشق اليسار الأميركي، أما ھؤلاء منا الذين انتقدوا حلفاء الأمس اليھود لانتھازيتھم الضالة، فقد كوفئوا في الحال، بالصفة التقليدية نفسھا، ألا وھي "معاداة السامية "أو بصفة " اليھود الذين يكرھون أنفسھم". ولحسن الحظ أن صوت العقل حيّ يرُزق وبحالة جيدة، وفي إسرائيل دون غيرھا من البلدان.ومن القدس، لا يكنّ إسرائيل شاحاك أبدا،ً عن التحليل، ليس فقط عن تحليل سياسة إسرائيل المكربة اليوم، بل التلمود نفسه أيضا ، وتأثير التقاليد الحاخامية برمتھا، على الدولة الصغيرة التي تنوي المؤسسة الحاخامية اليمينية تحويلھا الى دولة لليھود فقط، يحكمھا رجال الدين .وأنا أقرأ شاحاك منذ سنوات .إنه ينظر نظرة الھجاّء الى التشويشات التي نجدھا في أي ديانة تحاول أن تعقلن ما ھو غير عقلاني . إن لشاحاك نظرة العالم الثاقبة الى التناقضات النصية .إنه متعة للقراءة عندما يكتب عن كاره الأغيار، الطبيب العظيم بن ميمون. وغنّي عن القول بأن السلطات الإسرائيلية تدين شاحاك .ولكن ماذا تملك أن تفعل مع استاذ كيمياء متقاعد، ولُد في وارسو عام 1933 ، وأمضى طفولته في معسكر الاعتقال في بيلسن .لقد جاء الى إسرائيل في العام 1945 ، وخدم في الجيش الإسرائيلي، ولكنه لم يصبح ماركسياً في السنوات التي كانت فيھا الماركسية شائعة .فقد كان وما زال شخصاً معنياً بخير الإنسان، يحتقر الإمبريالية إن بإسم الرب إبراھيم أم بإسم جورج بو ش .وكان على حد سواء، يعارض بفطنة ومعرفة واسعة، النزعة الاستبدادية في اليھودية .فشاحاك، كما لو أنه كان توما سباين بالإضافة الى كونه متعلماً علماً عاليا،ً يوضح لنا الاحتمال الذي ينتظرنا، والتاريخ الطويل خلفنا أيضا،ً وھكذا، يواصل تحكيم العقل، سنة بعد أخرى وھؤلاء الذين سينتصحون بكلامه سيكونون بالتأكيد، أكثر حكمة وھل أجرؤ على القول بأنھم سيكونون أفضل؟ إنه النبي العظيم الأخير إن لم يكن آخر الأنبياء العظام.

بقلم:غور فيدال

الفصل الأول

مقدمة

أكتب ھنا ما أعتقده الحقيقة، فقصص الإغريق كثيرة، وھي في رأيي قصص .

سخيفة.

(ھيكاتيو س ميليتو س كما نقلھا ھيرودوت س)

أفلاطون صديق، ولكن الحقيقة صديق أعظم. .

(صياغة جديدة لعبارة أرسطو في كتابه " الأخلاق")

في الدولة الحرة يستطيع كل إنسان أن يفكر كما يشاء، وأن يقول ما يفكر به. .

(سبينوزا)

على الرغم من أن ھذا الكتاب مكتوب باللغة الإنكليزية وموجه الى شعوب تعيش خارج دولة إسرائيل، فإنه، في ناحية من نواحيه، يشكل استمراراً لنشاطاتي السياسية

1966 ، إثر احتجاج تسبب، كيھودي إسرائيلي .لقد بدأت ھذه النشاطات عام 1965 آنذاك، في فضيحة كبيرة .فقد كنت شاھداً على يھودي متعصب لا يسمح باستخدام ھاتفه في أحد أيام السبت، لاستدعاء سيارة إسعاف من أجل شخص غير يھودي صودف انھياره في الضاحية التي يسكنھا بالقدس .وعوضاً من أن ألجأ بكل بساطة، الى نشر نبأ ھذه الحادثة في الصحف، طلبت اجتماعا مع أعضاء ھيئة المحكمة الحاخامية لمدينة القدس، المؤلفة من حاخامات تعينّھم دولة إسرائيل .وقد ساألت ھؤلاء عما إذا كان مثل التصرف يتوافق مع تفسيرھم للديانة اليھودية، فأجابوني بأن ھذا اليھودي، موضوع البحث، كان مصيباً في تصرفه، بل تقياً صالحا .ًودعموا قولھم ھذا بإحالتي الى فقرة في مختصر معتمد للشرائع التلمودية، كان قد كتُب في ھذا القرن .فما كان مني إلا أن كتبت تقريراً بالحادثة، لليومية العبرية الرئيسية "ھآرتس " ، التي تسبب نشرھا للقصة بفضيحة إعلامية. وكانت النتائج الناجمة عن الفضيحة بالنسبة إلي، نتائج سلبية نوعا ما .فلا السلطات الحاخامية الإسرائيلية ولا نظيراتھا في الشتات، عكست حكمھا القاتل بأن اليھودي لا يجوز له انتھاك حرمة السبت من أجل إنقاذ حياة أحد الأغيار (غير اليھود ).ولقد أضافوا الى حكمھم ھذا، الكثير من الھذر المغلّف بالتقوى، والذي كان مفاده أن عملاً من ھ ذا النوع، إذا كانت نتيجته تُعرّض اليھود، فقط، للخطر، يصبح حينئذ انتھاك حرمة السبت من أجلھم انتھاكاً جائزا .ًولما كنت قد بدأت في شبابي بدراسة الشرائع التلمودية التي تحكم العلاقات بين اليھود وغير اليھود، بات واضحاً بالنسبة إلي، وبالاستناد الى ھذه المعرفة التي اكتسبتھا، أن لا الصھيونية، ولا حتى في جزئھا الذي يبدو علمانيا،ً ولا السياسة الإسرائيلية منذ ولادة دولة إسرائيل، ولا سياسات مؤيدي إسرائيل اليھود، في الشتات، خصوصا،ً يمكنھا أن تكون مفھومة ما لم يؤُخذ في الحسبان التأثير الأعمق لھذه الشرائع وللنظرة الى العالم التي يتخلقھا وتعبّر عنھا في آن .وإن المناسبات الفعلية التي انتھجتھا إسرائيل بعد حرب الأيام الستة، ولا سيما سياسة التمييز العنصري التي يتسم بھا الحكم الإسرائيلي في المناطق، وموقف الأكثرية اليھودية من مسألة حقوق الفلسطينيين، حتى كفكرة مجردّة، قد عززت قناعتي ليس إلا. وإنني لدى إدلائي بھذا القول، لا أحاول أن أتجاھل الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي تكون قد أثرت في حكام إسرائيل .فما أقوله بكل بساطة، ھو أن السياسة الفعلية ھي تفاعل بين الاعتبارات الواقعية (صحيحة كانت أم خاطئة، أو برأيي، خلقية كانت أم غير خلقية)وبين التأثيرات الأيديولوجية التي تميل الى أن تكون أكثر نفوذاً كلما كانت مناقشتھا أقل، وكلما كان "جرّھا الى تحت الأضواء "أقل .فأي شكل من أشكال العنصرية والتمييز وكراھية الغير يصبح أقوى وأكثر نفوذاً سياسياً إذا اعتبره المجتمع الذي يتعاطاه أمراً مسلّماً به.ويصح ھذا القول بصفة خاصة، إذا كانت مناقشته ممنوعة، إن رسمياً أم بالإتفاق الضمني .وعندما تكون العنصرية والتمييز وكراھية الغير سائدة في وسط اليھود وموجھة ضد الأغيار وتوقدھا الدوافع الدينية، فإنھا تصبح كحالتھا النقيضة، أي كمعاداة السامية ودوافعھا الدينية .ولكن في الوقت الذي تناقش فيه معاداة السامية اليوم، نجد تجاھلاً عاماً خارج إسرائيل أكثر مما ھو في داخلھا، لوجود العنصرية والتمييز وكراھية الغير بالذات، في وسط اليھود ضد غير اليھود.

تعريف الدولة اليھودية

لا يمكننا أن نفھم، حتى ولا مفھوم إسرائيل ك " دولة يھودية " ، كما تعرّف إسرائيل نفسھا رسميا،ً من دون بحث المواقف اليھودية السائدة، تجاه غير اليھود .والتصور الخاطئ الشائع بأن إسرائيل ديمقراطية حقيقية، حتى من دون أن نراعي حكمھا في المناطق المحتلة، ھو تصورّ ناشئ عن رفض مواجھة المغزى في مصطلح " الدولة اليھودية"بالنسبة الى غير اليھود .وفي رأيي، أن إسرائيل كدولة يھودية، تشكل خطراً ليس على نفسھا وسكانھا فحسب، بل على اليھود كافة وعلى الشعوب والدول الأخرى جميعاً في الشرق الأوسط وما ورائه .كما أن الدول أو الكيانات الشرق أوسطية الأخرى، التي تعرّف نفسھا كدول أو كيانا ت "عربية "أو " إسلامية " ، كتعريف إسرائيل لنفسھا على أنھا "دولة يھودية " ، فإنني أعتبرھا بأنھا تشكل بدورھا خطراً أيضا .ًولكن في الوقت الذي يبُحث فيه ھذا الخطر على نطاق واسع، فإننا نرى أن الخطر المتأصل في الطابع اليھودي لدولة إسرائيل، ليس موضوعاً مطروحاً على بساط البحث. لقد كان لمبدأ إسرائيل ك " دولة يھودية "أھميته العظمى لدى السياسيين الإسرائيليين منذ نشوء الدولة .وقد غرُس ھذا المبدأ في أذھان السكان اليھود بمختلف الوسائل التي يمكن تصورھا .وفي أوائل الثمانينات، عندما برزت أقلية من اليھود الإسرائيليين تعارض ھذا ا لمبدأ، أقرّت الكنيست عام 1985 ، وبأغلبية ساحقة، قانوناً دستورياً ( أي قانون يتقدم على مواد القوانين الأخرى كافة والتي لا يمكن إلغاؤھا إلا بإجراء خاص ). وبموجب ھذا القانون، لم يعد يسمح لأي حزب بالمشاركة في انتخابات الكنيست إذا كان برنامجه يعارض، علنا،ً مبدأ " الدولة اليھودية " ، أو إذا كان يقترح تغييره بالوسائل الديمقراطية.وإنني، شخصيا،ً أعارض ھذا المبدأ الدستوري، فالتبعات القانونية بالنسبة إلي، تعني بأنني لا أستطيع، في دولة أنا مواطن فيھا، أن أنتمي الى حزب له مبادئ اتفق معه فيھا ويكون مسموحاً له بالمشاركة في انتخابات الكنيست .وحتى ھذا المثل يبيّن بأن دولة إسرائيل ليست دولة ديمقراطية بسبب تطبيقھا لإيديولوجية يھودية موجھة ضد الأغيار، وضد اليھود المعارضين لھذه الأيديولوجية، أجمعين .ولكن الخطر الذي تمثله ھذه الأيديولوجية المھيمنة لا يقتصر تأثيره على الشؤون الداخلية فحسب، بل على السياسات الخارجية الإسرائيلية أيضا .ًوسيستمر ھذا الخطر بالنمو ما دام تعزيز حركتين ناميتين مستمراً في الوقت الحاضر : ازدياد الطابع اليھودي لدولة إسرائيل، وازدياد قوتھا، وخصوصاً القوة النووية .أما ازدياد النفوذ الإسرائيلي في المؤسسة السياسية الأميركية فھذا عامل آخر ينذر بالشؤم .ولذلك، فإن المعلومات الدقيقة حول اليھودية، وخصوصاً حول معاملة إسرائيل لغير اليھود، ليست، الآن، على الصعيد السياسي، معلومات مھمة فحسب، بل حيوية أيضاً. ودعوني أبداً بالتعريف الإسرائيلي لمصطلح " اليھودي " ، لأظھر الفارق الأساسي بين إسرائيل ك " دولة يھودية " ، وبين أكثرية الدول الأخرى .فإسرائيل بحسب ھذا التعريف، ھي "ملُْكٌ"لأشخا ص تعرفّھم السلطات الإسرائيلية ك " يھود"بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، وتعود اليھم وحدھم .أما من ناحية أخرى، فھي لا " تعود"لمواطنيھا من غير اليھود، الذي تُعتبر مكانتھم لديھا مكانة دونية، حتى على الصعيد الرسمي. وھذا يعني عمليا،ً بأن أفرادا قبيلة من قبائل البيرو، إذا أعتنقوا الديانة اليھودية، واعتبُروا بالتالي من اليھود، يحق لھم أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين على الفور، وأن يستفيدوا من حوالي 70 بالمائة من أر اضي الضفة الغربية ( ومن 92 بالمائة من مساحة إسرائيل الأصلية) ، المكرّسة رسميا،ً لصالح اليھود فحسب. أما الأغيار كافة ( وليس الفلسطينيون وحدھم ) ، فإنھم يُمنعون من الاستفادة من ھذه الأراضي . ( وينطبق ھذا المنع حتى على الإسرائيليين العرب الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي وبلغو رتُباً عالية فيه ).والحالة التي تشمل البيروفيين الذين اعتنقوا اليھودية، قد حصلت، بالفعل، منذ بضع سنوات .وقد جرى توطين ھؤلاء اليھود الجدد في الضفة الغربية، بالقرب من نابلس، في أراض يُستبعد منھا المواطنون غير اليھود استبعاداً رسميا .ًوتقوم حكومات إسرائيل كافة بمجازفات سياسية كبيرة، بما فيھا المجازفة بالحرب، من أجل ھذه المستوطنات، التي يقتصر تأليفھا على أشخاص معرفّين ك " يھود" ( وليس ك" إسرائيليين" ، كما تدعي، كاذبة، غالبية وسائل الإعلام ) ، ومن أجل أن تكون مستوطنات خاضعة لسلطة " يھودية"فقط. وأظن بأن المسيحيين، إذا اقترحوا أن تتحول الولايات المتحدة، أو المملكة المتحدة الى "دولة مسيحية "تعود فقط لمواطنين يعرفّون رسميا ، ك "مسيحيين" ، فإن يھود الولايات المتحدة، أو بريطانيا، سوف يعتبرون ذلك معاداة للسامية .ونتيجة عقيدة من ھذا النوع ھي أن اليھود الذين يعتنقون المسيحية سوف يصبحون مواطنين كاملين بسبب تحولھم .وينبغي لنا أن نتذكر بأن فوائد اعتناق ديانات أخرى كانت معروفة جيداً من اليھود، من تاريخھم الخاص .فعندما كانت الدول المسيحية والإسلامية تميّز ضد الأشخاص كافة، الذين لا ينتمون الى ديانة دولة، بمن فيھم اليھود، كان اليھود يزيلون ھذا التمييز على الفور، بتحولھم عن ديانتھم .والتمييز الذي تعامل به دولة إسرائيل الشخص غير اليھودي سيتوقف في اللحظة التي يعتنق فيھا، ھو أو ھي، الديانة اليھودية.وھذا يظھر ببساطة، بأن نوع الحصرية نفسه الذي تعتبره أكثرية يھود الشتات كمعاداة للسامية، تعتبره أكثرية اليھود كافة، كيھودية.ومعارضة معاداة السامية والشوفينية اليھودية على حد سواء، أمر يُعتبر في وسط اليھود، وعلى نطاق واسع، كمثل " كراھية الذات".وھذا مفھوم اعتبره كلاماً فارغاً. وھكذا، يصبح معنى مصطلح " اليھودي" ، ومشتقاته، بما فيھا اليھودية، معنى مھماً في مضمون السياسة الإسرائيلية، وبمقدار أھمية معنى " الإسلامي " ، عندما تستخدم إيران ھذا المصطلح رسميا،ً ومعنى " الشيوعي"عندما كان الاتحاد السوفييتي يستخدم ھذا المصطلح رسميا .ًإلا أن معنى مصطلح " اليھودي"كما ھو شائع استخدامه، معنى غير واضح، لا با لعبرية ولا عندما يتُرجم الى لغات أخرى، ولذلك كان ينبغي تعريفه رسمياً. فبحسب القانون الإسرائيلي يُعتبر الشخص " يھودياً"إذا كانت والدته أو جدته، أو جدته لأمه، أو جدته لجدته، يھودية في ديانتھا؛ أو إذا اعتنق الشخص الديانة اليھودية بطريقة ترضي السلطات الإسرائيلية، ولكن شرط ألا يكون ھذا الشخص قد تحول في وقت من الأوقات، عن اليھودية واعتنق ديانة أخرى، ففي ھذه الحالة تقلع إسرائيل، عن اعتباره " يھودياً".ويمثل الشرط الأول من الشروط الثلاثة، التعريف التلمودي ل "من ھو اليھودي " وھو التعريف الذي تعتمده الأرثوذوكسية اليھودية .ويعبرف التلمود والشرع الحاخامي اللاحق له أيضا،ً بتحول غير اليھودي الى اليھودية (مثلما يعترف بشراء اليھودي لعبد غير يھودي، يليه نوع آخر من التحول عن ديانة واعتناق أخرى )كطريقة من الطرق، لكي يصبح المرء يھوديا ، شرط أن يجري مراسم التحول بالطريقة الصحيحة، حاخامات مخولون ھذه السلطة.وھذه " الطريقة الصحيحة"تستلزم بالنسبة الى الإناث، معاينتھن من ثلاثة حاخامات وھنّ عاريات في "حمام التطھير " ، وھو طقس وإن كان معروفاً من قراء الصحف العبرية كافة، فإن وسائل الإعلام باللغة الإنكليزية غالباً ما تحجم عن ذكره، على الرغم من كونه، بلا ريب، موضوعاً مثيراً لاھتمام بعض القراء . وآمل بأن يكون ھذا الكتاب بداية لعملية تُصحح ھذا النقص. ولكن ھناك ضرورة ملحة أخرى لتعريف من ھو اليھودي ومن ھو غير اليھودي .فدولة إسرائيل تميزّ لصالح اليھود وضد غير اليھود، في العديد من مجالات الحياة؛ وأنني أعتبر ثلاثة منھا المجالات الأھم من غيرھا :حقوق الإقامة، الحق بالعمل، والحق بالمساواة أمام القانون .ويقوم التمييز في مسألة الإقامة على حقيقة أن نحو 92 بالمائة من أرض إسرائيل ھي ملك للدولة، وتديرھا سلطة أرض إسرائيل بموجب قوانين أصدرھا للمنظمة الصھيونية العالمية .وينكر الصندوق (J.N.F.) الصندوق القومي اليھودي القومي اليھودي في قوانينه الحق بالإقامة والحق بمزاولة عمل تجاري، وغالبا،ً حق العمل أيضا،ً على كل من ھو غير يھودي، لمجرد أنه ليس يھوديا،ً بينما لا يُمنع اليھود من الإقامة ومزاولة العمل التجاري، في أي مكان في إسرائيل .وإذا جرى تطبيق مثل ھذه الممارسة التمييزية ضد اليھود في أي دولة أخرى، فإن ھذه الدولة ستوصم فورا،ً وعن حق، بمعاداة السامية، وستوقد بلا شك، احتجاجات شعبية واسعة النطاق .ولكن عندما تُطبق إسرائيل ھذا التمييز كجزء من " ايديولوجيتھا اليھودية " ، فإ ن ھذه الممارسة تحظى عادة، بتجاھل مجتھد، أو بتبريرات إذا ذُكرت، وھي نادراً ما تذكر. أما نكران حق العمل فيعني بأن غير اليھود يمنعون رسميا،ً من العمل على الأراضي التي تديرھا سلطة أراضي إسرائيل، وفق أنظمة الصندوق القومي اليھودي .ولا شك أن ھذه الأنظمة لا تنُفذ دائما،ً ولا حتى في أغلب الأحيان، ولكنھا أنظمة موجودة . وتحاول إسرائيل من وقت الى آخر، تنظيم حملات تنفيذ بالقوة، بواسطة سلطات الدولة، مثلما ھو الحال، على سبيل المثال، عندما تعمل وزارة الزراعة ضد " وباء السماح لعمال عرب بجني محاصيل بساتين الفاكھة العائدة ليھود، والقائمة على أرض قومية [ أي على أر ض عائدة لدولة إسرائيل ]" ، حتى ولو كان العرب، موضوع البحث، مواطنين إسرائيليين .وتتشدد إسرائيل أيضا،ً في منع اليھود الذين يستوطنون أرضاً من " الأراضي القومية "من إعادة تأجير ولو جزء من أرضھم الى أشخاص عرب، حتى لوقت قصير؛ ويعُاقب عادة، الذين يفعلون ذلك بغرامات باھظة .ولكن لا يوجد خطر يحول دون إقدام المواطنين غير اليھود على تأجير أراضيھم الى مواطنين يھود .وھذا يعني، في حالتي الخاصة، بأنني أمتلك الحق، بفضل كوني يھوديا،ً باستئجار بستان من يھودي آخر، لقطف ثماره، ولكن غير اليھودي، سواء أكان مواطناً إسرائيلياً أم مقيماً غريباً فيھا، لا يمتلك ھذا الحق. ولا يتمتع مواطنو إسرائيل من غير اليھود بحق المساواة أمام القانون .ويُعبّر عن ھذا التمييز العديد من القوانين الإسرائيلية، التي تحجم عادة، تلافياً للحرج، عن ذكر مصطلحي " اليھودي"و "غير اليھودي"صراحة، كما ھي الحال في قانون العودة الأساسي.وبحسب ھذا القانون، فإن الأشخا ص المعترف بھم رسميا،ً دون غيرھم بأنھم " يھود"لھم الحق التلقائي بدخول إسرائيل والاستيطان فيھا .ويتسلم ھؤلاء بصورة تلقائية، "شھادة ھجرة " ، تزودھم فور وصولھم ب " الجنسية نظراً لعودتھم الى الوطن اليھودي " ، ويحق لھم الحصول على تقديمات مالية عديدة، تتفاوت نوعاً ما، بحسب البلد الذي ھاجروا منه .فاليھود الذين يھاجرون من دول الاتحاد السوفييتي السابق، يحصلون على "ھبة استيطان"تزيد على 20000 دولار للعائلة الواحدة. وبموجب ھذا القانون، يكتسب جميع اليھود الذين يھاجرون الى إسرائيل، وعلى الفور، حق التصويت في الانتخابات، وحق انتخابھم ممثلين في الكنيست حتى وإن كانوا لا يتكلمون كلمة عبرية واحدة. وتستعيض القوانين الإسرائيلية الأخرى عن ھذه المصطلحات بعبارات تفوقھا بلادة، مثل عبارتي "كل من يستطيع الھجرة وفق قانون العودة " ، و "كل من لا يحق له الھجرة بموجب قانون العودة ".وبالاستناد الى ھذا القانون، موضوع بحثنا، تُمنح التقديمات عندئذ، للمدرجين في الفئة الأولى، وتُحجب بانتظام، عن المدرجين في الفئة الثانية . وبطاقة الھوية التي يفترض على الجميع حملھا في كل الأوقات، ھي الوسيلة الروتينية لفرض التمييز في الحياة اليومية. فبطاقات الھوية تسجل " القومية"الرسمية للشخص؛ ويمكن لھذه " القومية "أن تكون " يھودية"أو "عربية"أو " درزية"أو ما شابه ذلك، ولكن ليس " إسرائيلية " ، وھذا استثناء ذو مغزى .وكان الإسرائيليون الذين أراد وا أن يوصفوا رسمياً كإسرائيليين في بطاقات ھوياتھم، أو حتى كإسرائيليين يھود، قد فشلوا في محاولاتھم لإجبار وزارة الداخلية على السماح لھم بذلك .أما الذين حاولوا ذلك فعلا،ً فقد تلقوا كتاباً من وزارة الداخلية مضمونه: " تقرر الامتناع عن الاعتراف بقومية إسرائيلية ".ولكن ھذا الكتاب لم يحدد الجھة التي اتخذت ھذا القرار، ومتى اتخذته. وتميّز قوانين وأنظمة عديدة في إسرائيل لصالح الأشخا ص المعرفّين أشخاصاً " يستطيعون الھجرة وفق قانون العودة " ، مما يستدعي معالجة مستقلة للموضوع . ولكننا نستطيع ھنا، النظر في مثل واحد قد يبدو تافھاً بالمقارنة مع قيود الإقامة، ولكنه مع ذلك، مثل مھم لأنه يميط اللثام عن النوايا الحقيقية للمشترع الإسرائيلي . فالمواطنون الإسرائيليون الذين غادروا البلد لبعض الوقت، ولكنھم معرفّون كمواطنين " يستطيعون الھجرة وفق قانون العودة " ، ھم مواطنون مؤھلون للحصول على منافع جمركية سخية لدى عودتھم، وعلى معونات مالية لتعليم أولادھم في المدارس الثانوية، وعلى ھبة أو قرض بشروط سھلة، لشراء شقة سكنية، بالإضافة الى تقديمات أخرى أيضا .ً أما المواطنون الذين لا يمكن تعريفھم بھذا الشكل، أي مواطنو إسرائيل من غير اليھود، فلا يحصلون على شيء من ھذه التقديمات .والقصد الواضح من مثل ھذه الإجراءات التمييزية، ھو تقليص عدد المواطنين الأغيار في إسرائيل، لجعل إسرائيل دولة أكثر " يھودية".

عقيدة الأرض المستردة

تنشر إسرائيل في وسط مواطنيھا اليھود عقيدة حصرية لاسترداد الأر ض .ويمكننا من خلال ھذه العقيدة، التي تلُقن لتلامذة المدارس في إسرائيل، أن ندرك جيداً ھدفھا الرسمي الرامي الى تقليص عدد المواطنين غير اليھود الى حدّه الأدنى .فھؤلاء التلامذة يلُقنون بأن ھذه العقيدة ھي عقيدة قابلة للتطبيق، إما في أنحاء دولة إسرائيل وإما، من بعد العام 1967 ، في أنحاء ما يُشار اليه ك " أر ض"إسرائيل .وبحسب ھذه الأيديولوجية، فإن الأرض التي " استرُدت"ھي الأرض التي انتقلت من ملكية غير يھودية الى ملكية يھودية .وھذه الملكية يمكنھا أن تكون إما ملكية خاصة أو ملكاً للصندوق القومي اليھودي أو للدولة اليھودية . أما الأرض التي تعود الى غير اليھود، فإنھا، على العكس من ذلك، تُعتبر أرضاً "غير مستردة ".وھكذا، إذا كان يھودي قد ارتكب أبشع الجرائم، التي يمكن تصورھا، وأقدم على شراء قطعة أرض من شخص فاضل غير يھودي، تصبح الأرض "غير المستردة " ، بموجب ھذا التبادل، أرضاً "مستردة ".ولكن إذا أقدم شخص فا ضل غير يھودي، على شراء قطعة أرض من أسوأ اليھود، فإن الأرض التي كانت سابقا،ً أرضاً طاھرة و "مستردة "تصبح أرضاً "غير مستردة "مرة أخرى . والنتيجة المنطقية لمثل ھذه الأيديولوجية ھي الطرد، أو ما يسمى " النقل" الذي يطال المواطنين الأغيار كافة، من مساحلة الأرض التي " استرُدت ". ،(Transfer) وبالتالي، فإن يوتوبيا " الأيديولوجية اليھودية "التي تبنتھا دولة إسرائيل ھي الأرض " المستردة"بأكملھا، والتي لا يملكھا الأغيار أو يعملون فيھا .ولقد عبّر زعماء حركة العمل الصھيونية عن ھذه الفكرة المنفرّة تماما،ً تعبيراً كان غاية في الوضوح.

1) ، كيف ) History of Zionism ويخبرنا ولتر لاكير، وھو الصھيوني المخلص، في كتابه كان أحد ھؤلاء الآباء الروحيين، وھو أ .د.غوردون، الذي توفي عام 1919 ، "معارضاً للعنف مبدئيا،ً ويبرر الدفاع عن النفس فقط في ظروف بالغة الشدة .ولكنه وأصدقاءه، أرادوا لكل شجرة ولكل أجمة في الوطن اليھودي، أن تُزرع على يد الرواد اليھود فحسب، وليس على يد أحد غيرھم ".وھذا يعني بأنھم أرادوا للآخرين كافة أن يرحلوا ويتركوا الأر ض " ليستردھا"اليھود، أما خلفاء غوردون فقد أضافوا من العنف أكثر مما كان يقصده ھو نفسه، ولكن بقي مبدأ " الاسترداد"والنتائج المترتبة عليه. وعلى نحو مماثل، فإن الكيبوتس، الذي كان الترحيب به واسع النطاق كمحاولة لخلق المجتمع المثالي، كان وما زال يوتوبيا اقتصادية، لأنه حتى ولو كان مؤلفاً من الملحدين فإنه لا يقبل في وسطه، مبدئيا،ً بأعضاء من العرب، ويطالب الأعضاء المحتملين من قوميات أخرى، بالتحول أولاً عن ديانتھم واعتناقھم الديانة اليھودية .ولا عجب أن نعتبر شبيبة الكيبوتس أكثر شرائح المجتمع اليھودي الإسرائيلي ميلاً للقتال. وإن ھذه الأيديولوجية الحصرية، ھي التي حددت عمليات الاستيلاء على الأرض في إسرائيل، في الخمسينيات، ثم في أواسط الستينات، وفي المناطق المحتلقة بعد العام

1967، وليست " الحاجات الأمنية "التي تزعمھا الدعاية الإسرائيلية .وھذه الأيديولوجية ھيالتي أملت أيضا،ً الخطط الإسرائيلية الرسمية من أجل " تھويد الجليل ".وھذا المصطلح الغريب يعني تشجيع اليھود على الاستيطان في الجليل بمنحھم تقديمات مالية. ( وإنني لأتساءل ماذا ستكون ردة فعل يھود الولايات المتحدة فيما لو اقترُحت خطة في بلادھم، لجعل نيويورك مسيحية، أو حتى بروكلين وحدھا ).ولكن استرداد الأرض يعني ضمنا،ً أكثر من"التھويد"الإقليمي.فالصندوق القومي اليھودي، المدعوم بقوة من الوكالات الرسمية الإسرائيلية، (خصوصاً من الشرطة السرية ) ، ينفق، في كامل مساحة إسرائيل، مبالغ ضخمة من الأموال العامة من أجل " استرداد "أي أرض يرغب الأغيار في بيعھا، ومنع أي محاولة يقوم بھا يھودي، لبيع أرضه لغير يھودي، وذلك عن طريق دفع سعر أعلى له.

التوسع الإسرائيلي

إن الخطر الرئيسي الذي تشكله إسرائيل "كدولة يھودية" ، على شعبھا واليھود الآخرين وجيرانھا، ھو سعيھا، بالدافع الأيديولوجي، الى التوسع الإقليمي، وسلسلة الحروب المحتومة، الناتجة عن ھذا الھدف .فكلما أصبحت إسرائيل أكثر يھودية، أو كما يقال بالعبرية، كلما "عادت الى اليھودية " ( وھي عملية جارية في إسرائيل، على الأقل، منذ العام 1967 ) ، كلما كانت سياستھا تسترشد بالاعتبارات الأيديولوجية اليھودية، أكثر مما تسترشد بالاعتبارات العقلانية .واستخدامي لمصطلح "عقلاني"ھنا، ليس تقويماً خلقياً للسياسات الإسرائيلية، أو لحاجات إسرائيل المفترضة الى الدفاع والأمن ولا حتى لحاجات إسرائيل المفترضة الى " البقاء".إنني بھذا الاستخدام، أشير ھنا الى السياسات الامبريالية الإسرائيلية القائمة على مصالحھا المفترضة. فمھما كانت ھذه السياسات سيئة خلقياً وعلى جھل سياسي مطبق، فإنني أعتبر تبني السياسات القائمة على " الأيديولوجية اليھودية "بصيغھا المختلفة كافة، لا أسوأ منھا فحسب، بل أسوأ بكثير .فالدفاعات الأيديولوجية للسياسات الإسرائيلية تقوم عادة، على المعتقدات الدينية اليھودية، أو ، كما في حالة اليھود العلمانيين، على " الحقوق التاريخية"لليھود، المستمدة من ھذه المعتقدات نفسھا، والتي تحتفظ بالطابع العقائدي للايمان الديني. ولقد بدأ تحولي السياسي المبكرّ من معجب ببن غوريون الى شخص كرّ س نفسه لمعارضته، بدأ بمسألة من ھذا النوع .ففي العام 1956 ، افتعلت كل الأسباب السياسية والعسكرية التي ساقھا بن غوريون ليعلل مبادأة إسرائيل في حرب السويس، والى حين إقدامه ( وھو الملحد، المفاخر بتجاھله لوصايا الديانة اليھودية )على الإعلان في الكنيست، في اليوم الثالث على بداية تلك الحرب، أن سببھا الحقيقي ھو " إعادة مملكة داوود وسليمان الى حدودھا التوراتية ".فعند ھذه النقطة من خطابه، وقف تقريباً وبعفوية، أعضاء الكنيست كافة، وأنشدوا النشيد الوطني الإسرائيلي .وبحسب علمي، لم يحصل قط أن أعلن أي سياسي صھيوني رفضه لفكرة بن غوريون القائلة بأن السياسات الإسرائيلي يجب أن تقوم ( وضمن حدود الاعتبارات البراغماتية )على إعادة الحدود ال توراتية كحدود للدولة اليھودية .وبالفعل، فإن التلحيل الدقيق للاستراتيجيات الإسرائيلية الكبرى، والمبادئ الفعلية للسياسة الخارجية، كما يُعبر عنھا بالعبرية، يوضح بأن الأيديولوجية اليھودية ھي التي تحدد، أكثر من أي عامل آخر، السياسات الإسرائيلية الفعلية.وأن تجاھل اليھودية، كما ھي على حقيقتھا، و " الأيديولوجية اليھودية"يجعل ھذه السياسات سياسات لا يفھمھا المراقبون الأجانب الذين لا يعرفون عادة، أي شيء عن اليھودية إلا التبريرات الفجّة. دعوني أعطي توضيحاً حديثاً أكثر، عن الفارق الجوھري القائم بين التخطيط الإمبريالي الإسرائيلي من النوع المضخم للغاية، ولكن العلماني، وبين مبادئ " الأيديولوجية اليھودية".فالايديولوجية اليھودية توصي بأن الأرض التي كانت في قديم الزمان، إما محكومة من حاكم يھودي كائناً من كان، أو موعودة لليھود من الله إما في التوراة، أو بحسب تفسير حاخامي للتوراة والتلمود وھو الأھم سياسياً في الواقع فإن ھذه الأرض يجب أن تعود لإسرائيل بما أنھا دولة يھودية .ومما لا شك فيه أن الكثيؤرين من الحمائم اليھود يرون بأن فتحاً من ھذا النوع يجب أن يؤجل الى وقت تكون فيه إسرائيل قد أصبحت أقوى مما ھي عليه الآن، أو أنھم يتطلعون برجاء، الى حدوث " فتح سلمي" ، أي أن يجري إقناع الحكام العرب أو الشعوب العربية، بالتنازل عن الأرض، موضوع البحث، لقاء منافع تنعم بھا عليھم الدولة اليھودية حينذاك. ويجري التداول اليوم، بعدد من الصيغ المتباينة لحدود أرض إسرائيل التوراتية، التي تفسرھا مراجع حاخامية كحدود تعود في الوضع المثالي، للدولة اليھودية .والصيغة الأبعد أثراً تشمل ضمن ھذه الحدود :كامل سيناء وجزءاً من شمالي مصر وحتى ضواحي القاھرة، في الجنوب؛ كامل الأردن وجزءاً كبيراً من العربية السعودية، كامل الكويت وجزءاً من العراق جنوبي الفرات، في الشرق ، كامل لبنان وسوريا مع جزء كبير جداً من تركيا (حتى بحيرة فان) ، في الشمال؛ وقبرص في الغرب. وتنُشر في إسرائيل، غالباً بمعونات مالية من الدولة، أو بأشكال أخرى من الدعم، كمية كبيرة من الأبحاث والمناقشات الثقافية القائمة على أسا س ھذه الحدود، والمشمولة في الأطا لس والكتب والمقالات، وفي أشكال شعبية أكثر، من أشكال الدعاية .ومن المؤكد أن الراحل (متير)كاھانا وأتباعه، بالإضافة الى ھيئات نافذة أخرى مثل حركة غو ش ايمونيم، لا يرغبون، بفتح إسرائيل لھذه الأراضي فحسب، بل يعتبرون مثل ھذا الفتح عملاً موصى به من الله، وسوف يكو ن نجاحه مؤكداً بما أن الله سيساعد فيه . وفي الواقع، ھناك شخصيات دينية يھودية مھمة، تعتبر رفض إسرائيل الشروع في حرب مقدسة من ھذا النوع، أو ما ھو أسوأ من ذلك، إعادتھا صحراء سيناء لمصر، خطيئة قومية، عاقبھا الله عليھا، عن حق .وكان أحد حاخامات غو ش ايمونيم، والمد عو دوف ليور، حاخام مستوطنة كريات أربع اليھودية في الخليل، والأكثر نفوذاً من غيره، قد 1985، كان عقاباً أعلن تكرارا،ً بأن إخفاق إسرائيل في غزو لبنان في السنوات 1982 إلھياً استحقته عن جدارة لخطيئتھا في " إعطاء جزء من أر ض إسرائيل " ( أي سيناء ) لمصر. وعلى الرغم من أنني اخترت، والحق يقال، مثلاً متطرفاً على الحدود التوراتية لأرض إسرائيل، التي تعود ل "الدولة اليھودية " ، فإن ھذه الحدود تتمتع بشعبية كبيرة في الدوائر القومية الدينية .وھناك صيغ أقل تطرفا،ً للحدود التوراتية، التي تُسمى أحيانا،ً " الحدود التاريخية"أيضاً.ولكن ينبغي التشديد على أن مفھوم الحدود التوراتية أو الحدود التاريخية كالحدود المعينة للأرض التي تعود لليھود بالحق، أمر لا تنكره في داخل إسرائيل، ولا في وسط جالية مؤيديھا اليھود في الشتات، لأسباب مبدئية، إلا أقلية صغيرة تعارض مفھوم الدولة اليھودية .وفيم ا عدا ذلك، فإن الاعتراضات على تحقيق مثل ھذه الحدود، عن طريق الحرب، اعتراضات براغماتية صرفة .ويستطيع المرء أن يدعي بأن إسرائيل اليوم، أضعف من أن تستطيع فتح كامل الأراضي التي " تعود " لليھود، أو أن يدعي بأن خسارة الأرواح اليھودية ( وليس الأرواح العربية !) ، التي تستلزمھا حرب غازية بھذه الضخامة، أھم من فتح الأراضي، ولكن لا يستطيع المرء، بحسب معايير اليھودية، أن يدعي بأن " أرض إسرائيل "ضمن أي حدود كانت، لا " تعود " لليھود كافة .وكان أريئيل شارون في أيار /مايو عام 1993 ، قد اقترح رسميا،ً في مؤتمر حركة الليكود، ضرورة أن تتبنى إسرائيل مفھوم الحدود التوراتية كسياستھا الرسمية . وكانت ھناك اعتراضات قليلة بعض الشيء، على ھذا الاقتراح، إن في الليكود أم خارجه، وكانت كلھا اعتراضات تقوم على أسباب براغماتية .كما أن أحداً لم يسأل شارون أين ھي بالضبط، الحدود التوراتية التي يلح على وجوب أن تحققھا إسرائيل . ودعونا نتذكر بأنه لم يكن ھناك أي شك في وسط الذين سموا أنفسھم لينيين، بأن التاريخ يتبع المبادئ التي وضعھا ماركس ولينين. وليس فقط المعتقد بذاته مھما كان دوغمائيا،ً ھو الذي يخلق الذھنية الاستبدادية، ولكن أيضاً رفض التشكيك به في أي وقت من الأ وقات، من خلال الحؤول دون مناقشته في العلن .لذلك يمكن القول بأنه يوجد عرق استبدادي قوي في المجتمع اليھودي الإسرائيلي، وفي شخصية يھود الشتات، الذين يعيشون "حياة يھودية " ، والمنظمين في تنظيمات يھودية صرفة. ومع ذلك، تطورت منذ قيام الدولة أيضا،ً استراتيجية إ سرائيلية كبرى لا تقوم على مبادئ " الأيديولوجية اليھودية " ، بل على اعتبارات استراتيجية أو امبريالية صرفة ولقد قدم الجنرال ( احتياط) شلومو غازيت ( 2) ، الذي كان قائداً سابقاً للاستخبارات العسكرية، وصفاً رسمياً وشفافاً للمبادئ التي تحكم مثل ھذه الاستراتيجية.

فبحسب رأي غازيت

" لم تتغير مھمة إسرائيل الرئيسية قط [منذ أن ھوى الاتحاد السوفييتي ]وھي باقية على أھميتھا الحاسمة .فموقع إسرائيل الجغرافي في وسط الشرق الأوسط العربي المسلم يجعل قَدرَ إسرائيل أن تكون الحارس الوفي للاستقرار في كامل البلدان المحيطة بھا .إن [دورھا]ھو حماية الأنظمة القائمة :لمنع عمليات التحول الراديكالية أو وقفھا، وعرقلة اتساع الحماسة الدينية الأصولية .ولھذه الغاية ستمنع إسرائيل حصول تغييرات ما وراء حدود إسرائيل، [ التي] ستعتبرھا تغييرات لا تُطاق، والى حد إحساسھا بأنھا مجبرة على استخدام كل قوتھا العسكرية من أجل منعھا أو اجتثاثھا". بكلام آخر، تھدف إسرائيل الى فرض الھيمنة على الدول الشرق أوسطية الأخرى .ولا حاجة للقول، بحسب غازيت، بأن لإسرائيل اھتماماً خيّراً باستقرار أنظمة الحكم العربية.فإسرائيل، برأي غازيت، بحمايتھا للأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، تؤدي خدمة حيوية " للدول المتقدمة صناعيا،ً والمھتمة جميعھا، اھتماماً شديدا،ً بضمان الاستقرار في الشرق الأوسط ".وھو يقول مجادلا،ً بأن أنظمة الحكم القائمة في المنطقة كان من شأنھا أن تنھار منذ وقت طويل لولا وجود إسرائيل، وأن ھذه الأنظمة باقية في الوجود فقط بسبب التھديدات الإسرائيلية .وقد تكون وجھة النظر ھذه وجھة نظر منافقة، ولكن على المرء في الوقت نفسه، أن يتذكر في مضامين من ھذا النوع، حكمة لارو ش فوكو القائلة بأن " النفاق ھو الضريبة التي يدفعھا الخبث للفضيلة ".وإن استرداد الأر ض ما ھو إلا محاولة للتملص من دفع أي ضريبة من ھذا النوع. ولا حاجة للقول بأنني أعارض أيضا،ً أصلاً وفرعا،ً السياسات الإسرائيلية غير الايديولوجية كما شرحھا غازيت بھذه الدرجة من الصحة والشفافية .وإنني أقرّ في الوقت نفسه، بأن أخطار سياسات بن غوريون أو شارون، بحوافزھا " الأيديولوجية اليھودية" ، ھي أسوأ بكثير من السياسات الامبريالية مھما كانت اجرامية .كما أن نتائج السياسات التي تنتھجھا أنظمة حكم أخرى مدفوعة بحوافز ايديولوجية تشير الى الاتجاه نفسه .ولأن عنصراً مھماً من العناصر المؤلفة للسياسة الإسرائيلية يقوم على أسا س " الأيديولوجية اليھودية " ، فإن تحليلھا يصبح أمراً لا بد منه سياسيا .ًكما أن ھذه الأيديولوجية تقوم بدورھا، على مواقف اليھودية التاريخية تجاه الأغيار، وھذه المواقف ھي أحد المواضيع الرئيسية لھذا الكتاب، فھي تؤثر بالضرورة، على العديد من اليھود، عن وعي أو بدون وعي .ومھمتنا ھنا أن نبحث في اليھودية التاريخية بالمصطلحات الواقعية. إن تأثير الايديولوجية اليھودية على العديد من اليھود سيكون أقوى ما دامت محجوبة أكثر عن المناقشة العامة .والمأمول ھو أن يقود نقا ش من ھذا النوع النا س الى اتخاذ موقف من الشوفينية اليھودية ومن الازدراء الذي يبديه عدد كبير من اليھود تجاه الأغيار ( الذي سنوثقه أدناه ) ، يكون مماثلاً للموقف المتخذ عادة، من معاداة السامية والأشكال الأخرى كافة لكراھية الغير والشوفينية والعنصرية .كما يُفترض، عن حق، بأن الفضح الكامل وحده، ليس لمعاداة السامية فحسب، بل لجذورھا التاريخية أيضا،ً يمكنه أن يكون الأسا س للقتال ضدھا، كذلك الأمر، يكون الأسا س للنضال ضد ھذه الظواھر . ويصح ذلك بصفة خاصة، اليوم، عندما نجد أن التأثير السياسي للشوفينية اليھودية والتعصب الديني، وعلى عكس الوضع الذي كان سائداً منذ خمسين عاماً أو ستين، ھو تأثير أكبر بكثير من تأثير معادا ة السامية .ولكن ھناك اعتبار آخر مھم أيضا،ً فأنا أؤمن بقوة، بأنه لا يمكن محاربة الشوفينية اليھودية ومعاداة السامية إلا في وقت واحد.

اليوتوبيا المغلقة؟

إن الخطر الفعلي للسياسات الإسرائيلية القائمة على الأيديولوجية اليھودية سيبقى أكبر من خطر السياسات القا ئمة على الاعتبارات الاستراتيجية الصرفة، حتى يجري تبني مثل ھذه المواقف تبنياً واسع النطاق .والفارق بين ھذين النوعين من السياسات، فارق عبرّ عنه تعبيراً جيداً ھيو تريفور روبر في بحث له بعنوان " السير توما س مور واليوتوبيا" ( 3) ، وقد أطلق عليھما صفتي الأفلاطونية والميكانيكية. لقد اعتذر ميكافيللي، على الأقل، عن الطرق التي اعتقد بأنھا ضرورية في السياسة . ولقد أسف على ضرورة العنف والاحتيال، ولم يطلق عليھما أي اسم آخر .ولكن أفلاطون ومور برراھما، شرط استخدامھما للمحافظة على جمھوريتيھما الفاضلتين. وعلى نحو مماثل، فإن المؤمنين الحقيقيين بھذه اليوتوبيا المسماة " الدولة اليھودية " ، والتي ستجتھد لإحراز الحدود التوراتية، ھم أكثر خطراً من الاستراتيجيين الكبار، من أمثال غازيت، لأن سياساتھم تبُررّ، إن عن طريق استخدام الدين أو ما ھو أسوأ، أو عن طريق استخدام المبادئ الدينية المعُلمنة التي تحتفظ بشرعية مطلقة .فبينما يرى غازيت، على الأقل، حاجة للمجادلة بأن التحكم الإسرائيلي يفيد أنظمة الحكم العربي، لم يدّع بن غوريون بأن إعادة إنشاء مملكة داوود وسليمان ستفيد أحداً غير الدولة اليھودية. وينبغي ألا يبدو الأمر غريباً إذا استخدمنا المفاھيم الأفلاطونية لتحليل السياسات الإسرائيلية القائمة على الأيديولوجية اليھودية .فقد تنبّه بضعة علماء، وكان أھمھم موشيه ھدا س، الذي ادعى بأن أسس " اليھودية الكلاسيكية" ، أي اليھودية كما أرساھا حكماء التلمود، أسس قائمة على التأثيرات الأفلاطونية، وخصوصاً على صور ة اسبارطة كما تظھر عن أفلاطون ( 4).وبحسب ھدا س، فإن إحدى السمات الحاسمة للنظام السياسي الأفلاطوني، والتي تبنتھا اليھودية في وقت مبكر جداً يعود الى عھد

63 ق .م.) ، كانت "ضرورة أن تكون كل مرحلة من مراحل السلوك -المكابيين ( 142

الإنساني خاضعة للتصديقات الدينية التي، في الواقع، ينبغي للحاكم أن يديرھا إدارة ماھرة".ولا يمكن أن يكون ھناك تعريف ل " اليھودية الكلاسيكية "وللطرق الماھرة التي أدارھا بھا الحاخامات، أفضل من ھذا التعريف الأفلاطوني .وعلى وجه الخصو ص، فقد ادعى ھدا س بأن اليھودية تبنت ما لخصه أفلاطون بنفسه ك " أھداف لبرنامجه " ، في الفقرة التالية المعروفة: الأمر الأساسي ھو أن أي شخص، رجلاً كان أم امرأة، يجب ألا يكون أبدا،ً من دون ضابط معين فوقه، وأن أي شخص كان يجب ألا يكتسب العادة الذھنية باتخاذ أي خطوة، بالجد أو بالھزل، على مسؤوليته الفردية .فعليه أن يعيش دائما،ً في السلم كما في الحرب، بعينيه نصب ضابطه الأعلى . ..أي باختصار، ينبغي لنا أن ندرّب الذھن حتى (Law 942 ab) . على ألا يُفكر بالعمل كفرد أو ألا يعرف كيف يعمل كفرد وإذا استبدلنا كلمة حاخام بكلمة ضابط سيكون لدينا صورة كاملة لليھودية الكلاسيكية . وھذه اليھودية ا لكلاسيكية ما زالت تؤثر تأثيراً عميقاً في المجتمع اليھودي الإسرائيلي، وتعيّن الى حد بعيد، السياسات الإسرائيلية.

The Openوھذه الفقرة المقتبسة أعلاه، ھي الفقرة التي اختارھا كارل بوبر في مؤلفه باعتبارھا تصف ماھية " المجتمع المغلق".فاليھودية ،Society and Its Enemies التاريخية وخليفتاھا، الارثوذوكسية والصھيونية، ھم الأعداء الألداء لمفھوم المجتمع المفتوح كما ھو مطبق في إسرائيل.فالدولة اليھودية، سواء أكانت قائمة على ايديولوجيتھا اليھودية الحالية، أم أصبحت حتى أكثر يھودية في طابعھا مما ھي عليه الآن، مستندة الى مبادئ الارثوذوكسية اليھودية، لا يمكنھا أبدا،ً أن تضم مجتمعاً مفتوحاً.وھناك خياران اثنان أمام المجتمع اليھودي الإسرائيلي، فھو يستطيع أن يصبح غيتو مولعاً بالقتال ومغلقاً تماما،ً أي اسبارطة يھودية، مدعوماً بكدح عبيد الأرض العرب، يحافظ على وجوده من خلال نفوذ ه على المؤسسة السياسية الأمريكية، وتھديداته باستخدام قوته النووية، أو يمكنه المحاولة ليصبح مجتمعاً مفتوحا .ًويعتمد الخيار الثاني على الفحص الأمين لماضيه اليھودي، وعلى الاعتراف بوجود الشوفينية اليھودية والاقتصادية اليھودية، وعلى الفحص الأمين لمواقف اليھودية من غير اليھود.

الحواشي

Walter Laquer, History Of Zionism, Schoken Publishers, Tel ، 1) بالعبرية

Aviv, 1974

. 2) أنظر يديعون أحرونوت، 27 نيسان، 1992

Hugh Trevor Roper Renaissance Essays, Fontana Press, 3) في

London , 1985

Moses Hadas, Hellenistic Culture, Fusion and Diffusion Columbia 4) أنظر

وخصوصاً الفصل السابع والفصل ،University Press, New York, 1959

العشرين.

الفصل الثاني

مقدمة

إن الصعوبة الأولى في الكتابة حول ھذا الموضوع ھي أن مصطلح " اليھودي "كان يستخدم خلال السنوات الخمسين الأخيرة بمعنيين مختلفين الى حد ما.وحتى نفھم الأمر، دعونا نتصور أنفسنا في العام 1780 .فالمعنى المقبول عالمياً آنذاك، لمصطلح " اليھودي" ، كان متطابقاً اساسا،ً مع ما فھمه اليھود بأنه المعنى الذي يشكل ھويتھم الخاصة.وھذه الھوية كانت دينية بالدرجة الأولى، ولكن قواعد السلوك الدينية حكمت تفاصيل السلوك اليومي في نواحي الحياة كافة، الاجتماعية والخاصة، فيما بين اليھود أنفسھم، وفي علاقاتھم مع غير اليھود أيضا .ًوكان صحيحاً حرفياً آنذاك، بأن اليھودي لم يكن باستطاعته حتى أن يشرب كوباً من الماء في بيت شخص غير يھودي .وكانت القوانين الأساسية نفسھا، الخاصة بالسلوك تجاه الأغيار، سارية المفعول، على حد سواء، من اليمن والى نيويورك. ومھما يكن المصطلح الذي يمكن أن يصف يھود عام 1780 ولا أريد أن أدخل في جدل الغيبيات حول مصطلحات مثل " الأمة"و " الشعب" ( 1) من الواضح بأن الطوائف اليھودية كافة، كانت آنذاك، منفصلة عن المجتمعات غير اليھودية التي كانت ھذه الطوائف تعيش في وسطھا. ولكن كل ھذا تغير بواسطة عمليتين متوازيتين بدأتا في ھولندا وانكلترا، واستمرتا في فرنسا الثورية وفي البلدان التي حذت حذو الثورة الفرنسية، ثم في الملكيات الحديثة في القرن التاسع عشر :فقد أحرز اليھود مستوى مھماً من الحقوق الفردية ( ومساواة قانونية في بعض الحالات ) ، وتدمرت السلطة القانونية التي كانت للطائفة اليھودية على أفرادھا .وينبغي لنا أن نلحظ بأن التطورين كانا يتحركان في وقت واحد، وأن أھمية التطور الثاني كانت حتى أكبر من أھمية التطور الأول، ولو أن سعة المعرفة بالتطور الثاني كانت أقل من سعة المعرفة بالتطور الأول. لقد كان للطوائف اليھودية منذ أيام الامبراطورية الرومانية البائدة، سلطة قانونية كبيرة على أعضائھا .ولم تكن ھذه السلطات فقط السلطات التي تنشأ من خلال التعبئة الطوعية للضغط الاجتماعي ( كمثل رفض التعاطي بأي شكل كان، مع يھودي أنزل به الحرمان الكنسي، أو حتى دفن جثته ) ، بل سلطة الإكراه العارية أيضا :ً سلطة الجلد والسجن والطرد وكانت كلھا عقوبات تستطيع المحاكم الحاخامية، التي تنطر في أنواع الجرائم كافة، إنزالھا بالفرد اليھودي، وبصورة شرعية تماما .ًوكان بالإمكان في العديد من البلدان واسبانيا وبولندا مثالان بارزان انزال حتى عقوبة الإعدام، وقد أنزلت بالفعل، وأحياناً من خلال استخدام طرق وحشية بصفة خاصة، مثل الجلد حتى الموت. ولم يكن كل ھذا مسموحاً به فحسب، بل كانت تشجع عليه صراحة، وعلى حد سواء، السلطات الرسمية في البلدان المسيحية والاسلامية، التي كان لھا في بعض الحالات، مصلحة مالية مباشرة أكثر، بالإضافة الى اھتمامھا عموما،ً بالمحافظة على القانون والنظام .وتوجد في المحفوظات الاسبانية، التي تعود الى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، سجلات لأوامر تفصيلية عديدة صادرة عن ملوك كاستيل واراغون الكاثوليك الأكثر تقوى، يأمرون فيھا موظفيھم الذين لا يقلوّن عنھم تقوى، بالتعاون مع الحاخامات لإجبار اليھود على المحافظة على فرائض يوم السبت .لماذا؟ لأنه في أي وقت كانت المحكمةالحاخامية تفرض فيه غرامة على يھودي بسبب انتھاكه ليوم السبت، كان الحاخامات يسلمون الملك تسعة أعشار الغرامة وكان ذلك الترتيب، ترتيباً فاعلاً ومربحاً جدا وعلى نحو مماثل، يستطيع المرء أن يستشھد من مؤلف المكتوب قبل العام 1832 ، والذي وضعه الحاخام الشھير موشيه سوفير، Responsa حاخام برسبورغ، ( براتيسلافا اليوم ) ، في ما كان آنذاك، المملكة المجرية ذات الاستقلال الذاتي، في الامبراطورية النمساوية، والذي خاطب به فيينا، في النمسا، بذاتھا، حيث كان اليھود قد منحوا بعض الحقوق الفردية الجديرة بالاعتبار ( 2).فھو يتفجع على حقيقة أن اليھود في فيينا أصبحوا متراخين في مسائل المحافظة على الفرائض الدينية، بالنظر الى خسارة جماعة المؤمنين اليھود ھناك، لسلطاتھا التي تخولھا معاقبة المجرمين، ويضيف قائلا :ً "عندما يخبرونني ھنا في برسبورغ، بأن يھودياً تجرأ وفتح حانوته خلال العطلات الصغرى، فإنني أرسل على الفور، شرطياً لسجنه". كانت ھذه أھم الحقائق الاجتماعية في الوجود اليھودي قبل قدوم الدولة الحديثة : فالمحافظة على قوانين الديانة اليھودية، وكذلك غرسھا في الأذھان، بواسطة التعليم، كانت تُفرض فرضاً على اليھود بالإكراه الجسدي، الذي لم يكن أحد ليستطيع الإفلات منه إلا بالتحول واعتنا ق ديانة الأكثرية، وھو أمر يبلغ مبلغ الانسلاخ الاجتماعي الكامل في تلك الظروف، ولھذا السبب كان الإقدام عليه متعذراً جداً إلا خلال الأزمات الدينية .(3) ولكن ما أن قامت الدولة الحديثة، حتى فقدت الطوائف اليھودية سلطات معاقبة الفرد اليھودي أو تھديده .وھكذا، انقصفت روابط أحد أكثر المجتمعات المغلقة انغلاقا،ً وأحد أكثر المجتمعات استبدادية في التاريخ البشري ككل .وقد جاءت عملية التحرر ھذه معظمھا من الخارج .وعلى الرغم من أن بعض اليھود ساعدوا فيھا، إلا أنھم كانوا قلة في البداية .وكان لھذا الشكل من التحرر عواقب خطيرة جد اً للمستقبل .فمثلما كان الأمر في حالة ألمانيا ( بحسب تحليل أ .ج.تايلور البارع ) ، حيث كان من السھل محالفة قضية الرجعية السياسية مع حب الوطن، لأن جيو ش الثورة الفرنسية وجيو ش نابليون، ھي، في الواقع، التي أدخلت حقوق الفرد والمساواة أمام القانون الى ألمانيا، فكان المرء يستطيع أن يوصم الحرية كقيمة غير ألمانية .كذلك الأمر، فقد أصبح من السھل جداً في وسط اليھود، وخصوصاً في إسرائيل، شن ھجوم فاعل جداً ضد الأفكار والمثل الإنسانية وحكم القانون (حتى لا نقول الديمقراطية ) ، كشيء "غير يھودي " ، أو "معاد لليھود" وھي كذلك عن حق، بمعنى من المعاني التاريخية وكمبادئ يمكن أن تستخدم لما فيه " المصلحة اليھودية " ، ولكنھا تفقد شرعيتھا إذا ما استُخدمت ضد " المصلحة اليھودية " ، كمثل أن يستجير العرب بھذه المبادئ نفسھا .وقد أدى ذلك أيضاً ومرة أخرى، كما حصل في ألمانيا وغيرھا من أمم أوروبا الوسطى الى كتابة تاريخ يھودي مضلل وعاطفي، مُفرط في الرومنطيقية، طُمست فيه الحقائق غير الملائمة كافة. لذلك لن يجد المرء في كتابات حنه ارندت الغزيرة، أن كان حول الاستبدادية أو حول اليھود، أو كليھما ( 4) ، أي تلميح، مھما كان صغيرا،ً الى ما كانت عليه حقيقة المجتمع اليھودي في ألمانيا في القرن الثامن عشر : إحراق الكتب واضطھاد الكتاب والنزاعات حول القوة السحرية للتعاويذ، وحظر التعليم غير اليھودي في أقصى ابتدائيته، مثل .( تدريس اللغة الألمانية الصحيحة، وبالطبع، الألمانية المكتوبة بالأحرف اللاتينية ( 5 كما أن المرء لن يجد في التواريخ اليھودية العديدة، المكتوبة باللغة الإنكليزية، الحقائق حول موقف الصوفية اليھودية ( الرائجة جداً في الوقت الحاضر، في نواح معينة )من غير اليھود:فھي تعتبرھم، حرفيا،ً قوائم للشيطان، وتعتبر أن الأفراد القلائل من بينھم، غير الشيطانيين ( أي ھؤلاء الذين اعتنقوا اليھودية )ھم في الحقيقة، أرواح يھودية ضلّت سبيلھا عندما انتھك الشيطان المقام السماوي للسيدة المقدسة (شخينة أو مترونيت، أحد العناصر الأنثوية للإله الرأ س، شقيقة وزوجة الإله الذكر الأصغر، بحسب الكابلاة).ولقد أعارت المراجع العظيمة الشأن، مثل غرش وم شولم، حُججھا لنظام من الأضاليل في المجالات الحساسة كافة؛ وأكثر ھذه المراجع شعبية ھي أشدّھا خداعاً وتضليلاً. أما النتيجة الاجتماعية لعملية التحرر ھذه فكانت أن اليھودي، وللمرة الأولى منذ عام 200 م ( 6) ، استطاع أن يكون حراً ليفعل ما يشاء، ضمن حدود القانون المدني لبلاده، ومن دون أن يضطر الى دفع الثمن لقاء ھذه الحرية، بتحوله واعتناقه ديانة أخرى .لقد منُح اليھود حرية طلب العلم وقراءة الكتب باللغات الحديثة، وحرية قراءة الكتب وكتابتھا بالعبرية من دون موافقة الحاخامات (كما كانت الحال في السابق بالنسبة الى أي كتاب بالعبرية أو الييديش ) ، وحرية تناول الطعام غير المُعد بحسب طقو س الشريعة اليھودية، وحرية تجاھل محرمات سخيفة عديدة تنظم الحياة الجنسية، وحتى حرية التفكير لأن الأفكار المحرمة ھي أكثر الخطايا خطورة كل ھذه الحريات منحتھا ليھود أوروبا ( ويھود بلدان أخرى فيما بعد)أنظمة حكم أوروبية حديثة، أو حتى مطلقة، على الرغم من أن أنظمة الحكم المطلقة كانت في الوقت نفسه أنظمة قمعية ومعادية للسامية.فقد كان نيكولاس الأول، قيصر روسيا، معادياً شھيراً للسامية، وقد أصدر عدداً من القوانين ضد اليھود في دولته .ولكنه عزز أيضا،ً القوى المحافظة على القانون والنظام في روسيا وليس فقط الشرطة السرية بل قوات الشرطة النظامية والجندرمة أيضاً فكانت النتيجة أنه بات من الصعب قتل اليھود بأوامر من حاخاماتھم، بينما كان من السھل جداً فعل ذلك في بولندا قبل العام 1795 .ولكن التاريخ اليھودي الرسمي يدين ھذا القيصر للأمرين معا ففي أواخر عقد 1830 ، على سبيل المثال، أمر الحاخام الأقد س ( تساديك)في بلدة يھودية صغيرة في أوكرانيا، بقتل مارق عن الدين، بإلقائه في المياه الغالية في حمامات المدينة، ولاحظت مصادر يھودية معاصرة بدھشة ورعب، بأن الرشوة " لم تعد مؤثرة " ، وبأن العقاب الشديد لم يطل الجناة الفعليين فحسب، بل الرجل الأقد س أيضا .ًفنظام حكم مترنيخ في النمسا، قبل العام 1848 ، كان نظاماً مشھوراً برجعيته، وكان موقفه من اليھود موقفاً غير ودّي، ولكنه لم يكن يسمح ، بتسميم النا س، ولا حتى بتسميم الحاخامات اليھود الليبراليين.وخلال العام 1848 عندما وھنت قوة النظام مؤقتا،ً كان أول ما فعله قادة الطائفة اليھودية في مدينة ليمبرغ الغاليسية ( لفوف اليوم )بحريتھم المستردة الجديدة، تسميم حاخام المدينة الليبرالية، الذي كانت الجماعة اليھودية غير الأرثوذوكسية، الصغيرة في المدينة، قد جاءت به من ألمانيا.وبالمناسبة فقد كانت ھرطقته الكبرى تأييده لمراسم بلوغ سن الالتزام التي كانت قد استُحدثت قبل وقت قصير، وممارسته ،(Bar Mitzvah) ، بالفرائض الدينية الفعلية لھا.

التحرير من الخارج

إذن، اكتسب مصطلح " اليھودي"خلال المائة والخمسين عاماً الأخيرة، معنى مزدوجا،ً ما أدى الى تشويش شديد لدى بعض النا س من ذوي النوايا الحسنة، في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزية، والذين يتصورون بأن اليھود الذين يلتقونھم في المناسبات الاجتماعية ھم "ممثلون"لليھود "عموماً".وفي بلدان أوروبا الشرقية كما في العالم العربي، تحرر اليھود من طغيان ديانتھم ومجتمعاتھم الخاصة، بواسطة قوى خارجية، في وقت متأخر جدا،ً وفي ظروف كانت غير مؤاتية لتحقيق تغيير اجتماعي داخلي . وفي معظم الحالات، وفي إسرائيل بصفة خاصة، حوفظ على المفھوم القديم للمجتمع، وعلى الايديولوجية نفسھا خصوصاً ما ھو موجه منھا نحو غير اليھود وعلى المفھوم نفسه الزائف تماماً للتاريخ .وھذا ما ينطبق حتى على بعض من ھؤلاء اليھود الذين انضموا الى الحركات التقدمية أو اليسارية.ويمكن أن يزودنا فحص للأحزاب

الراديكالية والاشتراكية الشيوعية بأمثلة عديدة على شوفينيين وعنصريين يھود متنكرين، انضموا الى ھذه الأحزاب فقط لأسباب تتعلق ب " المصلحة اليھودية " ، وقد حبّذ الموجودون منھم في إسرائيل، التمييز "ضد الأغيار " [غير اليھود ].ولا يحتاج المرء سوى أن يراجع ويفحص كيف استطاع العديد من اليھود الاشتراكيين، الكتابة عن الكيبوتس من دون أن يكلفوا أنفسھم عناء الإشارة الى كونه مؤسسة عنصرية، تستبعد استبعاداً كاملاً مواطني إسرائيل من غير اليھود، ليرى بأن الظاھرة التي نلمح اليھا ليست غير .( عادية على الإطلاق ( 7 وإذا تجنبنا التصنيفات القائمة على الجھل والنفاق، نجد أن كلمة " يھود "والكلمات المشتقة من مصدرھا، تصف مجموعتين اجتماعيتين مختلفتين، وحتى متناقضتين، ونجد أن خط التواصل بينھما يسير بسرعة الى الاختفاء بسبب السياسة الإسرائيلية . فمن جھة، ھناك المعنى الاسبتدادي التقليدي الذي سبق أن بحثناه؛ ومن جھة ثانية، ھناك اليھود بالأصل والنسب الذين استلھموا الأفكار العقيدة التي أطلق عليھا كارل بوبر اسم " المجتمع المفتوح ". ( وھناك بعض الذين لم يستلھموا ھذه الأفكار، وخصوصاً في الولايات المتحدة، ولكنھم يحاولون التظاھر بقبولھا). ومن المھم أن نلحظ بأن الخصائص كافة التي يفترض أن تكون خصائص يھودية وأعني بھا تلك الصفات التي ينسبھا المثقفون المزعومون الأفظاظ في الغرب، الى اليھود ھي خصائص حديثة لم تكن معروفة قط، خلال التاريخ اليھودي بمعظمه، وظھرت فقط عندما بدأت الطائفة اليھودية الاستبدادية تفقد سلطتھا .فلنأخذ مثلاً روح التفكه اليھودية الشھيرة .فالتفكه ليس فقط نادراً جداً في الأ دب العبراني ما قبل القرن التاسع

عشر ( ونجده فقط خلال بعض الفترات، في بلدان كانت فيھا الطبقة اليھودية العليا حرة نسبيا،ً من نير الحاخامات، مثل إيطاليا بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، أو إسبانيا المسلمة) ، بل إن التفكه والنكات أمور يمنعھا الدين اليھودي منع اً باتاً باستثناء النكات الموجھة ضد الديانات الأخرى، وھذا أمر له دلالته .فھجاء الحاخامات وقيادات الطائفة لم يكن يوماً موضوع استلھام لليھودية، حتى على نطاق ضيق، كما كان الأمر في المسيحية اللاتينية. ولم يكن ھناك مسرح كوميدي يھودي، بالضبط، كما لم يكن ھناك مسرح كوميدي في .( اسبارطة، ولسبب مماثل ( 8

ولنأخذ مثلا،ً محبة العلم؛ فإذا استثنينا التعليم الديني الصرف، والذي كان بحد ذاته، في حالة من الانحطاط والانحلال، نجد أن يھود أوروبا ( ويھود البلدان العربية أيضا،ً في حدود أقل، نوعاً ما)قبل حوالي العام 1780 ، كان يسيطر عليھم شعور بالازدراء والكراھية الفائقة، لكل أنواع العلم ( باستثناء دراسة التلمود والصوفية اليھودية ). فأقسام كبيرة من التوراة والشعر العبراني غير الديني كافة ومعظم المؤلفات حول الفلسفة اليھودية، جميعھا لم تكن تُقرأ، وكانت أسماؤھا غالباً ما تستدرج اللعن .كذلك الأمر، فقد كانت دراسة أي لغة من اللغات ممنوعة منعاً باتا،ً مثلما كانت دراسة الرياضيات والعلوم .أما الجغرافيا ( 9)والتاريخ وحتى التاريخ اليھودي فإنھما لم يكونا معروفين قط .وكان حسّ النقد، الذي يُفترض أنه يمثل ميزة بارزة من ميزات اليھود، كان غائباً كليا،ً ولم يكن ھناك ما ھو ممنوع ومثير للفزع، وبالتالي مضطھد، مثلما كان الإبداع في أقصى تواضعه، والنقد في أقصى براءته. لقد كان عالمھم عالماً غارقاً في الاعتقاد المرذول بالخرافات، وفي التعصب والجھل في أقصى صورة؛ عالماً استطاعت فيه المقدمة الخاصة بأول عمل جغرافي باللغة العبرية ( نشر في روسيا، عام 1803 ) ، أن تشكو من أن عدداً كبيراً جداً من الحاخامات كانوا ينكرون وجود القارة الأميركية، ويقولون بأن وجودھا "مستحيل".ولم يكن يوجد ما ھو مشترك بين ذلك العالم وبين ما يعتبرونه في الغرب، في أغلب الأحيان، بأنه " يميّز " اليھود، إلا الخطأ في التسمية. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من اليھود في عالمنا اليوم، يحنّون الى ذلك العالم، الى فردوسھم المفقود، المجتمع المغلق المريح، الذي لم يتحرروا منه بقدر ما طردوا منه . لقد كان قسم كبير من الحركة الصھيونية يرغب دائماً بإعادة ھذا المجتمع الى سابق عھده وھذا القسم ھو الذي امتلك النفوذ .كما أن العديد من الدوافع الكامنة وراء السياسة الإسرائيلية، التي تحيرّ " أصدقاء"إسرائيل المساكين والمرتبكين في الغرب، يمكن أن تصبح قابلة للتفسير تفسيراً كاملا،ً مجرد ما أن ينُظر اليھا كردّة، ردة فعل بالمعنى السياسي، وھو المعنى الذي حملته ھذه الكلمة خلال المائتي سنة الأخيرة:عودة قسرية وتجديدية في نواح عديدة، وبالتالي وھمية، الى المجتمع المغلق للماضي اليھودي.

عقبات دون الفھم

يمكننا تاريخيا،ً أن نبين بأن المجتمع المغلق، لا شك أنه مجتمع غير مھتم في وصف لذاته، لأ ن أي وصف ھو في جزء منه، شكل من أشكال التحليل النقدي، الذي قد يشجع بالتالي، أفكاراً نقدية "ممنوعة".فكلما أصبح المجتمع مفتوحاً كلما اھتم بالتفكير مليا،ً بالوصف اولا،ً ثم بالنقد، في عمله الحاضر وماضيه أيضا .ًولكن ماذا يحصل عندما ترغب في فئة من المثقفين، في جرّ مجتمع أصبح منفتحاً الى حد كبير، الى حالة المغلقة والاستبدادية السابقة؟ إن الذي يحصل عندئذ ھو أن الوسائل نفسھا التي تحقق بھا التقدم السابق، أي الفلسفة والعلوم والتاريخ وعلم الاجتماع بصفة خاصة، تصبح الأدوات الأكثر فعالية " في أيدي المثقفين لارتكاب الخيانة ".وإذ يُساء استخدامھا من أجل أن تخدم كوسائل للتضليل، فإن قيمتھا المعنوية تتدھور خلال العملية. ولم يكن لليھودية الكلاسيكية ( 10 ) سوى اھتمام ضئيل بوصف ذاتھا وتفسيرھا، لأفراد .( طائفتھا، سواء أكانوا من المتعلمين ( في دراسات التلمود )أم غير المتعلمين ( 11 وھناك دلالة على حقيقة أن كتابة التاريخ اليھودي، حتى بالأسلوب التسجيلي الجاف، قد توقفت توقفاً تاماً منذ أيام جوزفوس فلافيوس ( نھاية القرن الأول )وحتى عصر النھضة، عندما اتنعشت ھذه الكتابة لوقت قصير في إيطاليا وغيرھا من البلدان، حيث ( كان اليھود خاضعين لتأثير إيطالي قوي. ( 12 فالحاخامات، وانسجاماً مع صفاتھم، كانوا يخشون التاريخ اليھودي أكثر مما يخشون التاريخ العام، وقد كان أول كتاب حديث في التاريخ يصدر بالعبرية ( في القرن الساد س عشر)كتاباً بعنوان " تاريخ ملوك فرنسا، والملوك العثمانيين ".وتلا ھذا الكتاب عدد من كتب التاريخ التي تتناول الاضطھاد الذي يتعر ض له اليھود فحسب. أما الكتاب الأول عن التاريخ اليھودي بالذات ( 13 ) ، ( ويتناول الأزمنة القديمة ) ، فقد منعته السلطات الحاخامية العليا فورا،ً وطمسته، ولم يظھر مجدداً قبل القرن التاسع عشر . أكثر من ذلك، فقد أصدرت السلطات الحاخامية في أوروبا الشرقية، قراراً يقضي بمنع الدراسات غير التلمودية كافة، حتى وإن كانت لا تحتوي على شيء محدد يستحق اللعنة لأنھا تعد على الوقت الذي ينبغي أن يُصرف إما على دراسة التلمود أو على جمع المال الذي يجب أن يُستخدم بدوره، لتمويل علماء التلمود .ولم يتُرك إلا منفذ واحد، ألا وھو الوقت الذي ينبغي حتى لليھودي التقي أن يمضيه بالضرورة في المرحا ض.لكن الدراساتالمقدسة كانت ممنوعة في ھذا المكان غير النظيف، وكان مسموحاً فقط بقراءة التاريخ فيه، شرط أن يكون المؤلف مكتوباً بالعبرية، وأن يكون علمانياً تماما،ً والمقصود بذ لك أن المؤلف يجب أن يكون مخصصاً حصرا،ً للموضوعات غير اليھودية. ( ويستطيع المرء أن يتصور تلك القلّة من اليھود في ذلك الوقت، الذين نمى لديھم، وبإغواء من إبليس بلا ريب، اھتمام بتاريخ ملوك فرنسا، وھم يشكون دائماً لجيرانھم معاناتھم من إمساك المعدة . . . )ونتيجة لذلك، فقد كانت الأكثرية الساحقة من اليھود، قبل مائتي سنة، تعيش في ظلمة كلية، ليس فقط حول وجود أميريكا، بل حول التاريخ اليھودي ودولة اليھود المعاصرة أيضا؛ً وكان ھؤلاء قانعين تماماً بالبقاء على ھذه الحال.

التاريخ الاستبدادي

وفي أي حال، فقد كان ھناك مجال واحد لم يكن مسموحاً لھم فيه بالبقاء على قناعتھم بما لديھم وكان ھذا المجال الھجمات المسيحية على تلك النصوص المذكورة في التلمود والأدب التلمودي والمعادية للمسيحية خصوصا،ً أو للأغيار عموما .ًومن المھم أن نلاحظ بأن ھذا التحدي تطور متأخراً نسبياً في تاريخ العلاقات المسيحية اليھودية فقط منذ القرن الثالث عشر وما بعده . ( فقبل ذلك، كانت السلطات المسيحية تھاجم اليھودية مستخدمة إما حججاً من الإنجيل أو حججاً عامة، ولكنھا بدت على جھل تام بالنسبة الى محتويات التلمود ).ويبدو أن الحملة المسيحية ضد التلمود كان سببھا تحول يھود ضليعين في التلمود، الى الديانة المسيحية، وقد اجتذب العديدين منھم تطور الفلسفة المسيحية، بسمتھا الأرسطية ( وبالتالي الكونية )البارزة .(14) وينبغي الإقرار منذ البداية، بأن التلمود والأدب التلمودي وبمعزل عن سمتھما الملازمة المعادية عموماً للأغيار، و التي سنبحثھا بتفصيل أوسع في الفصل الخامس ينبغي الإقرار بأنھما يتضمنان أقوالاً منفّرة، وقواعد سلوكية موجھة تحديدا،ً ضد المسيحية، وعلى سبيل المثال، يقول التلمود، بالإضافة الى سلسلة من المزاعم الجنسية البذيئة ضد يسوع المسيح، بأن عقابه في الجحيم يقضي بإغراقه في غائط يغلي والقصد من ھذا القول ليس بالضبط، تحبيب المسيحيين الاتقياء بالتلمود . ويستطيع المرء أن يستشھد بإحدى قواعد السلوك التي تشيرعلى اليھود بإحراق أي نسخة من الإنجيل تقع في أيديھم، وإن يفعلوا ذلك علناً إذا أمكن . ( وھذه القاعدة ما زالت سارية المفعول حتى يومنا ھذا، بل تمارس فعلا؛ً وعلى ھذا النحو، أحرقت علنا،ً في آذار /مار س 1980 ، مئات النسخ من الإنجيل، في احتفال أقيم في القد س، برعاية ياد لأخيم، وھي منظمة دينية يھودية تقدم لھا المعونات المالية وزارة الأديان الإسرائيلية). وفي أي حال، وابتداء من القرن الثالث عشر، نمت في أوروبا ھجمة قوية مركزة في عدد من نقاطھا، ضد اليھودية التلمودية .ونحن لا نشير ھنا الى الافتراءات الجاھلة مثل التشھير الذي كان يشيعه الكھنة الغارقون في ظلمة الجھل، في المدن الريفية الصغيرة، ولكننا نشير الى المجادلات الجدية التي كانت تعقد في أفضل الجامعات الأوروبية في ذلك الوقت، والتي كانت تجري على قدر كبير من الانصاف، في ظروف ( القرون الوسطى. ( 15 فماذا كان الرد اليھودي أو بالأحرى الرد الحاخامي؟ الرد الأبسط كان سلاح الرشوة القديم، وسلاح الوسائل الخاصة المستخدمة من وراء الستار .فقد كان يمكن تدبير أي شيء عن طريق الرشوة في كثير من الأوقات، في معظم البلدان الأوروبية .ولم تكن ھذه الحكمة صادقة في أي مكان مثلما كانت صادقة في روما الباباوات في عصر النھضة.فالطبعة الأولى لمجموعة الشرائع التلمودية الكاملة، (ميشنه توراة ) ، لبن ميمون، التي لا تزخر بقواعد سلوك منفرّة للغاية ضد الأغيار كافة فحسب، بل بھجمات صريحة ايضا،ً ضد المسيحية والسيد المسيح ( الذي يضيف المؤلف بعد اسمه بكل تقوى، عبارة " فليھلك اسم الشرير ") ھذه الطبعة نُشرت بالكامل من دون أي حذف، عام 1480 ، في روما، خلال ولاية البابا سكستوس الرابع، الذي كان بابا نشيطاً جداً على الصعيد السياسي، وكانت لديه حاجة دائمة وملحة للمال . ( وقبل ھذا التاريخ ببضع سنوات، نُشرت في روما الطبعة الوحيدة الأقدم لمؤلف ابوليوس " الحمار الذھبي" ، من دون أن يُحذف منھا الھجوم العنيف على المسيحية .وكان الكسندر السادس بورجيا، من ھذه الناحية، ليبرالياً جداً أيضاً. وحتى خلال تلك الفترة، وقبلھا أيضا،ً كانت ھناك دائماً بلدان تشھد لفترة من الوقت، موجة اضطھاد معادية للتلمود .ولكن ھجمة ضارية أكثر تنسيقا،ً وأوسع انتشاراً رافقت عصر الإصلاح والإصلاح المضاد .وقد حضت ھذه الھجمة على مستوى أعلى من الأمانة الفكرية والمعرفة الأفضل باللغة العبرية في وسط العلماء المسيحيين .وابتداء من القرن الساد س عشر، أخضع الأدب التلمودي كله، بما فيه التلمود نفسھن للرقابة المسيحية في عدد من البلدان .واستمرت ھذه الرقابة في روسيا حتى العام 1917 .وكان بعض المراقبين، كما في ھولندا، أكثر ليناً من غيرھم، بينما كان بعضھم أكثر صرامة؛ وقد حُذفت منه المقاطع المنفرة أو عُدلّت. وقد تطورت من ھذا النزاع الدراسات الحديثة كافة حول اليھودية، خصوصاً تلك التي وضعھا يھود، وما زالت ھذه الدراسات حتى يومنا ھذا، تحمل العلامات الجلية على أصولھا؛ الخداع والتبريرات أو الجدالات العدائية لتنفيذ آراء الغير، واللامبالاة، أو حتى العداء، تجاه السعي الى الحقيقة. وكل ما يُسمى بالدراسات اليھودية عن الديانة اليھودية منذ ذلك الوقت وحتى يومنا ھذا، ھو عبارة عن جدالات ضد عدو خارجي أكثر مما ھو مناظرة داخلية. ومن المھم أن نلحظ بأن ھذه كانت في البداية، ميزة كتابة التاريخ في المجتمعات المعروفة كافة ( باستثناء اليونان القديمة التي تعرّض مؤرخوھا الليبراليون القدامى لھجمات السفسطائيين فيما بعد، بسبب وطنيتھم غير الكافية !)وكان ھذا صحيحاً عن المؤرخين الكاثوليك والبروتستانت القدامى، الذين خاضوا جدالات ضد بعضھم بعضا .ً وعلى نحو مماثل فقد، كانت التواريخ القومية الأوروبية المبكرة مشربّة بالقومية الفجّة واحتقار الأمم الأخرى المجاورة كافة .ولكن عاجلاً أم آجلا،ً يأتي الوقت الذي يجري فيه امرؤ ما، محاولة لفھم الصنم القومي أو الديني، وفي الوقت نفسه، لانتقاد بعض النواحي المھمة والعميقة في تاريخ الجماعة التي ينتمي اليھا ھو نفسه .وتتطور ھاتان العمليتان عادة، في وقت واحد وفقط عندما تصبح كتابة التاريخ "مناظرة بلا نھاية" كما قال بيتر غيل بفصاحة عوضاً من أن تكون استمراراً للحرب بالوسا ئل التاريخية . فقط عند ذلك، يصبح من الممكن كتابة تاريخ انساني يجتھد لصالح الدقة والانصاف، ومن ثم يتحول ھذا التأريخ، ليصبح إحدى أقوى أدوات الإنسانية وتثقيف الذات.

وھذا ھو السبب الذي من أجله تعيد أنظمة الحكم الاستبدادية الحديثة كتابة التاريخ أو تعاقب المؤرخين ( 16 ).فعندما يحاول مجتمع بأكمله العودة الى الاستبدادية، يُكتب تاريخ استبدادي، ليس بسبب الإكراه من أعلى، بل بسبب الضغط من أسفل، وھو ضغط فاعل أكثر .وھذا ما حصل في التاريخ اليھودي، وھو يشكل أول عقبة ينبغي لنا تجاوزھا.

آليات الدفاع

ما ھي الآليات المفصلة (غير الرشوة )التي اعتمدتھا الطوائف اليھودية، بالتعاون مع قوى خارجية، لدرء الھجمات عن التلمود وغيره من الأدبيات الدينية؟ يمكننا أن نميّز بضعة أساليب، كانت لجميعھا تبعات سياسية مھمة، انعكست في السياسات الإسرائيلية الحالية .وعلى الرغم من أن تزويد كل حالة من الحالات بقرين من سياسات [مناحم]بيغن او من سياسات حركة العمل الصھيونية، سيكون أمراً طويلاً مملا،ً فإنني على ثقة بأن القراء الملمين بتفاصيل سياسات الشرق الأوسط سيستطيعون ملاحظة أوجه الشبه. وآلية الدفاع الأولى التي سأبحث فيھا ھي آلية التحدي من طرف خفي، المقرون بمظھر المطاوعة الخارجي .وكما شرحت أعلاه، كان لتلك الفقرات التلمودية الموجھة ضد المسيحية أو ضد غير اليھود ( 17 ) ، إما أن تُحذف أو أن تُعدّل فالضغط كان قوياً جداً. ھذا ما جرى فعله :جرى حذف عدد قليل من الفقرات المنفّرة أكثر من غيرھا، من الطبعات كافة الصاد رة في أوروبا بعد أواسط القرن الساد س عشر .أما عبارات " الأغيار " في الفقرات الأخرى، ،(Nokhri) " و " الغريب (eino yehudi) " و "غير اليھود (goyim) الواردة في المخطوطات والمطبوعات القديمة كافة، كما في الطبعات كافة المنشورة في البلدان الإسلامية، فقد جرى إبدالھا بعبا رات مثل "عابد الأوثان "و " الكافر " ، وحتى " الكنعاني"أو " السامري" ، التي يمكن الاستبراء منھا، ولكن التي يمكن للقارئ اليھودي أن يميزّھا، ويتعرّف عليھا ككنايات ملطفّة للعبارات القديمة. وكلما تصاعد الھجوم كلما أصبح الدفاع مفصّلاً أكثر، ومؤدياً أحيانا،ً الى نتائج مأساوية دائمة.وقد أصبحت الرقابة في روسيا القيصرية، في فترات معينة، رقابة أكثر صرامة، فمنعت الكنايات المذكورة أعلاه، أيضاً بعدما أدركتھا على حقيقتھا .وعليه، استبدلت السلطات الحاخامية مصطلحات "عربي"و "مسلم" ( اسماعيلي بالعبرية، ويعني كليھما) ، وأحياناً مصطلح "مصري" ، وقد حسبت عن حق، بأن سلطات روسيا القيصرية لن تعترض على ھذا النوع من الإساءة .وجرى في الوقت نفسه، توزيع قوائم بشكل مخطوطة تتضمن كل ما حُذف من التلمود، وتشرح المصطلحات الجديدة المستخدمة كافة، وتشير الى كل ما حُذف من عبارات .وكان ينُشر في بعض الأحيان، وقبل الصفحة التي تحمل عنوان كل مجلد من مجلدات الأدبيات التلمودية، كلمة تنصّل عام، تعلن بكل جدية، وتُقسم في بعض الأحيان، بأن كل العبارات العدائية في المجلد تستھدف عباد الأصنام القدماء، أو حتى الكنعانيين الذين اندثروا منذ زمن طويل، أكثر مما تستھدف " الشعوب التي نعيش على أرضھا ".وبعد الفتح البريطاني للھند، لجأ بعض الحاخامات الى مھرب الادعاء بأن أي تعبير مشين بصفة خاصة، وينطوي على الازدراء، كانوا قد أقدموا على استخدامه، ھو تعبير مقصود فقط، ضد اليھود، وأحيانا،ً ضد سكان استراليا الأصليين، كأكباش فداء أيضاً. وغني عن القول، بأن كل ھذا كان كذبة محسوبة منذ البداية حتى النھاية .وما أن شعر الحاخامات بالأمن، في أعقاب إنشاء دولة إسرائيل، حتى أقدموا، ومن دون أي تردد، على إعادة المقاطع والعبارات المنفرّة كافة، في الطبعات الجديدة كلھا .وما زالت تُعاد طباعة قسم كبير من الأ دبيات التلمودية، بما فيھا التلمود نفسه، من الطبعات القديمة بسبب الكلفة الباھظة لكل طبعة جديدة .ولھذا السبب نُشر في إسرائيل كل ما حُذف من التلمود، المذكور أعلاه، في طبعة رخيصة بعنوان (حيسرونوت شا س ).وھكذا يستطيع المرء الآن، أن يقرأ بكل حرية، مقاطع من النوع ( 18 )الذي يأمر كل يھودي، أن يتلو كلما مرّ بالقرب من مدافن، تلاوة مباركة، إذا كانت المدافن يھودية، وإطلاق اللعنة على أمھات الموتى ( 19 ) ، إذا كانت المدافن غير يھودية ويجري، في الواقع، تلقين تلامذة المدارس اليھود لھذا الأمر التلمودي .ونجد في الطبعات القديمة إما أن اللعنة محذوفة أو أن إحدى الكنايات حلّت محل مصطلح " الأغيار ".ولكننا نجد في الطبعة الإسرائيلية الجديدة للحاخام ادين ستينسالز، ( وھي طبعة كاملة مع تفسيرات وشروحات للأجزاء الآرامية من الكتاب، حتى لا يساور تلامذة المدارس أي شك فيما ينبغي لھم قوله ) ، نجد أن مصطلحات جلية مثل " الأغيار "و " الغرباء "قد أعيدت الى النص. لقد أقدم الحاخامات بفعل الضغط الخارجي، على إزالة بعض المقاطع أو تعديلھا، على نحو مضلل، ولكنھم لم يزيلوا في الممارسات الفعلية المُوصى بھا في ھذه المقاطع أو يعدلّوھا.وينبغي أن نتذكر، وان يتذكر اليھود أنفسھم بصفة خاصة، حقيقة أن مجتمعنا الاستبدادي اعتمد ولقرون من الزمن، عادات بربرية وغير إنسانية لتسميم عقول أفراده، وبأنه ما زال يفعل ذلك . ( ولا يمكننا انتحال الأعذار لھذه العادات غير الإنسانية، باعتبارھا مجرد ردة فعل على معاداة السامية أو اضطھاد اليھود؛ فھي عادات بربرية لا داعي لھا، موجھة ضد كل كائن من الكائنات البشرية .لنقُل مثلا،ً أن يھودياً من الأتقياء، وصل للمرة الأولى، الى استراليا، وصادف مروره بالقرب من مدفن خاص بالسكان الأصليين، فعلى ھذا اليھودي التقي وكفعل عبادة " الله أن يلعن الأموات ؛(Aborigines) المدفونين فيه). وإننا جميعاً نصبح شركاء في ھذا الخداع إذا لم نواجه ھذه الحقيقة الاجتماعية الواقعية، متواطئين في عملية تسميم أجيال الحاضر وأجيال المستقبل، مع كل ما لھذه العملية من عواقب.

الخداع مستمر

لم يواصل علماء اليھودية المعاصرون ھذا الخداع فحسب، بل أجروا في الواقع، تحسيناً على الأساليب الحاخامية القديمة، أن في سفاھتھا أم في كذبھا .وإنني ھنا سأحذف، التواريخ المختلفة لمعاداة السامية، باعتبارھا غير جديرة بالدرس الجدي، وسأكتفي بتقديم ثلاثة أمثلة خاصة، ومثل عام واحد، على التضليلات " العلمية "الأكثر حداثة.ففي عام 1962 ، نُشر في القد س، باللغتين العبرية والإنكليزية، جزء من كتاب الشرائع لبن ميمون، المشار اليه آنفا،ً والمسمى كتاب المعرفة، الذي يتضمن القواعد الأساسية جداً للإيمان اليھودي وفراضه؛ وقد وُضعت الترجمة الإنكليزية في مقابل .( النصل العبري ( 20 فقد أعيد النص العبري الى نقاوته الأصلية، وتظھر فيه كاملة الوصية القاضية بإبادة الكفرة من اليھود والقائلة : "من واجب المرء إبادتھم بأيديه ".ولكن ھذه الوصية تظھر بصورة ملطفة نوعاً ما في الترجمة الإنكليزية، فتقول : "من واجبالمرء أن يتخذ إجراءات فعلية لتدميرھم ".ولكن النص العبري يستطرد ليحدد أمثلة رئيسية على " الكفرة " ( الذين تنبغي إبادتھم "مثل يسوع الناصري وتلامذته، وتسادوك وبايتوس ( 21 وتلامذتھما، وعسى أن يتعفّن اسم الشرير ".وما ينطوي على مغزى أكبر، أن أحدا،ً بحسب علمي، لم يحتج على ھذا التضليل الصارخ، على الرغم من توزيع ھذ الكتاب على نطاق واسع، في وسط العلماء في البلدان الناطقة بالإنكليزية. أما المثل الثاني فيأتي من الولايات المتحدة الأميركية، وأيضا،ً من الترجمة الإنكليزية لأحد كتب بن ميمون . إن بن ميمون ھذا، الى جانب عمله على جمع شرائع التلمود وتصنيفھا كان فيلسوفا أيضا،ً ويعُتبر مؤلفه " دليل الحائرين" ، وعن حق، أعظم المؤلفات في الفلسفة الدينية اليھودية، المقروءة والمستخدمة على نطاق واسع، حتى في يومنا ھذا .وكان بن ميمون، ولسوء الحظ، بالإضافة الى موقفه اتجاه الأغيار عموما،ً والمسيحيين خصوصا،ً عنصرياً معادياً للسود أيضاً.فقبيل نھاية الدليل، وفي فصل أساسي منه ( الكتاب الثالث، الفصل 51 ) ، يبحث بن ميمون كيف تستطيع فئات مختلفة من البشر التوصل الى القيمة الدينية العليا، أي العبادة الحقيقية لله، ليحدد من بين ھذه الفئات، تلك الفئة التي لا تستطيع حتى الاقتراب من ھذه القيمة، فيقول: " بعض الأتراك ( أي العنصر المغولي )والبدو في الشمال، والسود والبدو في الجنوب، وأولئك الذين يشبھونھم في أقاليمنا .فطبيعة ھؤلاء البشر كمثل طبيعة الحيوانات البكماء، وھم بحسب رأيي، ليسوا في مستوى البشر، ومستواھم بين أشياء الوجود، ھو دون مستوى الإنسان، وأعلى من مستوى القرد، لأن لھم أكثر مما للقرد، صورة الإنسان والشبه له". فماذا يفعل المرء الآن بمقطع كھذا، في مؤلف ھو غاية في الأھمية والضرورة حول الديانة اليھودية؟ ھل يواجه الحقيقة وتبعاتھا؟ لا سمح الله !ھل يعترف (كما فعل العديد من العلماء المسيحيين، على سبيل المثال، في ظروف مشابھة )بأن مرجعاً يھودياً مھماً جدا،ً كان يحمل وجھات نظر مسعورة، معادية للسود أيضا،ً فيقوم من خلال ھذا الاعتراف بمحاولة لتثقيف الذات بالإنسانية الحقيقية؟ بئس ھذه الفكرة .وأكاد أتخيل العلماء اليھود في الولايات المتحدة الأميركية وھم يتشاورون فيما بينھم، ويتساءلون : "ما العمل؟ " لأن الكتاب كان ينبغي أن يتُرجم بسبب تدھور المعرفة باللغة العبرية في وسط اليھود الأميركيين.ولقد وُجد الحل المبھج للنفس، إما نتيجة التشاور أو الإلھام الفردي، وتضمنته الترجمة الأميركية الشعبية للدليل، التي وضعھا أحدھم، ويدعى فريدلاندر، والتي نُشرت، للمرة الأولى، عام 1952 ، ثم أعيدت طباعتھا مراراً عديدة منذ ذلك التاريخ، بما في ذلك بضع طبعات في أغلفة ورقية .ففي ھذه الترجمة نُقلت كلمة كوشيم العبرية، وتعني السود، الى الإنكليزية لتصبح كوشايتس، وھي كلمة لا تعني شيئاً لھؤلاء الذين لا يفقھون العبرية، كما أن أي حاخام خدوم لن يعطي تفسيراً شفوياً لھا ( 22 ).ولم يحدث أن قيلت كلمة واحدة طوال ھذه السنوات، للإشارة الى الخداع الأولي، أو الى الحقائق الإجتماعية التي يرتكز عليھا استمرار ھذا الخداع .وكل ھذا، طوال سنوات الإثارة الناجمة عن حملات مارتن لوثر كينغ، والتي كان يدعمھا عدد من الحاخامات، ھذا إذا لم نذكر الشخصيات اليھودية الأخرى، التي كان بعضھا يعرف، بلا ( شك، الموقف العنصري المعادي من السود الذي يشكل جزءاً من تراثھم اليھودي. ( 23 ولا ريب أن وجد المرء نفسه مدفوعاً الى الفرضية القائلة بأن عدد اً لا بأ س به من الحاخامات المؤيدين لمارتن لوثر كينغ، كانوا إما معادين للسود، وقد دعموه لأسباب تكتيكية تتعلق ب " المصلحة اليھودية " ( رغبتھم بكسب دعم السود لليھود الأميركيين ولسياسات إسرائيل)أو منافقين بارعين الى حد انفصام الشخصية، قادرين على الانتقال السريع جداً من المتعة الدفينة بالعنصرية المسعورة الى الارتباط المُعلن بنضال معاد للعنصرية، والمراوحة بين ھذه المتعة وذاك الارتباط. ويأتي المثل الثالث من عمل ينطوي على درجة أقل بكثير من القصد العلمي الجدّي ولكنه يتمتع بشعبية أكبر لھذا السبب بالذات .وھذا العمل ھو مؤلف "مباھج اليديش " لليو روستين.فھذا المؤلف غير الجدي الذي نُشر للمرة الأولى (The joys Yiddish) في الولايات المتحدة، عام 1968 ، وأعيدت طباعته مرات عديدة، بما فيھا بضع طبعات صادرة عن دار بنغوين بأغلفة ورقية ھو عبارة عن سرد قاموسي لكلمات باليديش، التي غالباً ما يستخدمھا اليھود، أو حتى غير اليھود في البلدان الناطقة بالإنكليزية . ويوجد، بالإضافة الى التعريف المفصّل لكل كلمة مدونّة، مع نادرة مسلية تُظھر كيفية استخدامھا، مصدر اشتقاق الكلمة، يحدد ( بدقة، إجمالا )ًاللغة التي أتت منھا ھذه الكلمة الى اليديش، ومعناھا في تلك اللغة .ولكن كلمة شايغيتس ومعناھا الرئيسي " فتى أو شاب من الأغيار" ھي الاستثناء:إذ يقول المؤلف بصورة غامضة، بأنھا مشتقة بالأصل من العبرية، ولكن من دون أن يعطي شكلاً للكلمة العبرية الأصلية أو معنى.ولكن فيما يتعلق بكلمة شيكسا وھي مؤنث شايغيتس فإن المؤلف يعطيھا كلمتھا العبرية الأصلية، شيكيتس، ( أو شيكس، كما نقل لفظھا من العبرية ) ، ويعرّف معناھا بالعبرية فيقول بأنھا تعني " وصمة"وھذه كذبة سافرة، كما يعرف كل من يتكلم العبرية.فقاموس ميجدو العصري عبري انكليزي، الصادر في إسرائيل، يعرّف كلمة شيكيتس تعريفاً صحيحاً كما يلي "حيوان غير نظيف؛ مخلوق مقزز للنفس، ورجس ( وبالعامية تلُفظ شايغيش) ، وحقير، وفتى معاند، وفتى من الأغيار". أما مثلي الأخير، الأكثر عمومية، إذا كان ذلك ممكنا،ً فھو مثل مريع أكثر من غيره، ويتعلق بموقف الحركة الحسيدية تجاه الأغيار .فالحسيدية التي تشكل استمراراً ( وانحطاطاً!)للصوفية اليھودية ما زالت حركة حية ترُزق، لھا أنصارھا النشيطون الذين يعدون بمئات الآلاف، والمخلصون إخلاصاً متعصباً " لحاخاماتھم المقدسين" ، الذين اكتسب بعضھم نفوذاً سياسياً كبيراً في إسرائيل، في وسط قادة معظم الأحزا ب، ونفوذاً أكثر في وسط المراتب العليا في الجيش. ما ھي إذن، وجھات نظر ھذه الحركة بالنسبة الى غير اليھود؟ دعونا نأخذ، على سبيل المثال، كتاب "ھاتانيا"الشھير، وھو الكتاب الأساسي لحركة حباد، أحد أھم فروع الحسيدية.فالأغيار كافة، بحسب ھذا الكتاب، مخلوقات شيطانية كلية، "لا يوجد فيھا ما ھو خيرّ إطلاقا "ً.حتى أن الجنين غير اليھودي يختلف نوعياً عن الجنين اليھودي .كما أن وجود غير اليھودي، بحد ذاته، وجود "غير ضروري " ، حيث أن كل الخليقة كانت من أجل اليھود وحدھم. ويوزع ھذا الكتاب في طبعات لا تُعد ولا تُحصى، ويزيد في بث أفكاره وإشاعتھا " الأبحاث المستفيضة"العديدة لفوھور حركة حباد بالوراثة، الحالي، المسمى الحاخام اللوبافيتشي م .م. شنيئورسون، الذي يقود من مقره في نيويورك، ھذه المنظمة القوية، المنتشرة في أنحاء العالم . أما في إسرائيل، فتنُشر ھذه الأفكار على نطاق واسع، في وسط عامة النا س، وفي المدارس، وفي الجيش . ( وبحسب شھادة عضو الكنيست، شولاميت الوني، تضاعفت دعاية حباد بصفة خاصة، قبيل الغزو الإسرائيلي للبنان، في آذار /مار س 1978 ، من أجل حضّ الأطبار والممرضين العسكريين، على حجب المساعدة الطبية عن "جرحى الأغيار ".وھذه المشورة شبه النازية لم تُشر تحديدا،ً الى العرب أو الفلسطينيين، بل الى " الأغيار" ، الغوييم، بكل بساطة).وكان أحد رؤساء دولة إسرائيل السابقين، زلمان شازار، من أنصار حباد الغيورين، وقد سعى، علنا،ً عدد من كبار السياسيين الإسرائيليين والأميركيين وعلى رأسھم مناحم بيغن - ، لكسب ودّ ھذه الحركة وتأييدھا، على الرغم من أن عامة النا س تكنُّ كرھاً شديداً للحاخام اللوبافيتشي فھو، في إسرائيل، وبقائه في نيويورك لأسباب ربانية خلاصية مبھمة، في الوقت الذي يشتھر فيه موقفه المعادي للسود في ھذه المدينة. وحقيقة أن حباد، على الرغم من ھذه المصاعب البراغماتية، تستطيع أن تكون حركة تتمتع بالتأييد العلني لھذا العدد من كبار الشخصيات السياسية، تعود الى حد كبير، للمعالجة المخاتلة والمضللة تماما،ً التي اعتمدھا جميع العلماء تقريبا،ً ممن كتبوا عن الحركة الحسيدية وفرعھا الحبادي .وھذا ينطبق، بصفة خاصة، على كل الذين كتبوا، أو يكتبون عنھا باللغة الإنكليزية .فھم يطمسون الأدلة الساطعة في النصو ص الحسيدية القديمة، بقدر ما يطمسون المضامين السياسية الأحدث عھدا،ً الناجمة عنھا، والتي تحدث حتى في وجه القارئ غير المبالي للصحافة العبرية الإسرائيلية، التي ينشر فيھا الحاخام اللوبافيتشي وغيره من قادة الحسيديم، وبصورة دائمة، أقوالاً وتحريضات مسعورة ومتعطشة للدماء، ضد العرب كافة. والمخادع الرئيسي في ھذه الحالة، والمثل الجيد الدال على قوة الخداع، كان مارتن بوبر.فأعماله العديدة في مديح الحركة الحسيدية ككل ( بما فيھا حباد ) ، لا تشير ولو تلميحا،ً الى المبادئ الحسيدية الحقيقية المتعلقة بغير اليھود .وتصبح جريمة الخداع أكبر في ضوء حقيقة أن مدائح بوبر للحسيدية نُشرت أولا،ً بالألمانية خلال فترة تنامي النزعة القومية الألمانية، وصعود النازية الى السلطة .ولكن في الوقت الذي كان فيه بوبر معارضاً للنازية في الظاھر، كان يمجد حركة تحمل وتعلم مبادئ حول الأغيار، لا تختلف عن المبادئ النازية حول اليھود. صحيح أن للمرء أن يرد بالقول إن اليھود الحسيديم كانوا قبل سبعين عاماً أو خمسين، الضحايا، وأن " الكذبة البيضاء "التي تحابي الضحية، كذبة معذورة .ولكن نتائج الخداع لا تحصى.فأعمال بوبر ترُجمت الى اللغة العبرية لتصبح عنصراً قوياً من عناصر التعليم العبري في إسرائيل، وتزيد في قوة زعماء الحسيديم المتعطشين للدماء .فكانت بالتالي، عاملاً مھماً من عوامل تنامي الشوفينية الإسرائيلية وكراھية الأغيار كافة .وإذا فكرنا في العديد من الأرواح البشرية التي قضت متأثرة بجراحھا بسبب رفض ممرضي الجيش الإسرائيلي الاعتناء بھا، بحضّ من من الدعاية الحسيدية، فإن عبء المسؤولية الثقيل عن دمائھم، يقع على رأ س مارتن بوبر. وينبغي لي أن أذكر ھنا، بأن بوبر في تملقه للحركة الحسيدية، قد جاوز كثيرا،ً غيره من العلماء اليھود، خصوصاً ھؤلاء الذين كتبوا باللغة العبرية ( أو سابقا،ً باليديش ) ، وحتى ھؤلاء الذين كتبوا بلغات أوروبية ولكن لجمھور يھودي صرف .ولقد كان ھناك، في وقت من الأوقات، الكثير من النقد المبرر للحركة الحسيدية في مسائل تتعلق بمصالح يھودية داخلية.فكراھيتھم للمرأة ( التي تفوق في تطرفھا كثيرا،ً الكراھية للمرأة الشائعة في وسط الأرثوذوكسية اليھودية ) ، وانغماسھم في معاقرة الخمرة، وتقديسھم المتعصب ل "حاخاماتھم المقدسين " ، المتوارثين للمنصب، والذين يبتزون أموالھم، والمعتقدات الخرافية العديدة التي تميزھم عن غيرھم كل ھذه الأمور، وغيرھا من الصفات السلبية العديدة، كانت موضوع تعقيبات ناقدة .ولكن النصر كان حليف رومانسية بوبر العاطفية المضللة، خصوصاً في الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنھا كانت متناغمة مع الإعجاب الاستبدادي بكل ما ھو " يھودي حقيقي " ، ولأن بعض الدوائر اليھودية " اليسارية"التي كان لبوبر تأثير كبير عليھا، قد تبنت ھذا الموقف. ولم يكن بوبر وحده في ھذا الموقف وإن كان، برأيي، الأسوأ بما لا يُقا س في الشرور التي بتّھا، والتأثير الذي خلفه .فقد كان عالم الاجتماع والعالم التوراتي، يحزقئال كوفمان، ذو التأثير الشديد، الفيلسوف المثالي ھوغو شموئيل برغمان، من دعاة الإبادة الجماعية على غرار سفر يوشع؛ وكان قد دعا منذ 1914- 1915، الى طرد كل الفلسطينيين الى العراق، وطرد الكثيرين غيرھم .وكان جميع ھؤلاء من الحمائم في ظاھرھم، ولكنھم اعتمدوا صيغاً يمكن استخدامھا ببراعة بمعنى معاد أقصى العداء للعرب، وكانوا جميعاً ذوي ميول الى تلك الصوفية الدينية التي تشجع على نشر الأضاليل، كما كانوا جميعاً يبدون أناساً لطفاء، غير قادرين على إيذاء ذبابة حتى عندما كانوا يدعون الى الطرد والعنصرية والإبادة ولھذا السبب وحده كان تأثير أضاليلھم أكبر. وعلينا أن نناضل ضد تمجيد اللاإنسانية التي لا ينادي بھا الحاخامات وحدھم، بل أيضاً ھؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا أعظم علماء اليھودية، وبالتأكيد أكثرھم تأثيرا .ًوعلينا أن نردد في وجه الخلفاء الحديثين للأنبياء المزيفين والكھنة المخادعين وحتى في وجه الرأي الذي يكاد يكون إجماعياً في إسرائيل، وفي وسط غالبية اليھود في بلدان مثل الولايات المتحدة أن نردد تحذير لوكريتيوس من تخلي المرء عن قدرته على الحكم وتكوين الرأي، واستسلامه للكلام الخطابي الذي يطلقه الزعماء الدينيون : " يدفع الدين بالرجال الى ذرى كھذه من الشر "ّ.فالدين ليس دائماً أفيون الشعوب (كما قال كارل مارك س) ، ولكنه غالباً ما يمكن أن يكون كذلك، وھو عندما يُستخدم بھذا المعنى، بالمواربة وبعرض طبيعته على غير حقيقتھا، فإن العلماء والمثقفين الذين يؤدون ھذه المھمة يتخذون لأنفسھم شخصية مھربي الأفيون. ولكننا نستطيع أن نستخلص من ھذا التحليل، استنتاجاً آخر، أكثر عمومية، عن الوسائل الفاعلة والمفزعة للإكراه على فعل الشر، وعلى الغش والخداع، وإفساد شعوب بكاملھا، من دون تلطيخ الأيدي بالعنف، ودفع ھذه الشعوب الى ممارسة القمع والقتل. ( إذ لم يعد ھناك إمكانية لأي شك في أن أفظع أعمال القمع في الضفة الغربية، أعمال مدفوعة بالتعصب الديني اليھودي ).ويبدو أن معظم النا س يفترضون بأن أسوأ الأنظمة الاستبدادية تستخدم الإكراه الجسدي، ويرجعون الى التصور الخيالي في مؤلف [جورج]أورويل " 1984 " ، كنموذج يصورّ نظاماً من ھذا النوع .ولك ن يبدو لي أن وجھة النظر الشائعة ھذه، لھي على خطأ كبير؛ وإن الأصدق بالنسبة الى أخطار الطبيعة البشرية ھو حد س إسحاق عظيموف في رواياته العلمية حيث القمع الأسوأ ھو دائماً القمع الذي يستوعبه المرء وينطوي عليه فيصير عنده جزءاً من نفسه . فالحاخامات بل أكثر منھم، العلماء الذين نھاجمھم ھنا، ومعھم كل العصابة الصامتة بدورھا، من أشباه المثقفين الباحثين عما يسھل فھمه، كالكتاب والصحافيين والشخصيات العامة، الذين يكذبون ويخدعون أكثر منھم كل ھؤلاء وعلى عكس علماء ستالين المدجنين، لا يواجھون الموت أو معسكرات الاعتقال فحسب، بل الضغط الاجتماعي أيضا .ًفھم يكذبون بدافع وطنيتھم، لأنھم يعتقدون بأن واجبھم يقضي بأن يكذبوا من أجل ما يتصورونه المصلحة اليھودية .إنھم كَذبَة وطنيون، وإن ھذا الشعور الوطني ھو نفسه الذي يدفعھم الى الصمت عندما يجدون أنفسھم، وجھاً لوجه، أمام التمييز ضد الفلسطينيين واضطھادھم. وإننا نواجه أيضاً في الحالة ھذه، ولاء فئويا،ً ولكنه ولاء آتٍ من خارج الجماعة، يكون حتى أشد أذى في بعض الأحيان .فھناك العديد من غير اليھود، بمن فيھم رجال الدين المسيحيون والمتدينون من غير الكھنوتيين، بالإضافة الى بعض الماركسيين من الجماعات الماركسية كافة، الذين يحملون رأياً غريباً يقول بأن إحدى الطرق " للتكفير " عن اضطھاد اليھود، ھي الامتناع عن الكلام ضد الشرور التي يرتكبھا يھود، بل المشاركة في إطلاق " الأكاذيب البيضاء "عنھم .وإن تھمة معاداة السامية الفجّة ( أو تھمة "كراھية الذات "في حالة اليھود)التي تطلق ضد أي شخص يحتج على التمييز ضد الفلسطينيين، أو يشير الى أي حقيقة حول الديانة اليھودية، أو الماضي اليھودي، تھمة تتعارض مع " الصيغة الموافق عليھا " ، ھذه التھمة يُطلقھا أصدقاء اليھود من غير اليھود، بعداء وقوة أكبر مما يفعل اليھود أنفسھم . إن وجود ھذه الجماعة ونفوذھا الكبير في البلدان الغربية كافة وخصوصاً في الولايات المتحدة ( وفي غيرھا أيضا،ً من البلدان الناطقة بالإنكليزية ) ، ھو الذي أتاح للحاخامات وعلماء اليھودية، نشر أكاذيبھم، وليس فقط من دون معارضة، بل بمساعدة كبيرة أيضاً. في الواقع، إن ما فعله العديدون ممن تظاھروا بالعداء للستالينية، ھو مجرد استبدالھم صنماً بآخر لعبادته، وكانوا يميلون الى تأييد العنصرية والتعصب اليھودي، بحماسة ومخادعة أكبر مما كنا نجده في الماضي في وسط أكثر الستالينيين إخلاصا .ًوعلى الرغم من أن ظاھرة التأييد الأعمى والستاليني، لأي شر ما دام شراً يھوديا،ً ظاھرة تعززت ابتداء من عام 1945 ، عندما أصبحت الحقيقة عن إبادة اليھود الأوروبيين معروفة، فإنه من الخطأ الافتراض بأن ھذه الظاھرة بدأت آنذاك فحسب .وعلى العكس من ذلك، تعود ھذه الظاھرة الى تاريخ أبعد من ذلك بكثير، خصوصاً في الدوائر الاشتراكية الديمقراطية. وموسى ھيس، أحد أصدقاء ماركس الأوائل، الذي كان معروفاً ومحترماً على نطاق واسع كأحد أوائل الاشتراكيين في ألمانيا، كشف عن نفسه فيما بعد، كعنصري يھودي متطرف، وكانت آراؤه حول " العرق اليھودي النقي"التي نُشرت عام 1858 ، آراء لا تختلف بالمقارنة، عن اللغو حول " العرق الآري النقي".ولكن الاشتراكيين الألمان الذين ناضلوا ضد العنصرية الألمانية التزموا الصمت حول عنصريتھم اليھودية. وفي عام 1944 ، أباّن النضال الفعلي ضد ھتلر، صادق حزب العمال البريطاني على خطة من أجل طرد الفلسطينيين من فلسطين، كانت مماثلة لخطط ھتلر المبكرة (حتى حوالي العام 1941 ) ، بخصوص اليھود. وقد صودق على ھذه الخطة بضغط من الأعضاء اليھود في قيادة الحزب، الذين أظھر العديدون منھم موقفاً ينم عن القربى والود تجاه كل السياسات الإسرائيلية، أقوى مما كان يظھره في أي وقت، مؤيدو ايان سميث من المحافظين.ولكن المحظورات الستالينية على اليسار في بريطانيا، كانت أقوى من المحظورات على اليمين، إذ لا يجري أي نقا ش تقريبا،ً حتى عندما يؤيد حزب العمال حكومة [مناحم]بيغن. ويسود وضع مماثل في الولايات المتحدة؛ ومرة أخرى، يبدو الليبراليون الفئة الأسوأ من غيرھا. وليس المجال ھنا، مجال تحرّي التبعات السياسية كافة لھذا الوضع، ولكن علينا أن نواجه الحقيقة :إننا في نضالنا ضد عنصرية الديانة اليھودية وتعصبھا، سنجد بأن ألّد أعدائنا لن يكونوا العنصريين اليھود ( والذين يستخدمون العنصرية )فحسب، بل أولئك النا س ايضا،ً من غير اليھود، الذين يُعرفون في مجالات أخرى وزيفاً برأيي كأناس " تقدميين".

الحواشي

-1 أن اليھود بذاتھم وصفوا أنفسھم في كل مكان، كطائفة دينية، أو، حتى نكون أكثر دقة، كأمة دينية. " إن شعبنا ھو شعب فقط بسبب التوراة ( الشرائع الدينية)" إن ھذا القول لأحد أرفع المرا جع، الحاخام سعاديا ھاجاعون، الذي عا ش في القرن العاشر، وأصبح مضرب الأمثال. . -2 منحھم إياھا الإمبراطور جوزف الثاني، في العام 1782 -3 كل ھذا محذوف في كتب التاريخ اليھودية العامية، من أجل إشاعة الأسطورة القائلة بأن اليھود حافظوا على ديانتھم بفضل أعجوبة أو قوة خفية غريبة. على سبيل المثال، الذي خصص جزء ،Origins of Totalitarianism -4 في كتابھا كبير منه لليھود. -5 كان الحاخامات، قبل نھاية القرن الثامن عشر، يسمحون لليھود الألمان بكتابة الألمانية بالأحرف العبرية فقط، تحت طائلة الحرم الكنسي والجلد، الخ. -6 عندما أدت صفقة بين الإمبراطورية الرومانية والقادة اليھود (حكم أسرة النسيعيم) ، الى إخضاع كل اليھود في الإمبراطورية للسلطة التأديبية والمالية لھؤلاء القادة ومحاكمھم الحاخامية، بعدما أخذوا على عاتقھم المحافظة على النظام في وسط اليھود. -7 أكتب ذلك لكوني غير اشتراكي.ولكنني سوف أجلّ وأحترم النا س الذين أخالفھم في مبادئھم، إذا ما بذلوا جھداً مخلصاً ليكونوا أوفياء لمبادئھم .وعلى العكس من ذلك، ليس ھناك ما ھو أحقر من الاستخدام غير الصادق للمبادئ الجامعة، صحيحة كانت أم غير صحيحة، من أجل الأھداف الأنانية للفرد، أو ما ھو أسوأ، من أجل الأھداف الأنانية للجماعة. -8 أن العديد من جوانب اليھودية الأرثوذوكسية مستقاة في الواقع، من أسبارطة، على ما يبدو، وذلك عبر النفوذ السياسي المفسد لأفلاطون .أنظر، حول ھذا Hellenistic culture, Fusion الموضوع، التعليقات الممتازة لموسى ھدا س في .and Diffusion, Columbia University Press, New York , 1959. -9 بما في ذلك جغرافية فلسطين وبالطبع، موقعھا بالذات .ويبين ذلك توجه الكنس اليھودية كافة في بلدان بولندا وروسيا :فمن المفترض على اليھود أداء الصلاة وھم يواجھون القد س، وكان اليھود الأوروبيين الذين لم تكن لديھم إلا فكرة غامضة عن موقع القد س، يفترضون دائماً بأنھا باتجاه الشرق، بينما كان موقع القد س بالنسبة اليھم في الواقع، ھو أكثر باتجاه الجنوب. -10 إنني أستخدم من بداية ھذا الفصل وحتى نھايته، مصطلح اليھودية الكلاسيكية للإشارة الى اليھودية الحاخامية كما برزت بعد عام 800 م تقريبا ،ً ودامت حتى نھاية القرن الثامن عشر، وإنني أتجنّب مصطلح " اليھودية المعيارية"الذي يستخدمه العديد من المؤلفين ليؤدي المعنى نفسه تقريبا،ً لأن لھذا المصطلح في رأيي، معاني ضمنية غير مبررة. -11 إن أعمال اليھود الھيللينيين مثل فيلو الاسكندرية، تشكل استثناء .لقد كتبت قبل أن تحرز اليھودية مكانة الھيمنة الحصرية .ولقد منُع نشر ھذه الأعمال فيما بعد بالطبع، وفي وسط اليھود، ولم تبق إلا لأن الكھنة المسيحيين وجدوھا ملائمة. -12 خلال كامل الفترة بين عام 100 م وعام 1500 م، كتُب كتابان عن الرحلات وكتاب تاريخ واحد للدراسات التلمودية وھو كتاب قصير وغير دقيق وممل، كتبه علاوة على ذلك، فيلسوف مُحتقر ( ابراھيم بن دافيد، في إسبانيا، في حوالي العام .(1170 . -13 "ميصور عينايم"لعزاريا دي روسي من فيرارا في إيطاليا، 1574 -14 الحالات المعروفة أكثر من غيرھا كانت في إسبانيا؛ على سبيل المثال ( وإذا كان لنا أن نستخدم الأسماء المسيحية التي تبنوھا لأنفسھم )الاستاذ الفونسو من فالا دوليد، الذي اعتنق المسيحية في عام 1320 ، وبول من سانتا ماريا، الذي اعتنق المسيحية في عام 1290 وعيُّن أسقفاً لبورغو س في عام 1415 .ولكن بالإمكان أن نذكر العديد من الحالات الأخرى، من أ نحاء أوروبا الغربية. -15 بالتأكيد، كانت اللھجة، والنتائج أيضا،ً أفضل بكثير مما كانت في الجدالات التي اتُھم فيھا المسيحيون بالھرطقة مثلا،ً تلك التي أدين فيھا بيتر ابيلارد أو الفرنسيسكانيون المتشددون. -16 إن المثالين الستاليني والصيني معروفان معرفة جيدة بما فيه الكفاية . إلا أنه من الجدير أن نذكر بأن اضطھاد المؤرخين الصادقين في ألمانيا بدأ في وقت مبكر جدا .ًففي العام 1874 سُجن ھ .ايوالد، وھو أستاذ في غوتينجن، بسبب تعبيره عن آراء "غير صحيحة "حول فتوحات فريدريك الثاني، قبل مائة عام . والوضع في إسرائيل مشابه :فأسوأ الھجمات ضدي لم تثرھا المصطلحات العنيفة التي استخدمھا في إداناتي للصھيونية ولاضطھاد الفلسطينيين، ولكن آثارھا مقال من أولى مقالاتي حول دور اليھود في تجارة الرقيق، وكانت آخر الحالات التي استشھدت بھا تعود الى عام 1870 .ولقد نُشر ھذا المقال قبل حرب 1967 ؛ ونشره في ھذه الأيام، سوف يكون مستحيلاً. -17 كان ينبغي في النھاية، إزالة بعض المقاطع الأخرى أيضا،ً مثل تلك التي بدت لا معقولة لاھوتياً (مثلا،ً حيث يُقال بأن، الله يصلي لنفسه، أو أنه يقوم جسديا،ً ببعض الممارسات التي أوصى الفرد اليھودي بالقيام بھا ) ، أو تلك المقاطع التي تمتدح بحرية زائدة، المغامرات الجنسية للحاخامات القدامى. -18 دراسة " بيراخوت" ، ص 58 ب. -19 " إن أمك سترتبك على نحو موجع؛ إن التي حملت بك ستشعر بالخزي . . ." . ارميا النبي، 12:50 وقد حرره موسى ھيامسون، أحد أشھر علماء اليھودية ،Boys Town -20 صادر عن في بريطانيا. -21 المؤسسون المفترضون للفرقة الدينية الصدوقية. -22 يسعدني أن أقول بأن كلمة " السود"تظھر في ترجمة جديدة صدرت مؤخراً (عن دار نشر جامعة شيكاغو ) ، ولكن ھذا الكتاب الكبير، الباھظ الثمن، من غير المحتمل الى الآن، أن يصل الى " الأيدي التي ينبغي ألا يصل اليھا، وعلى نحو مماثل، كان يُسمح في انكلترا، في أوائل القرن التاسع عشر، بنشر كتب راديكالية (مثل كتاب غودوين) شرط أن تصدر في طبعات باھظة الثمن. -23 يمكننا أن نذكر واقعة إضافية في ھذا الصدد .لقد كان ممكناً تماما،ً وجديراً بالاحترام على ما يبدو، أن ينشر عالم يھودي بالإسلام، ھو برنارد لويس ( الذي درّ س سابقاً في لندن، ويدرّ س الآن في الولايات المتحدة ) ، مقالاً في يشير فيه الى العديد من الفقرات في الأدب الإسلامي، المعادية ،Encounter للسود، برأيه، ولكن حتى ( أي فقرة من ھذه الفقرات، لا تشبه الفقرة المقتبسة أعلاه.وسوف يكون مستحيلاً تماماً لأي كان اليوم، مثلما كان مستحيلاً خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، أن يناقش في أي نشرة أميركية مُعتبرة، ھذه الفقرة أعلاه أو غيرھا من الفقرات التلمودية العديدة النابية، المعادية للسود .ولكن التھجم على الإسلام وحده، من دون نقد الجھات كافة، يصبح مجرد افتراء.

عناصر المفاجأة لا عناصر الدهشة في خطاب بعثي نضالي مغاير لبهجت أبو غربية

تيسير نظمي

حملت كلمة المناضل المخضرم بهجت أبو غربية في افتتاح المؤتمر الخامس لحزب البعث الأردني من عناصر المفاجأة ما لم تحمله من عناصر الدهشة نظرا للاعترافات الموضوعية التي جاءت في كلمته موسعة قاعدة الاستقطاب الكفاحي ضد الاحتلال الأميركي للعراق.فقد اعترف أبو غربية - البعثي القديم من أصول فلسطينية - أن استلام السلطة والسعي من اجل ذلك في مسيرة الحزب النضالية والتاريخية كان خطأ من جملة أخطاء انزلق إليها الحزب مبكرا مما اضعف مسيرته النضالية وسط الجماهير الشعبية، وبدلا من تعزيز دوره الجماهيري اضطرته مواقعه في السلطة لخوض الصراع من أجلها أو من أجل الحفاظ عليها.بالطبع كان الموقف العلمي والنقدي التاريخي مفاجئا لأوساط في المؤتمر هتفت لصدام حسين أكثر مما هتفت للعراق وهتفت باسم الحزب أكثر مما هتفت للمقاومة على قاعدة جبهوية ائتلافية تريد معتمدة على الالتقاء على القواسم المشتركة بدحر المحتلين أن تنقذ العراق من الاحتلال ومن التقسيم ومن الاحتراب والفرقة والطائفية والإثنية التي تتربص بالعراق والعراقيين ومقدراتهم ومقدرات الأمة. أمّا لماذا لم تكن كلمة وخطاب أبو غربية المغاير للبعث التقليدي السائد مدهشة، خاصة في ساحة الأردن، فإن لذلك مقدمات أفقدت خطاب أبي غربية من عناصر الدهشة الكثير. فقبل شهر التقيت في جريدة الأنباط الأردنية بالناقد والشاعر خالد علي مصطفى - العراقي البعثي من أصول فلسطينية أيضا - وقد مضى على أول لقاء به عندما زارني برفقة الصديق محمد الأسعد زهاء 27 عاما بالتمام وعدم الكمال. ولمست بلقائه الثاني الاستعداد الكامل لنقد التجربة والاعتراف بالأخطاء التي عانى منها حزبيا طيلة تلك الفترة. صيف عام 1978 لم يكن الخراب في حزب البعث قد بدأ من أوسع أبوابه، بل كان العراق ما يزال ينعم بأيام الجبهة الوطنية التي ضمت الحزب الشيوعي العراقي في إطار من التحالف في الجبهة الوطنية. ومع ذلك كان - على ما أذكر - خالد علي مصطفى واثقا ويزور الكويت من موقع الاقتدار بالحزب وبالسلطة وبأحلام الوحدة والحرية وتصورات الاشتراكية رغم وجود المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي في أوج قوته. بعد 27 عاما بدا لي صاحب مقالة المتانة الخمسينية في قراءة ديوان محمد الأسعد الغناء في أقبية عميقة أكثر إنسانية وأكثر موضوعية باعترافاته بالفساد الذي انتشر في أوساط الحزب في بغداد الرشيد. ولدرجة لم يتذكر أنه كتب تلك المقالة عندما ذكرته بها بأنها أول مقالة أقرأها له واختلف معه بها في الموضوع قيد الكتابة وهو ديوان شعر من الشعر الحر لفلسطيني آخر ليس بعثيا. أيام ذاك كان في تقديري أن نظرية المعادل الموضوعي التي جاء بها ت. س. أليوت هي التي تصلح كمدخل لنقد الديوان، مع علمي مسبقا أن مجلة الأقلام العراقية لن تنشر مثل هكذا مقالة. ولأن موضوع عدائنا للرأسمالية الأمريكية ليس، ولم يكن، موضوعا للنقاش. فإننا توخينا الحذر في علاقاتنا السياسية مع البعثيين وكنا نستقبل الفارين من نظام صدام حسين في بيوتنا ليستقبلونا بأحسن من ذلك في دورة الزمان في ايطاليا وقبرص وجميع المنافي وأماكن لجوء الرفاق في صوفيا - بلغاريا، مثلا.أما السبب الثاني لعدم دهشتي بما جاء به أبو غربية فيكمن في المقالات التي كتبتها أدعو فيها قبل وخلال وبعد الحرب على العراق لطوي صفحة الماضي التناحري التي ثمنها باهظا، وما يزال شبيبة البعث الأردنيون يريدون عودته هو لا غير لسدة الحكم في العراق. مع كل استنكاري وشجبي للطريقة التي يعامل بها زعيم عربي على يد المحتل الأجنبي ومع كل إيماني بأن الشعب العراقي هو صاحب الكلمة الفصل في موضوعه.السبب الأخير لعدم الدهشة هو توصيتي للزملاء في جريدة الزمان عندما بدؤوا يعودون لبغداد بأن يفتحوا صفحة جديدة مع الرفاق البعثيين لأنهم أيا كانت الجراحات مع بعضهم عميقة سيظلون عراقيين ولم يكونوا بحاجة لمثل نصيحتي لأن بعضهم already كان بعثياً وديمقراطياً وموجوعاً من الحصار والحروب والخذلان الشقيق.من هنا جاء أبو غربية مغايرا وغيورا، موضوعيا وعلميا ونضاليا رغم انحيازه المسبق. موسعا للقاعدة التي يمكن لكافة المناضلين الأحرار والشرفاء واليساريين والشيوعيين أن يلتقوا ويلتفوا حولها وحول برامجها من مختلف التيارات والبرامج، إنه برنامج مرحلة التحرر الوطني من المحتل والاحتكام من ثم للشعب بوسائل ديمقراطية بعد دحر الاحتلال، وهذا حقا نَفَسٌ نضالي طويل المدى يقدمه أبو غربية لمناضلي أمس ويوم أمس ولكثير من المناضلين حتى الأنفاس الأخيرة. خطاب بعثي مغاير في ساحة حزبية تحتاج للمزيد من النضج واختبار الوسائل النضالية وأشكالها غير المريحة أو الداعية للمزايدة في الفراغ.

لماذا يهتم شيراك وغيره من الزعماء الأوروبيين بملايين الأمور الصغيرة من السلب والنهب المبرمج والمنهجي الذي يفرض على الشعب الفلسطيني؟

2005/08/04

عميرة هاس

إسرائيل تواصل خطتها الرئيسية الساعية إلي قضم أغلبية الضفة الغربية.. وأوروبا تقف متفرجة طُلب من احدي الصحافيات الأوروبيات أن تكتب عن السور الذي يُشيد حول عناتا ويحولها إلي غيتو مغلق في داخل القدس. متأسفة.. قالت الصحافية، فمحررو الصحيفة لا يهتمون إلا بفك الارتباط حيث تتوفر فيه كل الجوانب المطلوبة. الأنباء الايجابية، الكثير من الدراما. اليهود يشتمون اليهود، واليهود يضربون اليهود. لقد مللنا الكتابة المتكررة حول أضرار السور.أحد جانبي العملة هو ذلك الود الذي قوبل به ارييل شارون في فرنسا في الأسبوع الماضي. وبالفعل هل يتوجب أن يهتم شيراك بحقيقة قيام السلطات الإسرائيلية بتدمير ثلاثة منازل في قرية الخضر في الأسبوع الماضي؟ وهل من مسؤولياته أيضا قضية استمرار مستوطنة أفرات غير القانونية الواقعة علي مسافة غير بعيدة من هناك، بالتوسع علي حساب المشاهد الطبيعية العتيقة في منطقة الخضر منذ أيام العهد القديم؟ ما لشيراك ولحقيقة أن المعابر التي تُشيدها إسرائيل الآن شرقي الخط الأخضر تنهب كيلومترات سمينة من مساحة الضفة الغربية ومن الأملاك الخاصة لمئات العائلات من اجل هدف شفاف وهو تكريسها كمعابر حدودية دولية ؟ ولماذا يتوجب عليه هو وغيره من القادة الأوروبيين أن يشعر بالصدمة إذا ما وصلت أسماعهم حقيقة أن الشوارع الرئيسة في الضفة قد أصبحت خالية من الفلسطينيين تقريبا وكأنها قد شهدت عملية ترانسفير؟ الإسرائيليون أنفسهم لا يشعرون بالصدمة من جراء ذلك. من الذي سيجد الكلمات حتى يوضح لصحف أوروبا أن الجنود الإسرائيليين يقومون كل عدة أسابيع بمنع كل سكان شمالي الضفة من السفر جنوبا؟ في حاجز زعترة جنوبي نابلس المجاور لمستوطنة تفوح غير القانونية يقوم الجنود بإعادة الناس من حيث جاءوا عندما يعلن الجيش الإسرائيلي عن إنذار ساخن، هذا الإجراء يسمي بلغة الجيش الخلاقة فصل. يفصلون بين يهودا والسامرة. في بعض الأحيان يتواصل ذلك أربعة أيام، وأحيانا حتى عشرة. ومن يُصر علي الوصول إلي غايته يجد طريقا التفافيا كالعادة، ولكن من طرق صعبة وملتوية وطويلة جدا. إلا أن الأغلبية تتنازل عادة عن حقها في التنقل. فلماذا يهتم شيراك أو صحيفة ليفيغارو أو صحيفة ليموند بالرعيان في جنوبي جبل الخليل الذين قام الجيش الإسرائيلي بطردهم أمس الأول من أراضيهم الرعوية علي مسافة صرخة من مستوطنة غير قانونية أخري ظهرت هناك؟ ولماذا يهتم شيراك وغيره من الزعماء الأوروبيين بملايين الأمور الصغيرة من السلب والنهب المبرمج والمنهجي الذي يفرض علي الشعب الفلسطيني صورة حياته؟ صغائر الأمور التي تُجمع معا في صورة واضحة هي: شارون يسعى بإصرار لتجسيد خطته الرئيسة: إلحاق أغلبية أراضي الضفة الغربية بدولة إسرائيل السيادية. غور الأردن، الكتل الاستيطانية التي تواصل الاتصال فيما بينها، الشوارع الضخمة المخصصة لليهود وحدهم، والمناطق الفاصلة التي أُلحقت بإسرائيل منذ زمن، والجزء الذي أُلحق بالقدس في عام 1967، وعمليات الإلحاق الفعلية علي ارض الواقع من خلال الجدار - كل هذه الأمور إذا جُمعت معا تساوي أغلبية مساحة الضفة. الجيوب الفلسطينية المكتظة بالسكان التي ستتبقى فيها سيطلقون عليها اسم الدولة فيصفق العالم مرحا وسرورا. وهناك أسباب تدفع إلي عدم الاهتمام بصغائر الأمور وعمليات النهب هذه: المسألة تتعلق في نهاية المطاف بنحو ثلاثة ملايين ونصف مليون مليون إنسان من دون نفط أو دعم أو أية قوة دولية. إخوانهم في الشتات وفي إسرائيل لا يشكلون مجموعة ضغط. هناك أماكن أخري في العالم يتعرض فيها عشرات ملايين الناس للظلم والقمع بصورة أكثر وحشية من دون أن ينبس أحد ببنت شفة. والكولونيالية الإسرائيلية لا تصل كما نعلم إلي نصف مستوي الدموية التي تميز بها الاستعمار الأوروبي.ولكن أوروبا مهتمة بالفعل. مليارات الدولارات التي تُحولها إلي هذه المنطقة تبرهن أنها تعرف أن هذا النهب الصغير يجري في مفترق حساس بصورة غير عادية. ربما يأمل زعماء أوروبا بأن يغطي المال الذي يُحول للسلطة الفلسطينية (ولإسرائيل في الواقع أيضا التي تتنصل بذلك من مسؤولياتها كقوة احتلالية) علي عجزهم وتقاعسهم. فهم قد فشلوا في تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بعدم شرعية المستوطنات.أوروبا ووسائل إعلامها - التي سقطت في شرك دعاية السلام في اوسلو في الوقت الذي تم فيه تكثيف الاستعمار الإسرائيلي - تتحمل مسؤولية عدم مواصلة غض البصر عن هذا الواقع الذي يصفه ممثلوها الدبلوماسيون في المنطقة. إسرائيل تعتبر جزءا من العالم الغربي المتحضر الذي يدعي استخلاص العبر من ماضيه الكولونيالي النازي ومكافحة العنصرية. قانون المواطنة وقانون عدم التعويض من أحداث الانتفاضة اللذين شُرعا في الكنيست إلي جانب قوانين أخري، تتناقض مع الرؤية الأوروبية المعلنة لـ مكافحة العنصرية والتفرقة. ولكن إسرائيل تشارك في المنافسات الرياضية الأوروبية وتعقد علاقات اقتصادية وعلمية وثقافية قوية مع أوروبا وكأنها مستجيبة لمعايير وثيقة حقوق الإنسان.بالفعل ليس من الممكن الفصل من الناحية التاريخية بين إقامة دولة إسرائيل وبين الإبادة العنصرية التي تمت بحق اليهود في أوروبا. لذلك هي تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الشعبين اللذين يعيشان في أرضنا، الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال والشعب اليهودي - الإسرائيلي المحتل. هذا يعتبر سببا كافيا لإلزام أوروبا بعدم مساعدة إسرائيل في تطبيق خطتها الرئيسة، سواء كان ذلك خطرا علي أمن المنطقة والعالم أم لا.

مراسلة الصحيفة للشؤون الفلسطينية

(هآرتس) 3/8/2005

آفي شلاييم وتهرب إسرائيل من مواجهة التاريخ وتزييفها له

حلمي موسى

قبل خمس سنوات أصدر المؤرخ آفي شلاييم باللغة الإنكليزية كتابا بعنوان "السور الحديدي، إسرائيل والعالم العربي". ورغم الاهتمام الإسرائيلي الواسع بالترجمة فإن خمس دور نشر إسرائيلية رفضت طباعة الكتاب وتوزيعه باللغة العبرية. وكان آفي شلاييم في نظر المؤسسة الإسرائيلية ليس أقل من "عدو للشعب". ومن الجائز أن أحد أسباب العداء للكاتب والكتاب هو استخدامه لفكرة الأب الروحي لليكود زئيف جابوتنسكي حول (السور الحديدي). وقد قصد جابوتنسكي تشكيل سور حديدي يحفظ منعة إسرائيل، في حين قصد شلاييم أن هذا السور أقيم أصلا ضد إقامة السلام مع العرب. ولكن أسباب عدم الاهتمام بكتاب شلاييم تتمثل في أنه يخالف الرواية الإسرائيلية الرسمية ليس في الهوامش وإنما في الصميم. فبوصفه أحد أبرز الأكاديميين الإسرائيليين في بريطانيا حلّل السياسة الإسرائيلية تجاه العرب عموما والشعب الفلسطيني خصوصا استناداً للوثائق والمعطيات الراسخة. وأظهر أن يد إسرائيل لم تكن أبداً ممدودة للسلام مع جيرانها. وقد اعتبر شلاييم إصدار كتابه بالعبرية تحدياً للإسرائيليين إن أرادوا التفكير بشكل واقعي. وحسب رأيه فإن الكتاب سواء لمن سوف يقتنع به أو من سيختلف معه سيشكل إغناء للنقاش السياسي الدائر في إسرائيل. والواقع أنه يكفي الإسرائيليين قراءة الإشارات الإيجابية للكتاب في المقالات النقدية في كبرى المجلات العالمية المختصة كي يكون لهم رأي مخالف. فقد اعتبرته صحيفة "التايمز" اللندنية "كتاباً جريئاً"، فيما اعتبرته مجلة "فورين أفيرز" (أحد أفضل التوصيفات المثقفة عن العلاقات الإسرائيلية العربية). أما مجلة "نيويورك تايمز بوك ريفيو" فرأت أن الكتاب "مثير... وشلاييم يعرض براهين مقنعة عن أن هناك مجالاً لإعادة النظر في التاريخ الإسرائيلي المعهود". ويكفي الكتاب مديحاً ما قالته عنه صحيفة واشنطن بوست من أن "شلاييم قدم استعراضاً بالغ القوة لخمسين سنة من السياسة... تدفع حتى الخبراء لتقديم الشكر له". أما المفكر الراحل إدوارد سعيد فوصف الكتاب في حينه بأنه "معلم من معالم الطريق في البحث المعاصر لشؤون الشرق الأوسط". ومن باب التندر أن كتاب شلاييم يكشف لأنه في أعقاب المؤتمر الصهيوني في بازل قرر حاخامات فيينا فحص أفكار هرتسل فأرسلوا اثنين منهم إلى فلسطين. وقد فحص الوفد الموضوع وخلص إلى التالي "إن العروس جميلة، لكنها متزوجة من رجل آخر". وربما لهذا السبب ثمة معنى لما يقوله الإسرائيليون عن شلاييم وكتابه. فتعقيباً على المقابلة في "هآرتس"، علق القراء بأقوال من هذا القبيل: (لا أفهم هذا التأثر بالدجال. فتاريخ دولة إسرائيل هو ما يحدث هنا الآن. وهناك رجال على قيد الحياة عاشوا تلك التجربة. فعلى من يحاول هذا الدجال تمرير أكاذيبه). ورأى آخر أن شلاييم ليس سوى (تافه مجنون آخر). غير أن قارئاً يمينياً على ما يبدو كتب أن "تيار مباي العمالي لم يكن يريد السلام. وهذه حقيقة". وأشار رابع إلى الجنون الكامن في ادعاء أن "العرب كانوا يريدون السلام". وتساءل خامس: "هل كتب علينا أن نكون شعب الدجالين؟". تجدر الإشارة إلى أن كتاب شلاييم ترجم إلى اللغات الإيطالية والبرتغالية والأسبانية والعربية. ولكن الترجمة العربية لم تحظ على ما يبدو بالانتشار.

يدُنا الممدودة .. للحرب

ميرون رافوبورات

هناك حاجة للكثير من الخيال لتصديق أن الرجل رمادي الشعر وغير الرياضي حقاً، الذي دخل المقهى بخطى مترددة وخجلة تقريباً، هو في جوهر الأمر عدو الدولة. هو الشخص الذي قال عنه اريك شارون وعن أشياعه أنه (لا يحِل تدريسهم) في المدارس. وهو الشخص الذي اهتمت وزيرة التربية ليمور ليفنات على كسح تأثيره وتأثير رفاقه من الكتب الدراسية عندما تولّت عملها. وهو الشخص الذي يراه حشد واسع يبتدئ بأنيتا شابيرا وشبتاي تبات، وينتهي إلى دان مرغليت وبن درور يميني وكثير أخيار آخرون، ويرون رفاقه مُهرّجين في الحالة الأفضل وأناساً يجلبون الضرر في الحالة الأسوأ. ويبدو أنه بالرغم من مظهره الساذج جداً، مع الشعر الجعد والحديث والبطيء، فإن آفي شلاييم الضلع الثالث والأقل شهرة في جماعة المؤرخين الجُدد يعلم أنه كذلك، ضرْب من عدو الشعب، حتى إنه ليستمتع بذلك متعة بريطانية دقيقة. والآن يأتي إلى إسرائيل، مسلّحاً بكتابه "السور الحديدي، إسرائيل والعالم العربي". بعد أن تقرأ صفحات الكتاب ال573 يمكن أن تفهم لماذا لا يريد شارون وليفنات أن يدرسوا شلاييم ها هنا: فبكتابة سيالة، تعتمد على الحقائق، يستعرض تسلسل اتصالات إسرائيل بالعالم العربي منذ 1948 إلى 2000، ويجزم أن (مهمة المؤرخ هي الحكم)، كما يقول، لأن القصة الإسرائيلية عن أن إسرائيل مدّت يدها للسلام دائماً، ولكن لم يكن من تتحدث إليه ليس لها ما تقوم عليه. فقد مدّ العرب مرة تلو أخرى أيديهم للسلام، كما يجزم شلاييم، وردّتها إسرائيل دائماً. وفي كل مرة بعلّة مختلفة.

نحن ضحايا النزاع

آفي شلاييم بين المؤرخين الجدد، هو المؤرخ الأكثر "كلاسيكية" إذا صحّ القول. فقد بدأ بيني موريس صحفياً ذا ضمير، ومكث في السجن العسكري لرفضه الخدمة في لبنان، وانطلاقاً من نقطة البدء هذه وصل إلى كتابه (التاريخ الجديد) لنشوء مشكلة اللاجئين. وكان إيلان بابيه نشيطاً في اليسار غير الصهيوني قبل أن يسافر لاستكمال دراسته للدكتوراه في اوكسفورد وقبل أن يخرج في حملة صليبية للدفاع عن بحث الماجستير لتيدي كاتس التي زعمت أنه جرت مجزرة في الطنطورة على سكان القرية. لم يأت آفي شلاييم من خلفية سياسية. لقد درس التاريخ في كامبردج وهو يهدف إلى أن يخدم في نهاية الأمر كدبلوماسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وهو عمل رسّخته له أمه، التي أحبّت وزارة الخارجية البريطانية حينما وجدت عائلتها ملاذاً في السفارة البريطانية في بغداد زمن أحداث الشغب المضادّة لليهود هناك عام 1941. وبعد أن درس لعدة سنين العلاقات الدولية في جامعة ردينغ (وتخصّص في الشؤون الأوروبية)، وفقط بعد أن انتقل إلى اوكسفورد، ابتدأ يهتم بتاريخ ذلك البلد، إسرائيل، الذي قضى فيه من عمره بين الخامسة إلى السادسة عشرة وخدم فيها الخدمة العسكرية لسنتين وربع السنة. ابتدأ هذا الاهتمام، بدرجة غير ضئيلة، بفضل أحد التلاميذ، قرأ بحثه للدكتوراه كفاحص خارجي، كان اسم التلميذ إيلان بابيه. الصدفة هي التي دعت المؤرخين الجدد إلى السكن في المحيط نفسه. في عام 1988 أصدر سمحا فلفلان كتابه "مولد إسرائيل: الأساطير والوقائع"، وأصدر إيلان بابيه كتاب "بريطانيا والنزاع اليهودي العربي"، وأصدر بيني موريس كتاب "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين"، وأصدر شلاييم كتاب "صدام وراء الأردن: الملك عبد الله، الحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين". هاجم شبتاي تبات وكاتب السيرة الذاتية لبن غوريون، آنذاك، فوق صفحات هآرتس، هجوماً ساحقاً ما سماه (المؤرخين الجدد). ردّ عليه بيني موريس، وتابع هو وإيلان بابيه القيام بهذه الحرب، التي تجاوزت على نحو سريع جداً مجرد الجدل الأكاديمي. ولكن في حين كان موريس وبابيه يُصارعون هنا المدافعين عن أسوار "التاريخ القديم"، ذاك الذي زعم بأن اللاجئين الفلسطينيين تركوا طوعاً وبأن الحركة الصهيونية بحثت عن السلام دائماً، بقي شلاييم في بريطانيا، وتابع التدريس في اوكسفورد، ونشر المقالات عن النزاع الإسرائيلي العربي. صدر كتاب "السور الحديدي" في بريطانيا في عام 2000، وبيع منه أكثر من 45 ألف نسخة وهو لذاك يعتبر كثير المبيع بمصطلحات أكاديمية. ومنذ ذلك الحين تُرجم إلى أربع لغات، إلى العربية أولاً والى البرتغالية آخراً في البرازيل. الآن فقط، عقب مبادرة يعقوب شاريت، ابن موشيه شاريت، الذي قرّر ترجمة الكتاب من تلقاء ذاته، يصدر الكتاب بالعبرية. وليس ذلك قبل أن توجه شلاييم إلى خمس دور نشر في إسرائيل يطلب أن تترجم الكتاب، ورُدّ عن ذلك، "غير مثير للاهتمام"، أجابوه. هذا كتاب شلاييم الأول الذي يصدر بالعبرية. ليس المسار الأكاديمي لشلاييم فقط يختلف عن مسار رفاقه. بل خلفية السيرة الذاتية أيضاً. فقد ولد بابيه على الكرمل في حيفا، وولد موريس في بريطانيا، وولد شلاييم في بغداد في عام 1945، ابناً لعائلة ثرية، في بيت فخم من ثلاث طبقات، ومع عشرة خدام وخادمات، وخادم خاص يمضي إلى السوق للشراء، كان أبوه مستورد موادّ بناء وكانت له علاقات برؤساء السلطة في بغداد، وفيهم رئيس الحكومة آنذاك نوري السعيد. "أكثر الوزراء كانوا زبائنه"، يقول شلاييم، "كانوا يأتوننا في البيت ويطلبون موادّ بناء لبيوتهم. لم يدفعوا قط لكنهم عوضاً عن ذلك استدعوا منه أعمالاً للحكومة ودفعوا أكثر بكثير مما كان مطلوباً. كان ذلك فساداً، لكنه لم يكن فساداً وحشياً كما كان لدى صدام حسين. كانت تلك ثقافة سياسية عربية قديمة، ثقافة المصالحة". يصف شلاييم بيتاً لم تكن اليهودية فيه عنصراً ذا شأن في هوية والديه. "كانت اليهودية طقوساً"، كما يقول، "كان والداي يمضيان مرة واحدة في السنة إلى الكنيس، وفي البيت تحدّثنا العربية اليهودية، وسمعنا موسيقى عربية. ولم تكن الصهيونية أيضاً شيئاً مهماً، لم تكن لوالدتي أي عاطفة نحوها. كان هناك وكلاء صهاينة حاولوا نشر الدعاوة، لكن ذلك لم يؤثر في النخبة اليهودية، ولا في الطبقة المتوسطة. لم يكن في العراق تراث المعاداة أو معاداة السامية". حدثت المجزرة الأولى في عام 1941، في فرهود، في أثناء التمرد العراقي (المناصر للنازية) على السلطة البريطانية. بدأت المشكلات الحقيقية مع حرب التحرير، كما يقول شلاييم، وعندها بدأ التنكيل. وبلغت الأمور الذروة عندما أُلقيت قنبلة على الكنيس الرئيس في بغداد في عام 1951، "ومنذ ذلك الحين إلى اليوم تدور شائعات تقول إن عميلاً إسرائيلياً هو الذي قذف القنبلة".

وهل حاولت، كمؤرخ، الفحص عن هذه الشائعات؟

طلبت الحصول على ملف بغداد من أرشيف الدولة. وبالرغم من أن هذه الوثائق يجب أن تُحرّر، بحسب القانون، فقد قالوا لي إن الملف مُغلَق ولن أستطيع رؤيته. قال في أحد معارفي إنه فحص عن الملف وليست فيه أي مشاركة إسرائيلية. ويُنكر جميع المشاركين في موضوع تهجير يهود العراق إلى إسرائيل شلومو هليل، ومردخاي بن بورات أنه كانت مشاركة كتلك.

وماذا تعتقد؟

لا أملك ما يكفي من الأدوات، كمؤرخ. أعرف فقط أن شاريت كتب في يومياته، في أثناء العملية المُخزية في مصر (التي خبأ فيها عملاء إسرائيليون قنابل في دور سينما في القاهرة لإثارة النزاع بين مصر وبريطانيا) أنه "كان في العراق حالة مشابهة". انه لا يُفصل، لكن شاريت خامره أن الموساد رمى القنبلة. اعتقد ولا أستطيع البرهنة انه كان تفاهم بين حكومة العراق وحكومة إسرائيل، تفاهم لا اتفاق. طلبت إسرائيل إلى العراق تهجير اليهود إلى إسرائيل، وقال العراقيون: لا نعارض، لكن اليهود يشغلون هنا أعمالاً رئيسة في الاقتصاد العراقي. وعندها قالت إسرائيل: أبقوا أملاك اليهود عندكم. هذا يلائم تصرّف حكومة العراق. بعد قذف القنبلة فوراً، بدأت حالة ذعر عند يهود العراق، وعندها أصدرت الحكومة قانوناً وبحسبه كل عراقي كتبوا عراقي، لا يهودي يريد أن يخرج من الدولة يستطيع الخروج إذا ما سُجّل حتى تاريخ معين، لكنه سيُضطر إلى التنازل عن مواطنته. سُجل مئة ألف من ضمن 130 ألفاً من يهود العراق، وفي ضمنهم أبي. وعندها، وفي الحال بعد ذلك، صدر قانون جديد قرر أن كل عراقي تنازل عن مواطنته، يتنازل عن سائر حقوقه، وفي ضمن ذلك حقوق الملك. كان أبي على ثقة من انه سيكون له ما يكفي من الزمن لبيع ملكه، لكن تبين له آنذاك أنه فقد كل شيء: البيت والمخازن والبضائع وقيمة ذلك نصف مليون جنيه إسترليني في ذلك الوقت. وقد اضطر في النهاية أيضاً إلى الانسلال من الحدود إلى إيران على ظهر حمار، لأنه كان قد تكفّل بدين يهودي آخر اختفى. أنا وأمي وإخواني، مع مواطنتنا البريطانية، خرجنا من العراق في رحلة طيران عادية إلى قبرص ولقينا أبي في إسرائيل.

إذن هل تقبل زعم أفراد "القوس الشرقية" الذين يقولون إنهم هجروا اليهود من البلدان العربية إلى إسرائيل لمنح الصهيونية في إسرائيل موادّ البناء؟

هذه النظرية مُقنعة جداً. انتصرنا في حرب التحرير وأقمنا دولة، لكن عدد السكان كان صغيرا جداً، أقل من مليون. كانت الأفضلية الأولى عند بن غوريون هي الهجرة إلى البلاد، ولم يكن الاحتياطي الأكبر من اليهود في أوروبا بل في البلدان العربية. لسنا لاجئين، ولم يطردنا أحد من العراق، ولم يقل لنا أحد أننا غير مرغوب فينا. لكننا ضحايا النزاع الإسرائيلي العربي.

يعرف ما هي القومية

هبط شلاييم، وهو آنذاك في الخامسة، مع والديه في رمات غان. نجح أبوه في جلب قليل من المال معه، وحاول أن يقوم هنا بأعمال، لكنه فشل. <<خدعوه. في بغداد إذا كنت تُعطي صكاً وكان يرجع فإنك لم تكن تُبدي سحنتك بعد ذلك. أما هنا فكان الأمر علاقة شرف>>، كما يقول شلاييم. أمه، التي لم تعمل يوماً واحداً في حياتها، وجدتَ عملاً كعاملة هاتف في بلدية رمات غان. لقد اندمجت اندماجاً حسناص. وقد دبّر هو وإخوانه أيضاً أمورهم على نحو لا بأس به. تعلّموا العبرية سريعاً، وإن كانوا قد تابعوا التحدّث مع الوالدين في البيت بالعربية. لقد سبّب له أبوه الخجل قليلاً، وبخاصة عندما كان يناديه بالعربية في الشارع، لكنه لم يجرؤ على أن يطلب إليه ألا يناديه بالعربية أمام الغرباء. "كان إنساناً محطماً، لكنه تابع اللبس والتصرف كإنسان جليل، مؤدب جداً، لم يثر ولم يتحمّس"، كما يقصّ شلاييم، "لقد جلب معه من بغداد كل الملابس التي خاطها له خياطه من قماش إنجليزي، لم يكن له عمل وكان ينزل إلى الشارع، وعليه حُلة وقميص مكوّي ورباط عنق، ويمضي إلى المقاهي ليجلس إلى أصدقائه من العراق، الذين لم يكن لهم عمل أيضا. وجالوا هم أيضاً وعليهم حُللهم في الشارع".

وهل حاولت التحدّث إليه؟

لم يتكلّم عن العراق، لقد سكت. يهمّني اليوم تمزّقه ويهمّني لماذا لم يتكلم آنذاك. ربما تكلّم ولم أهتمّ. فالأولاد، كما يبدو، لا يهتمّون بالتاريخ. مات في عام 1971. كان غير قليل من الأولاد العراقيين في الغرفة الدراسية لشلاييم، في رمات غان، لكن اليهود الغربيين في الصف كانت لهم الغلبة. "لم ألق تمييزاً، ولم أشعر بأنني مظلوم، لكن كان الجو أنّ كل شيء غربي حسن، وان كل شيء عربي هو متخلّف"، يقول شلاييم. "شعرت بإنجاز عندما كان عندي أصدقاء من اليهود الغربيين. أذكر أن أحد الأولاد وضع يده على كتفي وقال لي: أنت أفضل أصدقائي. وأدهشني أنه لا يشعر بأنني مُنحطّ". في الصف، جلس شلاييم في المقعد الأخير، لم يحضر الدروس، ولم تصدر عنه نباغة. كانت درجاته سيئة. وقد اجتاز امتحان التأهيل للثانوية على نحو أدهش الجميع، حتى لقد فوجئت مربيّته، واهتمّت بأن تقول له ذلك. بعد سنين من ذلك التاريخ قررت أمه لإنقاذه من براثن المدرسة الثانوية التي تنبّأت له بفشل متيقن، أن ترسله إلى بريطانيا، إلى أخيها الذي هاجر إلى هناك بعد الخروج من العراق. وصل شلاييم لندن في سن السادسة عشرة في عام 1962، تعلّم في مدرسة يهودية، ولم يشعر هناك بالغربة. على العكس، فقد جعلته حقيقة مقدمه من إسرائيل نجماً، وشخصاً جذاباً. أنهى الثانوية بدرجات مرتفعة، وعاد إلى إسرائيل ليخدم في الجيش، وما يزال يذكر إلى اليوم مراسم قسمه في ابتدائه. "كان ذلك في جبال يهودا، وكان الشعار "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم يهودا". أذكر أن شعوري كان بأننا محاطون بالعدو وبأنني على استعداد للموت من اجل الوطن. يساعدني هذا اليوم كباحث. أعرف ما هو الشعور القومي. شعرت به في داخلي". بعد الجيش عاد لدراسة التاريخ في جامعة كامبردج، وتزوّج بحفيدة لويد جورج، الذي كان رئيس حكومة بريطانيا زمن وعد بلفور، وعاد إلى البلاد يهدف إلى أن يُقبل في وزارة الخارجية الإسرائيلية، لكنه بُشّر آنذاك بأنه حصل على عمل محاضراً في جامعة ردينغ في قسم العلاقات الدولية. في عام 1987 قبل أستاذ كرسي في جامعة اوكسفورد وكان أستاذاً مشاركاً في كلية سانت انطونيو المجيدة. وقد وصل إلى كل ذلك، في مبلغ علمنا، بلا تخفيف عن الشرقيين.

لم أشعر بالخزي

في بداية حياته الأكاديمية، كما يقصّ شلاييم، قرّر على وعي ألا يشغل نفسه بالنزاع في الشرق الأوسط. لكن جُرّ رويداً رويداً. فمقالة هنا، ومقالة هناك. في عام 1982 جاء إلى إسرائيل مع منحة ليكتب بحثاً عن تأثير الجيش الإسرائيلي في السياسة الخارجية الإسرائيلية. وفي ذلك الوقت بالضبط فتحت الأرشيفات التي تبحث عن حرب 1948، ووجد شلاييم نفسه يجلس في أرشيف الدولة أياماً متوالية. "عند ذلك كُشف عن غطاء بصري"، يقول. "كان لديّ علم اكتسبته في الصغر وآمنت بطهارة سلاح إسرائيل، وآمنت بأن إسرائيل كانت الضحية. تجلّت لي وثائق بيّنت لي أشياء أخرى". قال لي بيني موريس لحينه إنه كان يفرح للكشف التاريخي إذا وجد وثيقة برهنت على مجزرة أو أعمال قتل، لكنه لم يشعر بالخزي كإسرائيلي. بماذا شعرت؟ "لم أشعر في أرشيف الجيش الإسرائيلي ولم تنكشف لي أعمال قتل أو غضب. عملت في وثائق دبلوماسية. لم أشعر بالخزي، لكنني دهشت. علمت أن هناك فرقاً في كل دولة بين الخطابة والعمل، لكنني لست أعرف أي دولة يبلغ الفرق بينهما فيها ما يبلغه في إسرائيل. فالقادة، جميعاً يتحدّثون عن السلام. فقد اعتادت غولدا القول إنها على استعداد للسفر إلى أي مكان في العالم لصنع السلام. لكن هذه لم تكن أقوالاً صادقة. ففي الأرشيف، في الوثائق الإسرائيلية، وجدت أن زعماء العرب كلهم كانوا أناساً عمليين، أناساً أرادوا السلام. "خذ مثلاً حسني الزعيم (رئيس هيئة الأركان السوري الذي تولّى الحكم في عام 1949 وأُبعد بعد عدة أشهر). قال إن طموحه أن يكون الزعيم العربي الأول الذي يصنع السلام مع إسرائيل. لقد اقترح تبادل سفراء، ووافق على استيعاب ربع مليون لاجئ فلسطيني في سوريا، لكنه طلب أن تمرّ الحدود في وسط بحيرة طبريا. لم يُنذر في شأن سائر اللاجئين. دُهشت للردّ الإسرائيلي. قال بن غوريون: أولا نوقّع على اتفاقات وقف إطلاق النار مع سوريا، وننظر بعد ذلك. حطّم هذا ما تعلّمته في حداثتي. لا يعني هذا أن بن غوريون لم يُرد السلام، لكنه أراده على أساس الوضع الراهن. قالت إسرائيل آنذاك إنه لا يوجد من تُحادثه. والحقيقة هي أنها قالت في الأساس إنه لا يوجد ما يُتحدث فيه".بناء على هذه المعرفة، التي ولدت بين رفوف أرشيف الدولة في القدس، كتب شلاييم كتابه (صِدام وراء الأردن)، الذي صدر كما قيل آنفاً في نفس السنة مع كتب موريس، وبابيه وفلفلان أولئك "المؤرخين الجدد" سيئي الذكر أو حسني الذكر، والأمر متعلّق بالناظر. في المقالة التي كتبها شلاييم قبل بضع سنوات لخّص ما يبدو في نظره المزاعم الخمسة الرئيسة للمؤرخين الجدد: الصيغة الرسمية قالت إن بريطانيا حاولت منع إقامة دولة يهودية، وزعم المؤرخون الجدد أنها حاولت أن تمنع إقامة دولة فلسطينية؛ وقالت الصيغة الرسمية إن الفلسطينيين هربوا من بلادهم طوعاً، أما "الجدد" فقالوا إن اللاجئين هُربوا أو طُردوا؛ وقالت الصيغة الرسمية إن علاقات القوة مالت لمصلحة العرب، أما "الجدد" فقالوا إن إسرائيل كانت ذات امتياز أيضاً في القوة البشرية وفي السلاح؛ وقالت الصيغة الرسمية إن العرب كانت لديهم خطة منسّقة لإبادة إسرائيل، أما "الجدد" فقالوا إن العرب كانوا موزعين؛ وقالت الصيغة الرسمية إن العناد العربي منع السلام، أما "الجدد" فقالوا إن إسرائيل آثمة في الأساس في الطريق المسدود. هذه الجماعة توزّعت في هذه الأثناء، فالثورة الفكرية التي مرّت على موريس بعد هيجان الانتفاضة الثانية التي سُوّغ في إطارها طردُ الفلسطينيين في عام 1948، أبعدته عن شلاييم . "لقد خرج عن الإجماع وعبّر عن آراء عنصرية"، يقول شلاييم، "هذا يمسّني كباحث". وأخطأ بابيه، في زعم شلاييم، في أنه دافع دفاعاً سياسياً عن العمل البحثي لتيدي كاتس والذي يمسّ مجزرة الطنطورة، وأخطأ أكثر عندما أيّد القطيعة الأكاديمية لإسرائيل. "تلك فكرة غبية متناقضة تماماً"، يقول، "لست مستعداً على أي حال لتأييد حظر على الحوار". لكنه يحافظ، في هذا المقام، على علاقات شخصية حسنة معهما كليهما. اهتمّ شلاييم سلفاً بالنقطة الأخيرة من بين النقاط الخمس التي تحدّث عنها المؤرخون الجدد: لقد اهتمّ بتاريخ <<الطريق المسدود>> في علاقات إسرائيل بالعالم العربي. (السور الحديدي) تاريخ مختصَر لهذا الطريق المسدود. يأخذ الكتاب اسمه من المقالة الشهيرة التي نشرها زئيف جابوتنسكي في عام 1923. "لا يمكن أن نحلم باتفاق طوعيّ بيننا وبين عرب ارض إسرائيل"، كتب جابوتنسكي في تلك المقالة، (وعلى هذا يستطيع الاستيطان أن ينمو في ظل القوة التي لا تتعلّق بالسكان المحليين، من وراء سور حديدي لا يكون في إمكان السكان المحليين خرقه). كان جابوتنسكي آنذاك في قلة. كانت مباي هي الكثرة، واحتقر بن غوريون آنذاك جابوتنسكي. ولكن في واقع الأمر، كما يزعم شلاييم، فإن بن غوريون والحركة الصهيونية ودولة إسرائيل بعقبها أخذوا بنظرية <<السور الحديدي>>، أي أنهم صدقوا أن الشيء الوحيد المهم هو "إقرار حقائق ميدانية" ولهذا فلا داعي للتفاوض مع العرب. نسوا فقط، كما يلاحظ شلاييم، الخاتمة في مقالة جابوتنسكي حيث يقول إنه بعد أن يُسلم العرب ب(السور الحديدي)، فسيكون في الامكان محادثتهم في تنازلات. السنوات العشر الأولى لدولة إسرائيل تبرهن، بحسب شلاييم، على هذا الزعم. فقد أراد فاروق ملك مصر تسوية، وردّته إسرائيل. وأراد عبد الله ملك الأردن تسوية، وردّته إسرائيل أيضاً. ولقد تحدّثنا عن حسني الزعيم من سوريا آنفاً. حتى إن العدو الكبير عبد الناصر، كما يكشف شلاييم في أحد الكشوف المفاجئة في الكتاب، أرسل مندوبين، حتى لقد أرسل رسالة شخصية إلى شاريت، الذي كان آنذاك رئيس الحكومة، يهدف إلى تلمّس طرق التسوية. ولقد رُدّ رداً قاطعاً. يظهر من الكتاب إحساس واضح بدولة لا تعرف الشبع. ودَيان، الذي كان آنذاك رئيس هيئة الأركان، يضغط لمحاربة مصر لاحتلال قطاع غزة وشرم الشيخ، و<<يثير اقتراحاً>> لاحتلال الضفة. ويضغط يغئال ألون لإصلاح "بكائية الأجيال" التي تمّت في عام 1948، ولاحتلال الضفة وضمها. ويتلهى بن غوريون ذات مرة بهذه الفكرة ومرة أخرى بفكرة أخرى، وفي عام 1956، قبل لحظة من عملية سيناء، يبسط حلمه الكبير أمام أصدقائه الجدد من فرنسا: ستحتلّ إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وستحتلّ الضفة الغربية مع شق المملكة الأردنية وستصل إلى الليطاني مع إقامة دولة مارونية في شمال لبنان. كل القمة الإسرائيلية (ما عدا موشيه شاريت)، كما يقول شلاييم، أخذت بفكرة "السور الحديدي". أما الجدل الوحيد فكان على مكان نصبه.

كل لقاء مهم

كان مردخاي (مورليه) بار أون هنالك عندما كشف بن غوريون عن <<خطته الكبيرة>> في قصر سفير بقرب باريس. لقد عمل آنذاك رئيساً لمكتب ديان، وكان مشاركا في اتصالات سرية كثيرة وغير سرية. اليوم هو نفسه مؤرخ، وصديق شخصي لشلاييم. نحن نجلس على شرفة بيت بار أون في القرية الألمانية في القدس، وهي ملاذ لنخبة إسرائيلية، ومكان لم يكن شلاييم منتسباً إليه في أي مرة، ويتحدثان فيما حدث. كان بار أون نشيطاً في "سلام الآن"، وهو لا يخالف شلاييم مخالفة حقيقية فيما يتعلق بالحقائق. لكنه يخالفه جداً فيما يتعلق بالتأويلات التي يعطيها إياها شلاييم. صحيح، إسرائيل رفضت كل الاقتراحات العربية، يقول، صحيح، لم يكن للعرب حتى أيار 1967 أي خطة حقيقية لمهاجمة إسرائيل. لكن لم يكن في الإمكان قبول الاقتراحات العربية، وكانت الحرب حتمية، لأن العرب لم يكونوا يستطيعون نسيان ما فعل بهم الإسرائيليون في عام 1948. يذكر بار أون خطبة (الخطة الكبيرة) لبن غوريون. "كنت في حرج عندما سمعت ذلك، فقد بدا ذلك كنص من مؤتمر فرساي"، يقول. لكنه يعترف أن أفكار التوسع، باتجاه مصر على الأقل، كانت سائدة جداً في سنوات الخمسين. "صحيح انه منذ 1955 كان ديان يضغط لحرب مصر. فهو يحث الشيخ (بن غوريون) على "حرب ردع"، والشيخ لا يستجيب. في كانون الأول 1955 التقى ديان وخمسين ضابطاً وسألهم من يؤيد الحرب الردعية. وصوّتوا بأجمعهم ما عدا واحداً مؤيدين. لم يحصل ديان من بن غوريون على إذن بالخروج إلى حرب استباقية، ولكنه قبِل أن يسيء الوضع. في أحد أعمال الردّ في المنطقة منزوعة السلاح في نيتسانه طلب إبقاء القوات إلى الصباح وهو يأمل أن يهاجم المصريون". في نهاية الأمر أمر بن غوريون بإخراج القوات وتخلّى ديان. يعترف بار أون بأن ديان أراد طرد المصريين عن قطاع غزة وان ينشئ قطاعاً من العريش إلى شرم الشيخ تسيطر عليه إسرائيل. (كان هذا توسّعاً إقليمياً)، يقول بار أون، (لكنه نبع مما رآه ديان ضعفا استراتيجيا لإسرائيل. ولم يكن هنا شأنا إيديولوجيا). شلاييم، في مقابلته، يرى ديان وبن غوريون مصدراً لكل سوء. فبن غوريون شرير، وديان فكر بمصطلحات النزاع الأبدي. كان شاريت هو الوحيد الذي حاول محاربتهما. لقد عرض توجّهاً آخر، توجهاً آمن بأنه يمكن إنشاء حوار مع العرب؛ وأن ما تفعله إسرائيل، وحتى ما تقوله إسرائيل، يؤثر في حركية النزاع. (اعتقد انه كانت هنالك مدرستان)، يقول شلاييم، "وعندما أقال بن غوريون شاريت في عام 1956 هدم المدرسة المعتدلة، ولم تُبعث بعد. لم يكن لتلك المدرسة قائد، ولم يكن آبا ايبان خياراً". (هراء)، يبطل بار أون ذلك بحركة من يده، (لم تكن مدرستان. كانت مدرسة قوية، سائدة، لبن غوريون وكانت مدرسة صغيرة، ضعيفة، لشاريت. لم تكن قوى). يزعم شلاييم بأن أعمال الرد في سنوات الخمسين، وهي طفل ديان، أفضت إلى سوء الوضع، والى زيادة عمق الكراهية وإبعاد احتمال الحوار. لهذا فقد حاربها شاريت بكل ما أوتي من قوة. حارب وخسر. يوافق بار أون على انه في الجبهة المصرية على الأقل، كانت أعمال الرد هي التي ولدت أعمال الفدائيين من قطاع غزة وهي التي أفضت إلى حرب سيناء. لكن ديان قد اعتقد، كما يقول بار أون، بأن العرب يكرهوننا على أي حال، ولهذا لا يهمّ مبلغ القوة التي سنستعملها. يعتقد بار أون انه كان على حق. (اعتقد شاريت بأننا إذا ما تصرفنا تصرفا حسنا، فان العرب لن يُضيقوا علينا. وإذا لم نتصرف تصرفا حسنا، فان الكراهية العربية ستطغى. اعتقد بأنه أخطأ في الأمرين. كان هنالك 750 ألف لاجئ فلسطيني، ضربناهم ضربة أليمة في عام 1948، وكانت لديهم أسباب جيدة للكراهية. إذن ماذا سيحدث إذا ما أضفنا كيلوين أو ثلاثة كيلوات من الكراهية؟ إذا كان يمكن فعل عمل حسن، فقد كان يجب فعله. كان الوضع الأساسي للعالم العربي عدم قبول الوضع من عام 1948 وكان ذلك تفكيراً صبيانياً بأن يعتقد أحد ما أن شيئا سيساعد). هنا بالضبط يخالف شلاييم بار أون. فعبد الرحمن صادق، الذي كان ضابط الصحافة المصرية في باريس، أدار الاتصالات من قبل ناصر مع إسرائيل في عام 1955. (لم يكن ذلك الحوار على السلام)، يقول شلاييم، (كان على تخفيض التوتر، وعلى مضاءلة الدعاوة، وعلى تخفيفات على البضائع، وعلى أمور كان يمكن أن تُحسن الجو، لتكون طرف خيط).. بار أون: (طرف ماذا)؟ شلاييم: (محاولة ليفهم الواحد الآخر، لبدء حوار خارج خطوط النزاع). بار أون: (أقف هنا على خلاف تامّ مع أبي. لم يكن عبد الله يستطيع أن يُجيز اتفاق السلام في حكومته. ولم تكن قضية الزعيم جدية. وأخطأ بن غوريون في أنه لم يلقه لأنه كان سيمنع آنذاك أبي من كتابة مقالته. وكان ناصر أكثر جدية لكن لم يكن الحديث هناك عن السلام. في الحد الأقصى كانوا سينقلون الجوارب في قناة السويس. لم تُرد إسرائيل الحصول على سلام بالشروط الدنيا التي كان العرب مستعدّين للحديث فيها: الحدود وإعادة اللاجئين. لو كنا وافقنا على ذلك لما كانت دولة إسرائيل اليوم). شلاييم: (ليس الكل سلاماً أو حرباً. توجد تسويات مرحلية أيضاً. فكل اتصال، وكل لقاء مهمان. عمّقت حرب سيناء العداء، وعمّقت الكراهية، في عام 1964 ينشئون م.ت.ف، ويقيمون قيادة عربية موحّدة، ولأول مرة نصبت الجامعة العربية لها هدفاً هو تدمير إسرائيل. هذه نتائج حرب سيناء، وهذا ما أفضى إلى حرب الأيام الستة). فيما يتعلّق بالأيام الستة بخاصة يتفق كلاهما. في عام 1967 حدثت اللحظة التي أصبح فيها السور الحديدي واقعاً في الوعي العربي. منذ تلك اللحظة إلى الآن والعرب يدركون أنهم لن يستطيعوا هزيمة إسرائيل وان الطريق الوحيد ليحصلوا منها على شيء ما هو بالتفاوض. يقول بار أون إنه <<بمسيرة حكيمة>> كان يمكن آنذاك إعادة المناطق وإحراز السلام. يقول شلاييم إنه بعد الحرب فوراً، اقترح حسين سلاماً تاماً لقاء انسحاب من الضفة، لكن (جليلي وألون وسائر لصوص الأراضي) ردوا سلباً. في نظر شلاييم، كان هذا الجواب السلبي استمراراً للسياسة التي تجري منذ 1948 أو حتى قبل ذلك. وفي نظر بار أون هذا خطأ عيني. يرى شلاييم شارون متابعاً مباشراً لتوجه (السور الحديدي). (لم يؤمن شارون في أي مرة بأنه يمكن حل المسيرة بطرق سلمية)، يقول شلاييم. (كان دائماً جنرال الحلول العنيفة. منذ أربع سنوات وهو رئيس حكومة، ولم يكن له لقاء واحد من أجل التسوية الدائمة. كان السور الحديدي عند جابوتنسكي استعارة. أما عند شارون فالسور يصبح واقعاً مادياً يشوّه المنظر الطبيعي، ويدمّر البيئة، ويدمّر في الأمد البعيد مجتمعَين، المجتمع الفلسطيني والمجتمع الإسرائيلي. يؤيد اليسار الجدار، لكنني لست اعتقد انه سيأتي بتسوية). ولكن ما الذي يعرفه شلاييم، لقد قال لي ونحن في المقهى إنه منذ كان ولدا، كانت إسرائيل تبدو له (حيلة اشكنازية) لم يشعر بأنه جزء منها، (لست على ثقة إلى اليوم بأنني أعرف طريقة عمل هذه الحيلة).

ملحق هآرتس 12/8/2005

ترجمة (المصدر)

تقرير أمريكي : الروايات العربية تكشف أهم الحقائق

نشرت مجلة "نيويوركر" الأمريكية تقريرا أدبيا يوضح الحاجة لترجمة الأدب العربي لأسباب منها أنها تجيب على أسئلة مهمة حول العالم العربي. وتساءلت الباحثة والكاتبة الأمريكية كلوديا روث بيربونت فى تقريرها عن موارد استقاء المعرفة عن شعوب العالم العربي ، وخصت منها مصر وبيروت والسعودية ، وقالت: إن الصحف الأمريكية تركز اهتمامها على هذا الجزء من العالم فقط حال احتدام الأوضاع السياسية والميدانية بها ، فيما يقوم الأدب العربي ، لا سيما الذى تعدى بتفوقه رفوف المكتبات المحلية وتم ترجمته إلى اللغة الإنجليزية ، بمنحنا القدرة على التعرف على معاناة هذه الشعوب وتعاطيها مع الحب والعداء ودوافعها الثورة. خصت الكاتبة من بين هذه الأعمال الأدبية رواية "عمارة يعقوبيان" للدكتور علاء الأسواني التي قالت إنها حوت طاقما من الشخصيات بوسط القاهرة والتى عكست صورا للاضطهاد الطبقي ، والفساد الحكومي ، والتعذيب داخل السجون ، وصعود الجماعات الأصولية ، وميل الدولة المصرية إلى دفع الشباب الفقير إلى التطرف والعنف الذى يمكن أن يمتد به إلى الانتقام والقتل ، وقالت إننا يمكننا أن نتصور ما الذي يعنيه العيش فى ظل مجزرة بأحد مخيمات اللاجئين بشاتيلا عام 1982 كما في "باب الشمس" للبناني إلياس خورى. لفت التقرير الذي نقلته صحيفة "الشروق" المصرية إلى أنه قبل منتصف الخمسينيات لم تتعد ترجمات الروايات العربية المترجمة للإنجليزية أكثر من أربع روايات على الأرحج ، فيما كان حصول الأديب العالمي نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عام 1988 نقلة فى مجال ترجمة الآداب العربية ، إلا أنه على الرغم من ذلك ظلت جهود الترجمة إلى الإنجليزية مرهونة بجهود مترجمين متحمسين وجهات نشر صغيرة ، الأمر الذى جعل إيقاعها لايزال بطيئا ، ومع ذلك أكدت بيربونت الجهود التى باتت تبذل أخيرا لدفع عملية الترجمة قدما وخصت بالذكر جائزة البوكر العربية التى تأسست عام 2007 جاعلة هدفها الرئيس دعم نشر الأدب العربي عالميا. على الرغم من احتفاء هذا التقرير الأمريكى بأهمية ترجمة الأدب العربي ، إلا أنه لم يخف تخوفه من أن يتحول إغراء الترجمة إلى الإنجليزية والنشر على المستوى العالمي إلى ما وصفتها بـ"القوة المفسدة" التى تجعل الأدباء العرب يتجهون بذائقتهم إلى السوق الأكبر مخلفين وراءهم هموم جمهورهم المحلي.

والغارديان تختار أهم عشر روايات عن العالم العربي

اختارت جريدة الغارديان البريطانية رواية الشاعر والروائي إبراهيم نصرالله ، كواحدة من أهم عشرة كتب عبرت عن العالم العربي ، سواء من تلك التي كتبها كتاب عرب أو كتاب أجانب ، وكانت هذه الكتب الوسيلة الأفضل للتعبير عن عمق الحياة الحضارية العربية بعيدا عن سطوة الإعلام السائدة اليوم. وقد اختار القائمة بتكليف من الغاردين الكاتب الأمريكي مات ريس المولود في ويلز ، والذي يعيش في فلسطين منذ عام 1996 ، مراسلا لمجلة نيوزويك ومديرا لمكتب مجلة تايم ، وهو مؤلف عدد من الروايات البوليسية الناجحة التي يسند دور البطولة فيها لمحقق فلسطيني اسمه عمر يوسف ، وقد نال عددا من الجوائز العالمية عن هذه الروايات ، وهو يرى أن أفضل وسيلة لفهم الفلسطينيين هي كتابة أعمال روائية عنهم. وضمت القائمة كذلك: أحلام الذئب للكاتب الجزائري محمد بولسهول الذي يوقع رواياته باسم ياسمينة خضرا ، ودعوني أهبط للكاتب الأمريكي بول بولز الذي عاش في مدينة طنجة المغربية منذ عام ,1947 وظلال الرمان للكاتب الباكستاني طارق علي ، وبين القصرين لنجيب محفوظ ، ومدن الملح لعبد الرحمن منيف ، وعمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني ، والوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي ، وجبل الزيتون ، من رباعية الإسكندرية للكاتب البريطاني لورنس داريل ، وكتاب الصخرة: حكاية القرن السابع للقدس لكنعان مكية. يذكر أن (براري الحمى) قد صدرت في ثلاث طبعات بالعربية ، وترجمت إلى الإنجليزية والإيطالية والدنمركية واختيرت قبل عامين كواحدة من أفضل خمس روايات ترجمت إلى الدنمركية من آداب أفريقيا وآسيا واستراليا وأمريكا اللاتينية. وقد أثارت براري الحمى منذ صدورها عام 1985 جدلا واسعا في الأوساط الثقافية العربية كواحدة من أبرز روايات ما بعد الحداثة ، وظلت واحدة من الروايات التي تثير الكثير من الاهتمام وقد تمت دراستها في عديد الرسائل الجامعية العربية والأوروبية والدراسات النقدية. يقول الشاعر والروائي الإنجليزي جيرمي ريد: براري الحمىّ هي الجوابُ العربي عن النفس المنشطرة ، من خلال عين الراوي الداخلية الشديدة الهلوسة. ذلك أن ذهنه قادر على إنشاء أهرامات تناطح السماء ، أو تفجير نبع جارف من سطح صخري. وقد كانت رحلته خلال النيران ، ويستطيع المرء أن يقول إن كلماته تحرق الورق ، إنها تصل دائماً إلى ما هو الأهم في الفن: وهو العملية التحويليّة التي يفقد فيها العالمان الداخلي والخارجي تمايزهما ، ويندمجان أحدهما في الآخر عن طريق دينامية المجاز. ورواية "براري الحُمّى" تدور حول الحدود القصوى ، وينبغي أن تُقرأ من أجل رؤياها التي لا يعلق بها الخوف ، ومن أجل اهتمامها بالعقل بمعزل عن سواه ، ومن أجل اعتقادها المطلق بأن الشعر قادر على أن يغيّر العالم. في حين ترى الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي أن براري الحمى من أدق التجارب الجمالية تشرُّباً لروح الحداثة ، فقد استبطن المؤلف الحداثة استبطاناً كاملاً وكأنه ولًدَ فيها. لقد أنتج الفن القصصي الفلسطيني معالجات فريدة لا مثيل لها في الأدب العربي ، ومثال ذلك رواية (المتشائل) ورواية (براري الحمى) .أما الناقد الإيطالي فليبو لا بورتا فيقول: (قراءة هذه الرواية تعني وقوعك في أسر الغموض العذب ، والفراغ الغامض الذي يتواجد في أعماق كل مخلوق إنساني ، متجاوزا البشر عابرا أعماق الكائنات الحية والجمادات في تلك الصحراء. في هذه الرواية الرائعة يستخدم الكاتب تقنية سردية بارعة موازية لذلك التمزق في الوعي والازدواجية التي تعيشها الشخصية الرئيسة الواقعة بين فكي الخلل المطلق وسؤال المصير ومغزى الحياة ، أما الشيء الأكيد فهو أننا لن نعرف بعد قراءتنا لهذه الرواية هل عدنا أم بقينا هناك في الصحراء. وترى الدكتورة فدوى مالطي دوغلاس رئيسة قسم الدراسات الشرقية ـ جامعة إنديانا أنها رواية مختلفة وبظهورها انضم إبراهيم نصر اللـه إلى كتّاب ما بعد الحداثة في العالم العربي ، والجديد في سردها هو أن هذا السرد الذي ابتدأ بضمير المتكلم يتوقف ليدور بضمير المخاطب ، أي ليصبح (أنتَ) وهذا (الأنت) هو الذي يجب أن يألفه القارئ لأنه يصبح أيضاً (هو) وهو أسلوب قلَّما أستعمل في الآداب العالمية ، وقد وضع (ميشال بوتور) رواية كاملة هي (التعديل) بضمير المخاطب ، غير أن سرد بوتور ينتظم من أوله إلى آخره ، أما براري الحمى ، فإنها تتشكل من ثلاثة ضمائر ، إنها رؤية أدبية فريدة.

التاريخ : 20-01-2010